2026-06-02
729
حول حديث الذباب
ما قولكم في حديث الذباب، أعني الحديث الشريف النبوي الَّذي يقول: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمِسْه، فإنَّ في أحدِ جَناحيه داءٌ، وفي الآخر شفاء»(1).
هل هذا الحديث صحيح متَّفق على صحَّته؟ وما حكم من أنكره أو تشكَّك في صحَّة نسبته إلى رسول الله ﷺ ، هل يخرجه هذا من الدين؟ فإنَّ بعض الأطباء في عصرنا أثاروا غبارًا حول صحَّة هذا الحديث، إلى حد السُّخرية بمن صدَّق بمضمونه وذلك لما هو معروف في علم الطب الوقائي والعلاجي، من أنَّ الذباب أحد الأدوات الناشرة للأمراض، لما يحمل من الجراثيم الضارة، ولم يُعرف أنَّ أحدًا استخدمه للعلاج، فكيف يقول الحديث: إنَّ في أحد جناحيه شفاء؟
نرجو الإيضاح، فقد كثرت المجادلات حول هذا الحديث، حتَّى اتخذه بعض من لا دين لهم، تكأة للتنديد بالدين، والاستخفاف بالمتدينين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا الجواب عن سؤال صاحب السُّؤال، وما تضمنه من استفسارات فألخصه في النقاط التالية:
أولًا: إنَّ الحديث صحيح رواه الإمام البخاري في جامعه الصحيح، ولكنَّه لا يعد من «المتَّفق عليه» في اصطلاح علماء الحديث، لأنَّ المتَّفق عليه عندهم هو ما اتَّفق على روايته الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحهما. وهذا الحديث ممَّا انفرد به البخاري، ولم يخرجه مسلم، رحمهما الله.
ومعلومٌ أنَّ أحاديث صحيح البخاري متلقاةٌ بالقبول لدى جماهير الأمَّة في مختلف العصور، وخصوصًا فيما سلم فيها من النقد والاعتراض من جهابذة علماء الأمَّة من المحدِّثين والفقهاء الراسخين.
ولا أعلم أحدًا من العلماء السَّابقين أثار إشكالًا حول هذا الحديث أو تحدَّث عن علَّة قادحة في سنده أو متنه.
ثانيًا: إنَّ هذا الحديث لا يتعلق ببيان أصل من أصول الدين، من الإلهيات أو النبوَّات أو السّمعيَّات(2)، ولا ببيان فريضة من فرائضه الظاهرة أو الباطنة، الشخصية أو الاجتماعيَّة، ولا ببيان أمر من أمور الحلال والحرام في حياة الفرد أو الجماعة، ولا ببيان تشريع من تشريعات الإسلام، المنظمة لحياة الأسرة والمجتمع، والدولة والعلاقات الدولية، ولا ببيان خلق من أخلاق الإسلام الَّتي بعث الرسول ليتمِّم مكارمها.
ولو أنَّ مسلمًا عاش عمره دون أن يقرأ هذا الحديث أو يسمع به، لم يكن ذلك خدشًا في دينه، ولا أثَّر ذلك في عقيدته أو عبادته، أو سلوكه العام.
فلو سلَّمنا ـ جدلًا ـ بكلِّ ما أثاره المتشككون حول الحديث، وحذفناه من صحيح البخاري أصلًا، ما ضر ذلك دين الله شيئًا.
فلا مجال لأولئك الَّذين يتَّخذون من الشبهات المثارة حول الحديث، سبيلًا للطعن في الدين كله، فالدين ـ أعني الإسلام ـ أرسخ قدمًا، وأثبت أصولًا، وأعمق جذورًا من أن ينال منه بسبب هذه الشبهات الواهية.
ثالثًا: إنَّ هذا الحديث ـ وإن كان صحيحًا لدى علماء الأُمَّة ـ هو من أحاديث الآحاد، وليس من المتواتر الَّذي يفيد اليقين.
وأحاديث الآحاد إذا رواها الشيخان أو أحدهما، قد اختلف فيها العلماء: هل تفيد العلم ـ أي اليقين ـ أم تفيد مجرَّد الظن الراجح؟ أم يفيد بعضها العلم بشروط خاصَّة؟
وهذا الخلاف يكفي للقول بأنَّ من أنكر حديثًا من أحاديث الآحاد، قامت شبهة في نفسه حول ثبوته ونسبته إلى النَّبيِّ ﷺ : لا يخرج بذلك من الدين؛ لأن الَّذي يُخرج منه إنكار ما كان منه بيقين، لا ريب فيه، ولا خلاف معه، أي القطعي الَّذي يسمِّيه العلماء «المعلوم من الدين بالضرورة».
إنَّما يخرج من الدين حقًّا من اتَّخذ من الغبار المثار حول هذا الحديث وسيلة للطعن في الدين والاستهزاء به، فإنَّ هذا كفر صريح.
رابعًا: أمَّا مضمون الحديث وعلاقته بالعلم والطبِّ الحديث، فقد دافع عنه كثير من كبار الأطباء ورجال العلم، مستشهدين ببحوث ودراسات لعلماء غربيِّين مرموقين. ونشر ذلك كثير من المجلات الإسلامية في مناسبات شتَّى.
وحسْبي هنا أن أنقل أحدث ردٍّ علميٍّ طبيٍّ حول هذا الموضوع، نشرته مجلة «التوحيد» المصرية في عددها الخامس لسنة 1397 ـ 1977م، وهو للأستاذ الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام والتقويم بجامعة الإسكندرية، إثر مقال نشرته بعض الصحف لطبيبٍ آخر تشكّك في الحديث المذكور.
يقول د. أمين رضا: في جريدة الجمعة يوم 18 مارس 1977م:
«رفض أحد الأطباء الزملاء حديث الذبابة على أساس التحليل العلمي العقلي لمتنه، لا على أساس سنده. وامتدادًا للمناقشة الهادئة الَّتي بدأتها هذه الجريدة أرى أن أعارض الزميل الفاضل بما يأتي:1 ـ ليس من حقِّه أن يرفض هذا الحديث أو أيَّ حديث نبويٍّ آخر لمجرَّد عدم موافقته للعلم الحالي؛ فالعلم يتطوَّر ويتغيَّر، بل ويتقلَّب كذلك. فمن النظريات العلميَّة ما تصف شيئًا اليوم بأنَّه صحيح، ثم تصفه بعد زمن قريب أو بعيد بأنَّه خطأ. فإذا كان هذا هو حال العلم، فكيف يمكننا أن نصف حديثًا بأنَّه خطأ، قياسًا على نظرية علمية حالية، ثم نرجع فنصحِّحه إذا تغيَّرت هذه النظريَّة العلميَّة مستقبلًا؟2 ـ ليس من حقِّه رفض هذا الحديث أو أيَّ حديث آخر؛ لأنَّه «اصطدم بعقله اصطدامًا» على حد تعبيره. فالعيب الَّذي سبب هذا الاصطدام ليس من الحديث بل من العقل، فكل المهتمين بالعلوم الحديثة يحترمون عقولهم احترامًا عظيمًا، ومن احترام العقل أن نقارن العلم بالجهل. العلم يتكون من أكداس المعرفة الَّتي تراكمت لدى الإنسانية جمعاء، بتضافر جهودها جيلًا بعد جيل لسبر أغوار المجهول. أمَّا الجهل فهو كلُّ ما نجهله، أي ما لم يدخل بعد في نطاق العلم. وبالنظرة المتعقلة تجد أن العلم لم يكتمل بعد، وإلَّا لتوقف تقدم الإنسانية، وأن الجهل لا حدود له. والدليل على ذلك تقدم العلم وتوالي الاكتشافات يومًا بعد يوم من غير أن يظهر للجهل نهاية.
إنَّ العالم العاقل المنصف يدرك أن العلم ضخم، ولكن حجم الجهل أضخم. ولذلك لا يجب(3) أن يغرقنا العلم الَّذي بين أيدينا في الغرور بأنفسنا، ولا يجب أن يعمينا علمنا عن الجهل الَّذي نسبح فيه. فإنَّنا إذ قلنا: إن علم اليوم هو كلّ شيء، وإنه آخر ما يمكن الوصول إليه أدَّى ذلك بنا إلى الغرور بأنفسنا، وإلى التوقف عن التقدم، وإلى البلبلة في التفكير. وكل هذا يفسد حكمنا على الأشياء، ويعمينا عن الحقّ حتَّى لو كان أمام عيوننا، ويجعلنا نرى الحقّ خطأ، والخطأ حقا، فتكون النتيجة أنَّنا نقابل أمورا تصطدم بعقولنا اصطداما. وما كان لها أن تصطدم لو استعملنا عقولنا استعمالًا فطريًّا سليمًا، يحدوه التواضع والإحساس بضخامة الجهل، أكثر من التأثر ببريق العلم والزهو به.
3 ـ ليس صحيحًا أنه لم يرد في الطب شيء عن علاج الأمراض بالذباب. فعندي من المراجع القديمة ما يوصف وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب. أما في العصر الحديث فجميع الجراحين الَّذين عاشوا في السَّنوات الَّتي سبقت اكتشاف مركبات (السَّلْفَا) ـ أي في سنوات العشر الثالثة من القرن الحالي ـ رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب، وكان الذباب يربَّى لذلك خصيصًا. وكان هذا العلاج مبنيًّا على اكتشاف فيروس (البكتريوفاج) القاتل للجراثيم، على أساس أنَّ الذباب يحمل في آنٍ واحدٍ الجراثيم الَّتي تسبِّب المرض، وكذلك (البكتريوفاج) الَّذي يهاجم هذه الجراثيم. وكلمة (بكتريوفاج) هذه معناها «آكلة الجراثيم».
وجدير بالذكر أنَّ توقف الأبحاث عن علاج القرحات بالذباب لم يكن سببه فشل هذه الطريقة العلاجية، وإنَّما كان ذلك بسبب اكتشاف مركبات (السَّلفا) الَّتي جذبت أنظار العلماء جذبًا شديدًا. وكل هذا مفصل تفصيلًا دقيقًا في الجزء التاريخي من رسالة الدكتوراه، الَّتي أعدَّها الزميل د. أبو الفتوح مصطفى عيد تحت إشرافي، عن التهابات العظام والمقدمة لجامعة الإسكندرية من حوالي سبع سنوات.
4 ـ في هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود سم في الذباب، وهذا شيء لم يكشفه العلم الحديث بصفة قاطعة إلَّا في القرنين الأخيرين. وقبل ذلك كان يمكن للعلماء أن يكذبوا الحديث النبوي لعدم ثبوت وجود شيء ضارّ على الذباب، ثم بعد اكتشاف الجراثيم يعودون فيصححون الحديث.
5 ـ إن كان ما نأخذه على الذباب هو الجراثيم الَّتي يحملها فيجب مراعاة ما نعلمه عن ذلك:
(أ) ليس صحيحًا أنَّ جميع الجراثيم الَّتي يحملها الذباب جراثيم ضارَّة أو تسبب أمراضا.
(ب) ليس صحيحًا أنَّ عدد الجراثيم الَّتي تحملها الذبابة والذبابتان كاف لإحداث مرض فيمن يتناول هذه الجراثيم.
(جـ) ليس صحيحًا أن عزل جسم الإنسان عزلًا تامًّا عن الجراثيم الضارة ممكن.
وإن كان ممكنًا فهذا أكبر ضرر له؛ لأنَّ جسم الإنسان إذا تناول كميات يسيرة متكرِّرة من الجراثيم الضارة تكونت عنده مناعة ضد هذه الجراثيم تدريجيًّا.
6 ـ في هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود شيء على الذباب يضاد السُّموم الَّتي تحملها. والعلم الحديث يعلمنا أنَّ الأحياء الدقيقة من بكتريا وفيروسات وفطريات تشنُّ الواحدة منها على الأخرى حربًا لا هوادة فيها. فالواحدة منها تقتل الأخرى بإفراز مواد سامة، ومن هذه المواد السَّامة بعض الأنواع الَّتي يمكن استعمالها في العلاج. وهي ما نسميه «المضادات الحيوية» مثل: (البنسلين) و(الكلوروميستين) وغيرهما.
7 ـ إنَّ ما لا يعلمه وما لم يكشفه المتخصِّصون في علم الجراثيم حتَّى الآن لا يمكن التكهُّن به، ولكن يمكن أن يكون فيه الكثير ممَّا يوضح الأمور توضيحًا أكمل؛ ولذلك يجب علينا أن نتريث قليلًا قبل أن نقطع بعدم صحَّة هذا الحديث، بغير سند من علم الحديث، ولا سند من العلم الحديث.
8 ـ هذا الحديث النبوي لم يدعُ أحدًا إلى صيد الذباب ووضعه عَنوة في الإناء، ولم يشجِّع على ترك الآنية مكشوفة، ولم يشجع على الإهمال في نظافة البيوت والشوارع وفي حماية المنازل من دخول الذباب إليها.
9 ـ إنَّ من يقع الذباب في إنائه ويشمئزَّ من ذلك ولا يمكنه تناول ما فيه، فإنَّ الله لا يكلف نفسا إلَّا وسعها.
10 ـ هذا الحديث النبويُّ لا يمنع أحدًا من الأطباء والقائمين على صحَّة الشعب من التصدِّي للذباب في مواطنه، ومحاربته وإعدامه وإبادته، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهن أحد علماء الدين أنَّ هذا الحديث يدعو النَّاس إلى إقامة مزارع أو مفارخ للذباب، أو أنَّه يدعو إلى التهاون في محاربته. ومن صنع ذلك أو اعتقد فيه فقد وقع في خطأ كبير» اهـ .
هذا ما قاله الطبيب العالم الأستاذ الدكتور أمين رضا، بلسان العلم والطب المعاصر، وفيه كفاية وغنية، فجزاه الله خيرًا.
1. رواه البخاري في الطب (5782)، وأحمد (7359)، عن أبي هريرة.
2. السمعيات في العقائد ما يستند إلى الوحي كالجنة أو النار وأحوال يوم القيامة، المعجم الوسيط مادة (س. م. ع).
3. تعبير «لا يجب أن نفعل كذا وكذا»: تعبير شائع بين المعاصرين، وهو خطأ؛ لأن نفي الوجوب لا ينفي الجواز، والصواب في مثل هذا أن يقال: «لا يجوز» بدل «لا يجب» أو نقول: يجب ألا نفعل.