2026-06-03
737
المبالغة في التخويف
ما مدى صحَّة الحديث الَّذي يبيِّن أنَّ عقوبة تارك الصلاة في قبره أنه يُسلَّط عليه ثعبان أقرع يلدغه، كيف يكون ذلك والميت لا يُحس؟ هل عذاب القبر يكون بالجسد والرُّوح؟ أم بالرُّوح فقط؟ أرجو توضيح هذا الأمر للأهمية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا: أنا لا أعرف هذا الحديث الَّذي يسلط فيه الثعبان الأقرع على تارك الصلاة في قبره، والَّذي جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من آتاه الله مالًا، فلم يؤدِّ زكاتَه مُثِّل له يوم القيامة شُجَاعًا أقرع، له زبيبتان، يُطَوِّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلِهِزِمَتَيْه ـ يعني: شدقيه ـ ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزُك». ثم تلا:﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ﴾[آل عمران: 180](1).
هذا هو الَّذي ذكر فيه الثعبان الأقرع، ورد في شأن مانع الزكاة، ويكون ذلك يوم القيامة وليس في القبر.
وكثير ممَّا يقال في عذاب القبر مكذوبٌ على رسول الله ﷺ ، أو جاءت به أحاديث ضعيفة واهية، وكثير من الوُعَّاظ يكثرون من الحديث عن عذاب القبر، ويسردون في ذلك ما صحَّ وما لم يصح، ليخوِّفوا النَّاس، فيذكرون الحيات الَّتي كالأفيال، والعقارب الَّتي كالبغال، تلدغ الواحد اللدغة فيتهرَّى لحمُه سبعين سنة، وهذا لم يرد في الأحاديث الصحاح.
التَّخويف الزائد ليس من شأن الداعية المصلح:
والتخويف الزائد هذا ليس من شأن الداعية المؤمن المصلح، الَّذي يريد أن يُوَصِّل الحقائق الدينية كما هي، غير مبالِغ فيها، ولا منتقص منها، أما المبالغات، فيترتب عليها آثارٌ سيئة، أذكر أن بعض الآباء قال لي: إن ابنتي تقوم من الليل فَزِعة مُرْعَبة، سألتُه: ما السَّبب؟ قال: من مدة جاءت بأشرطة دينية، وكان من ضمنها شريط عن عذاب القبر، لما سمعت هذا الشريط أصابها ما أصابها من هذا الرعب والفزع، فأصابها مرض نفسي، و«فُوبيَا» بسبب هذا التخويف المبالغ فيه.
عذاب القبر ثابت بالقرآن والسُّنَّة:
وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسُّنَّة، فقد أشار القرآن إلى عذاب القبر في أكثر من آية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: 93]. وقال عن فرعون وآل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. وجاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه مرّ على قبرين ـ أي: قبرين جديدين، دفن فيهما ناس من قريب ـ فقال: «إنَّهما ليُعَذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». ثم أخذ جريدة رطبة، فشقَّها نصفين، فغرز في كلّ قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله، لِمَ فعلت هذا؟ قال: «لعله يُخفَّف عنهما ما لم يَيْبسَا»(2). ولكن النَّبيَّ ﷺ لم يحدِّثنا في هذا الحديث عن العذاب الَّذي يعذبانه ما هو؟
1. رواه البخاري في الزكاة (1403)، وأحمد (8661)، عن أبي هريرة.
2. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الجنائز (1361)، ومسلم في الطهارة (292)، عن ابن عباس.