المقالات

❓ حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»

📅 2026-06-03 👁 719 مشاهدة

نص السؤال:

يعتمد الكتَّاب الإسلاميُّون المعاصرون في حديثهم عن الطلاق، وموقف الإسلام منه، على الحديث المشهور: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». ولكنِّي قرأت لبعض العلماء المشتغلين بعلم الحديث ما يفيد تضعيف الحديث المذكور.
فهل لديكم أسانيد أخرى لتنفير الإسلام من الطلاق، وخصوصًا أنَّكم استندتم في بعض كتبكم إلى هذا الحديث أيضًا؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ما أثاره الأخ السَّائل يتضمَّن عدة نقاط:
1 ـ تصحيح الحديث المذكور ثبوتًا ودلالة.
2 ـ بيان ما يعضده من أدلَّة أخرى من الكتاب والسُّنَّة، تنفِّر من الطلاق.
3 ـ بيان ما يؤيده من قواعد الشرع.
أولًا: حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، من حديث محارب بن دِثار عن ابن عمر مرفوعًا(1).
ورواه أبو داود والبيهقي مرسلًا(2) ـ ليس فيه ابن عمر ـ ورجَّح أبو حاتم والدارقطني في العلل(3) والبيهقي المرسل.
وأورده ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بإسناد ابن ماجه، وضعفه بعبيد الله بن الوليد الوصافي، وهو ضعيف(4).
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: ولكنَّه لم ينفرد به، فقد تابعه معروف بن واصل، إلَّا أن المنفرد عنه بوصله محمَّد بن خالد الوهبي(5) اهـ .
أقول: ومحمد بن خالد: قال الآجرِّي عن أبي داود: لا بأس به، وذكره ابن حِبَّان في الثِّقَات، وقال الدَّارقطني: ثقة(6).
وأخرجه الحاكم من طريق محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة موصولًا بلفظ: «ما أحلَّ الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق» ثم قال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وزاد بأنَّه على شرط مسلم(7).
قال ابن التركماني: فهذا يقتضي ترجيح الوصل، لأنَّه زيادة، وقد جاء من وجوه(8)، ولهذا رمز السّيوطي في الجامع الصغير إلى الحديث بالصحة، واعترضه المناوي في «الفيض» بما ذكره ابن حجر(9).
ولكن إنْ نزل الحديث عن درجة الصحَّة، فلن ينزل عن درجة الحُسْن.
ومن النَّاس من ضعَّف هذا الحديث من جهة معناه، فقد قال: كيف يكون حلالًا ومبغوضًا عند الله؟ فهذا تناقض يدلُّ على ضعف الحديث.
وأجاب بعضهم: بأنَّ الحديث يدلُّ على أن الحلال ينقسم إلى ما هو محبوب ومبغوض، بحسَب ما يعرض له، فليس كلّ حلال محبوبًا.
وقال الخطَّابي في «معالم السُّنن»: معنى الكراهية فيه ينصرف إلى السَّبب الجالب للطلاق، وهو سوء العشرة، وقلَّة الموافقة الداعية إلى الطلاق، لا إلى نفس الطلاق(10).
وقد يقال: الطلاق حلال لذاته، والأبغضية لما يترتَّب عليه من انجرار إلى المعصية.
ثانيًا: إنَّ القرآن الكريم رغَّب في إمساك الزوجة المكروهة من زوجها، والصبر عليها؛ إبقاء على الأسرة، وحرصًا على استمرارها. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾ [النساء: 19].
فأمَّا الزوجة المطيعة الموافقة، فلا وجه لإيذائها بالفرقة، وإيحاشها بالطلاق، مع عدم الحاجة إليه، إلَّا أن يكون ضربا من البغي عليها، ولا سيَّما إذا كانت ذات أولاد منه. وقد قال تعالى في شأن الناشزات من الزوجات:﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا[النساء: 34].
فإذا كان البغي منهيًّا عنه، ولو على المرأة الناشز، ما دامت قد عادت إلى حظيرة الطاعة والموافقة، فكيف بالنساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله؟!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّ الأصل في الطلاق الحظر، وإنَّما أبيح منه قدر الحاجة كما ثبت في الصحيح عن جابر، عن النبيِّ : «إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلةً أعظمُهم فتنةً، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتَّى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنتَ أنتَ، ويلتزمه»(11).
وقد قال تعالى في ذمِّ السِّحر:﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ[البقرة: 102].
وفي السُّنن، عن النبيِّ قال: «إنَّ المختلِعات هنَّ المنافقات»(12).
وفي السّنن أيضًا، عن النبيِّ أنَّه قال: «أيُّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحة الجنَّة»(13).
ولهذا لم يبح إلَّا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة، حتَّى تنكح زوجًا غيره.
«وإذا كان إنَّما أبيح للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باقٍ على الحظر»(14).
ثالثًا: ومن ناحية الأصول والقواعد الشرعيَّة:
1 ـ نجد أنَّ الطلاق، كما قال صاحب «الهداية» من الحنفية: «قاطع للنكاح الَّذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية(15).
2 ـ وأنَّه ـ كما نقل صاحب «المغني» من الحنابلة ـ ضرر بالزوج وبالزوجة، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما، من غير حاجة إليه، فكان حراما كإتلاف المال، ولقول النَّبيِّ : «لا ضرر ولا ضرار»(16).
3 ـ إنَّه كما ذكر ابن عابدين من متأخري الحنفيَّة: إذا كان بلا سبب أصلًا، لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقا وسفاهة رأي، ومجرد كفران بالنعمة، وإخلاص الإيذاء بها (بالمرأة) وبأهلها وأولادها... فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعًا، يبقى على أصله من الحظر. ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا[النساء: 34]. أي لا تطلبوا الفراق(17).
وبهذا يتَّضح لنا: أنَّ الحديث صالح للاستدلال به، تعضده الأدلَّة من القرآن والسُّنَّة، كما تؤيده أصول الشرع وقواعده. والله أعلم.
← العودة لقسم الحكم على الأحاديث