المقالات

❓ دعاء نصف شعبان

📅 2026-06-02 👁 607 مشاهدة

نص السؤال:

ما حكم دعاء نصف شعبان؟ وهل ورد في ليلة النصف من شعبان أحاديث صحيحة؟ فنحن الآن في شهر شعبان.. وبعض المسلمين يختصون ليلة النصف من شعبان بصلوات وأدعية يتلونها؛ فهل عملهم هذا مشروع، وهل ورد شيء في فضل هذه الليلة؟

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ليلة النصف من شعبان، لم يأتِ فيها حديث وصل إلى درجة الصحة، هناك أحاديث حسَّنها بعض العلماء، وبعضهم ردَّها وقالوا بأنَّه لم يصحَّ في ليلة النصف من شعبان أي حديث(1).
ومما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان حديث: «يطَّلعُ اللهُ 8 إلى خلقه ليلةَ النِّصْف من شعبان، فيغفرُ لعبادِه إلا لاثنين: مشاحنٍ، وقاتل نفس»(2)، وهذا الحديث قد حسَّنه بعض العلماء، وضعَّفه بعضهم، حتَّى قال الفقيه القاضي أبو بكر ابن العربي: وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوَّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها(3).
ولو قبلنا الأحاديث الواردة في فضل هذه الليلة وإحيائها بالطاعة؛ فلم يرد عن النبيِّ ولا عن الصحابة ولا عن أهل القرون الأولى وهم خير القرون؛ لم يرد عنهم أنَّهم كانوا يتجمعون في المساجد لإحياء هذه الليلة، ويتلون دعاء خاصًّا ويقيمون صلوات خاصة، كالتي نعرفها في بعض بلاد المسلمين، فبعض البلاد يتجمع النَّاس فيها بعد المغرب في الجوامع، ويقرؤون سورة «يس» ثم يصلون ركعتين بنيَّة طول العمر! وركعتين أُخريَين بنية الغنى عن النَّاس، ثم يتلون دعاء لم يؤثر عن أحد من السَّلف، وهو دعاء طويل، وهو مخالف للنصوص ومتناقض، ومتعارض في معناه أيضًا، ففي هذا الدعاء يقول الداعي: اللهمَّ إن كنتَ كتبتني عندك في أمِّ الكتاب شقيًّا أو محرومًا أو مطرودًا أو مقتَّرًا عليَّ في الرزق، فامحُ اللهمَّ بفضلك شقاوتي وحرماني وطردي وإقتار رزقي، وأثْبِتْني عندك في أم الكتاب سعيدًا مرزوقًا موفَّقًا للخيرات كلِّها، فإنَّك قلت وقولك الحقّ في كتابك المنزل على لسان نبيك المرسل:﴿يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ[الرعد: 39].
هذا نصُّ الدعاء، وهو متناقض كما ترون فهو يقول: إن كنتَ كتبتني عندك في أمِّ الكتاب كذا فامحُ هذا الَّذي كتبته، وأثبتني عندك في أمِّ الكتاب على خلاف هذا؛ لأنَّك قلت: ﴿يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39]. ومعنى الآية أن أمَّ الكتاب لا محو فيه ولا إثبات.. وإنَّما المحو والإثبات فيما عدا ذلك من صحف الملائكة وغيرها، فإنْ كان هذا هو معنى الآية، فكيف يطلب العبد من ربه أن «يمحو ويُثبت في أم الكتاب»، وهو لا محو فيه ولا إثبات؟‍‍!
ثم أي دعاء هذا الَّذي يقول فيه القائل هذا الترديد: إن كنت فعلت كذا فامح كذا، أو افعل كذا.. مع أنَّ النَّبيّ أمرنا إذا دعونا أن نجزم المسألة، نجزم ولا نتردد في الدعاء؛ فلا نشكك، ولا نتشكك.
وهذا يدلُّنا على أن الأدعية الَّتي يضعها البشر ويخترعونها كثيرًا ما تكون قاصرة عن أداء المعنى، بل قد تكون محرفة ومغلوطة ومتناقضة، إنَّه ليس أفضل من الأدعية المأثورة، ففيها الروعة والبلاغة وحسن الأداء، والمعاني الجامعة في ألفاظ قليلة، فليس هناك أفضل ممَّا ورد عن النبيِّ من أدعية مأثورة؛ لأنَّه يترتَّب عليها أجران: أجر الاتباع، وأجر الذكر.
فعلينا دائمًا أن نحفظ هذه الأدعية النبوية، وأن ندعو بها.
وفي هذا الدعاء أيضًا يقول القائل: إلهي بالتجلِّي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المكرَّم، الَّتي يُفْرَق فيها كلُّ أمرٍ حكيم ويبرم، أن ترفع عنَّا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم!
وهذا خطأ أيضًا؛ فالليلة الَّتي يفرق فيها كلُّ أمر حكيم إنَّما هي الليلة الَّتي نزل فيها القرآن، وهي ليلة القدر: ليلة التجلي الأعظم، وهي في رمضان بنصِّ القرآن. قال تعالى في سورة الدخان: ﴿حمٓ ١ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 1 ـ 4]، وقال في سورة القدر: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وقال في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: 185]، فالليلة الَّتي يفرق فيها كلُّ أمر حكيم هي في رمضان بيقين، وهي ليلة القدر بالإجماع.
وما رُوي عن قتادة أنَّ ليلة النصف هي الَّتي يُفرَقُ فيها كلُّ أمر حكيم؛ فهو ضعيف ومضطرب. وجاء عن قتادة نفسه أنَّها ليلة القدر(4).
وما جاء في حديث أنَّ ليلة النصف من شعبان تقطع الآجال من شعبانَ إلى شعبانَ(5)، فهذا أيضًا حديث ضعيف كما قال ابن كثير(6). وهو مخالف للنُّصوص!
ومن هنا نرى أنَّ هذا الدعاء مليء بالأغلاط، وهو دعاء لم يرد عن النبيِّ ، ولا عن خير القرون، ولا عن السَّلف.
وكل هذه التعبُّدات ما أمر الشرع بها، والأصل في العبادات الحظر.. فليس للإنسان أن يخترع في عباداته ما يشاء؛ لأن الَّذي من حقّه أن يعبده النَّاس، وأن يرسم لهم طريقة العبادة هو الله 8 ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ[الشورى: 21]، فعلينا أن نقف عند ما ورد، ولا نفعل أكثر من الدعاء المأثور، إن كان ذلك حسنًا. والله أعلم.
فهذا التجمُّع بالصورة الَّتي نراها ونسمع عنها في بعض بلاد الإسلام مبتدَع ومُحدَث، والأولى أن نقف في العبادات عندما ورد، فكل خير في اتِّباع من سلف، وكل شرٍّ في ابتداع من خلف. وكلُّ مُحدَثة بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالة في النَّار.
وفَّقنا اللهُ إلى اتِّباع ما جاء عن رسوله وعن أصحابه.
← العودة لقسم الجمع بين الأحاديث