2026-06-02
193
المُحكَم والمتشابِه في القرآن
القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الَّذي ختم به الكتب، وقد شاء الله سبحانه أن يتكفل هو بحفظ كتابه، ولم يكِل ذلك لأحد من خلقه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾[الحجر: 9]، والقارئ لكتاب الله يجد أن القرآن نفسه يقرر أن منه المحكم ومنه المتشابه: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ﴾[آل عمران: 7].
سماحة الشيخ: ما المقصود بالمحكَم والمتشابِه؟ وما الحكمة من وجود هذا التنوُّع؟
ولماذا لم يكن القرآن كله محكَمًا؛ حتَّى لا تزيغ الأهواء، وتتعدَّد الأفهام، ويضلَّ النَّاس؟ نرجو من فضيلتكم توضيح هذه المفاهيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ممَّا لا ريب فيه أنَّ في القرآن محكمًا ومتشابهًا، وفقا لما صرح به القرآن نفسه في الآية السَّابعة من سورة آل عمران: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ﴾[آل عمران: 7].
هذا، مع أنَّ في آية أخرى أثبت القرآن أنَّ آياته كلها محكمة، كما قال تعالى في مطلع سورة هود:﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[هود: 1].
ومعنى «إحكامها»: إتقانها وإحسانها بحيث لا يتطرق إليها أيُّ لون من ألوان الاختلال في اللفظ أو المعنى، في المفردات أو الجمل، في الأخبار أو الأحكام. كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا﴾[الأنعام: 115]، صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام.
كما وصف القرآن في آية أخرى بأنَّه كله متشابه، كما قال تعالى:﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًۭا مُّتَشَٰبِهًۭا مَّثَانِىَ﴾[الزمر: 23].
ومعنى تشابهه: أنه يشبه بعضه في بلاغته وإعجازه، وروعة تأثيره، وفي صدق أخباره، وعدالة أحكامه، وكذلك في تناسقه وتناغمه بحيث يصدق بعضه بعضًا، ولا يتناقض بعضه مع بعض:﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾[النساء: 82].
فآية سورة آل عمران قد بيَّنت أن في القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات، فما معنى الإحكام والتشابه، وبالتالي: ما معنى المحكم والمتشابه في القرآن؟
نقل الشيخ مرعي في كتابه «أقاويل الثقات» جملة أقوال للعلماء في بيان ذلك:
فقيل: المحكَم: ما وضح معناه، والمتشابِه: نقيضه.
وقيل: المحكَم: ما لا يحتمل من التأويل إلَّا وجهًا واحدًا، والمتشابه: ما احتمل أوجُهًا.
وقيل: المُحكَم: ما تأويله تنزيله، والمتشابِه: ما لا يُدرى إلَّا بالتأويل.
وقيل: المُحكَم: ما لم تتكرَّر ألفاظه، والمتشابِه: القصص والأمثال.
وقيل: المُحكَم: ما يعرفه الراسخون في العلم، والمتشابِه: ما ينفرد الله بعلمه.
وقيل: المتشابِه: الحروف المقطعة في أوائل السّور، وما سوى ذلك مُحكَم. وقيل غير ذلك.
وقال جماعة من الأصوليِّين: المُحكَم: ما عُرف المراد منه، قيل: ولو بالتأويل، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كالحروف المقطعة، وهو معنى قول بعضهم: إنَّ المحكم: هو المكشوف المعنى الَّذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال، والمتشابه: ما يتعارض فيه الاحتمال، ويجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة: كالقَرْء(1)، وكاللمس(2) المتردد بين المس والوطء، وقد يطلق على ما ورد في صفات الله تعالى ممَّا يُوهم ظاهره الجهة والتشبيه، ويحتاج إلى تأويله. وأنا أميل إلى هذا القول.
سرُّ وجود المتشابِه في القرآن:
ونبدأ بالإجابة على هذا السّؤال: لماذا وجد في القرآن «آيات متشابهات» ولم يكن القرآن كله محكمًا؟
فقد قال تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾[آل عمران: 7].
لماذا أنزل الله هذه الآيات الَّتي يركض وراءها الزائغون؟ يعتمدون عليها، ويتركون المحكمات ـ وهي أم الكتاب ومعظمه ـ ابتغاء الفتنة للعقول، وابتغاء التأويل فيما لا يعلمون تأويله، وليس من اختصاصهم تأويله، إنَّما يريدون تأويله تأويلا يخدم أهواءهم؟
وقد بينا الحكمة من ذلك في كتابنا «كيف نتعامل مع القرآن العظيم»:
«والحق: أنَّ من عرف طبيعة اللغات ـ وبخاصَّة العربية ـ وما فيها من اختلاف الدلالات للألفاظ والجمل، وتنوُّع الخطاب حسب مقتضى الحال، ما بين الحذف والذِّكر، والتقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وما بين الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والعموم والخصوص، إلخ.وعرف طبيعة الإنسان باعتباره مخلوقًا مختارًا عاقلًا مُبتلًى بالتكليف، وليس كالحيوانات العجماوات، أو الجمادات المسخَّرات، ولا كالملائكة المفطورين على الطاعات دون اختيار منهم، وأنَّ من شأنه أن يُعمِل قُواه وملكاته العقليَّة.وعرف طبيعة الدين، وطبيعة التكليف فيه، وهو إلزام ما فيه كلفة ومعاناة، لما فيه من صقل الإنسان في الدنيا، وإعداده بهذا للخلود في الآخرة، وترتيب الجزاء والثواب على هذه المعاناة.وعرف طبيعة الإسلام الَّذي يخاطب أولي الألباب، ويريد تحريك العقول لتبحث وتجتهد، وتدرس وتستنبط، ولا تركن إلى الدعة والكسل العقلي.وعرف طبيعة البشر، وتنوُّع أصنافهم، ففيهم الظاهريُّ الَّذي يقف عند حرفيَّة النَّصِّ، وفيهم الَّذي يهتم برُوح النَّصِّ، ولا يكتفي بظاهره.. فيهم من يسلِّم، وفيهم من يؤوِّل.. فيهم العقلانيُّ، وفيهم الوجدانيُّ… وكان الخطاب القرآني للناس جميعًا. فاقتضت حكمة الله أن يسعهم خطابه، وأن يودعه من البينات والدلائل ما يرشدهم إلى الصواب، ولكن بعد بحث وجهد، حتَّى يرتقوا في الدنيا، ويثابوا في الآخرة، والله أعلم»(31).
1. وهو متردد بين الحيض والطهر. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/112)، وزاد المسير لابن الجوزي (1/259)، تحقيق عبد الرزاق المهدي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1422هـ . والصحيح أنه الحيض كما حقَّقه ابن القيم في زاد المعاد (5/600 ـ 615)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 27، 1415هـ ـ 1994م.
2. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/223)، وزاد المسير (3/92).
3. انظر كتابنا: كيف نتعامل مع القرآن صـ 270، 271، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 1، 1999م.