المقالات

❓ عبارة: «النظافـة من الإيمـان»

📅 2026-06-03 👁 749 مشاهدة

نص السؤال:

شاعت بين المسلمين هذه الكلمة «النظافة من الإيمان» وتوارثتها الأجيال بعـضها عن بعـض، وظنها الكثيرون حديثًا مأثورًا عن النبيِّ ، ولكن بعـض الإخوة من المطَّلعين على الكتب الدينية، قال: إنَّها ليست بحديث، ولم يقل ذلك النَّبيُّ .
فهل ما قاله هذا الأخ صحيح؟ وإذا لم تكن هذه الكلمة حديثًا نبويًّا، فهل هي متفقة مع ديننا الإسلامي الحنيف؟ وما دليل ذلك من الشرع الشريف؟
أفيدونا أفادكم الله.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الكلمة «النظافة من الإيمان» بهذا اللفظ لم تردْ عن النبيِّ فيما أعلم بسند صحيحٍ ولا حسنٍ ولا ضعيف.
ولكنْ من المؤكد أنَّ معنى هذه الكلمة صحيح، وهو مقتبس من نصوص صحيحة أخرى.
ففي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعريّ أنَّ النَّبيَّ قال: «الطُّهـور شطر الإيمـان»(1).
والطُّهور ـ بضم الطاء ـ هو الطهارة، والطهارة في الإسلام تشمل الطهارة المعنوية من رجس الكفر والمعصية والرذيلة، كما تشمل الطهارة الحسية، وهي تعني: النظافة، وهي شرط لصحة الصلاة، سواء كانت الطهارة من الحدث بالوضوء والغسل، أم من الخبث؛ بالتنظيف المناسب، وهي طهارة الثوب والبدن والمكان.
ولهذا كان «باب الطهارة» أوَّل ما يدرس في الفقه الإسلامي؛ لأنَّه مدخل ضروري للصلاة، فمفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور.
وفي الحديث الصحيح: «لا يقبل الله صلاة بغير طُهور»(2).
وقد أثنى القرآن الكريم على أهل قباء لحرصهم على التطهر وحبهم له، فقال تعالى:﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ[التوبة: 108].
وقال تعالى في سياق التطهـر بعـد الحيض:﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ[البقرة: 222].
ومن درس السُّنَّة النبوية وجد فيها حشدًا من الأحاديث الصحاح والحِسان، تحثُّ على النظافة في كلِّ المستويات: نظافة الإنسان، ونظافة البيت، ونظافة الطريق.
وفي نظافة الإنسان أمرت بغُسل يوم الجمعة، حتَّى عبَّر عنه في بعض الأحاديث بلفظة واجب: «غسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم»(3).
وفي حديث آخر: «حقٌّ لله على كلّ مسلم في كلّ سبعة أيام: يومٌ يغسل فيه رأسه وجسده»(4).
ويتأكَّد ذلك إذا وجدت أسبابه من العرق والوسخ ونحوه، حتَّى لا يكون مصدر إيذاء لمن يخالطه.
وأكدت السُّنَّة وشدَّدت على أجـزاء معينة من الجسـم تحتاج إلى عناية خاصَّة مثل الفـم والأسنان، ومن ثَمَّ كان الأمر بالسواك وتأكيد استحبابه، وقال فيه ! : «لولا أن أشُقَّ على أُمَّتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة»(5). أي أمر إيجاب وإلزام.
وقال: «السِّوَاك مطهرةٌ للفمِ مرضاةٌ للرب»(6). ومن ذلك: نظافة الشعر، وفيه جاء الحديث: «من كان له شَعر فليكرمْه»(7). وعن جابر بن عبد الله، قال: أتانا رسول الله زائرًا في منزلنا، فرأى رجلًا شعثًا قد تفرَّق شعره، فقال: «أمَا كان يجد هذا ما يُسكِّن به شعره؟» ورأى رجلًا آخر، وعليه ثياب وسخة، فقال: «أمَا كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه؟»(8).
وتكميلًا لذلك جاءت الأحاديث بما عرف باسم «سنن الفطرة» الَّتي تدلُّ رعايتها على مدى حرص الإسلام على النظافة والتجمُّل، والمحافظة على نعمة الصحة والزينة، وتشمل: تقليم الأظافر، وقصَّ الشارب، ونتف الإبْط، وحلقَ العانة، ونحو ذلك. وهي في الصحيحين(9).
ومما عُنيت السُّنَّة بنظافته: البيت، فلا بدَّ من تنظيفه من كلّ الأقذار والأخباث الَّتي يسوء منظرها، ويضر مخبرها.
وفي الحديث الَّذي رواه التِّرْمِذيّ عن سعيد بن المسيب قال: «إن الله طيِّب يحبُّ الطيب، نظيف يحبُّ النَّظافة، فنظِّفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود»(10).
ومثل ذلك: نظافة الطريق، ومن الأحاديث الشهيرة الَّتي يكاد يحفظها جميع المسلمين: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»(11).
ومما حذَّرت منه السُّنَّة أشد التحذير: التخلِّي في الطريق، ومواضع الظلِّ، وقد جعلته ممَّا يجلب اللعنة على صاحبه، سواء لعنة الله أم لعنة النَّاس، فقال ! : «اتقوا اللَّاعنَيْن: الَّذي يتخلَّى في طريق النَّاس، وفي ظلهم»(12)، وفي حديث آخر: «اتَّقوا الملاعنَ الثلاث: البَراز في الموارد، وقارعةِ الطريق، والظلِّ»(13).
وبهذا سبقت السُّنَّة بالحث على حماية البيئة من التلوث.
ومثل ذلك البول في الماء الراكد أو الجاري، وفي الحديث: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه»(14).
كما حثَّت السُّنَّة على العناية بالطعام والشراب، وحمايتهما من أسباب التلوث. وفي هذا جاء الحديث الصحيح: «إذا نمتم فأطفِئوا المصباح، وأغلقوا الأبواب، وأوكِئوا الأسقية ـ اربطوا قرب الماء ـ وخمِّروا الشـراب»(15)، «أغلقـوا أبوابكـم، وخمِّـروا آنيتَكـم ـ غطُّوها ـ وأطفئوا سُرُجَكم، وأوكئوا أسقيتَكم»(16).
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
← العودة لقسم الحكم على الأحاديث