2026-06-02
745
حديث: «اذكروا محاسن موتاكم»
شاع بين النَّاس إذا ذكر ميت بسوء أن ينهوا عن ذلك قائلين: «اذكروا محاسنَ موتاكم» بدعوى أن هذا حديث نبوي. مع أنَّ بعض الموتى قد كانوا ظلمة في حياتهم، وربما ماتوا ولم تمُت مظالمُهم معهم. فهل هذا الحديث صحيح؟ وما المقصود منه؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحديث في النهي عن سبِّ الأموات والأمر بذكرهم بخيرٍ صحيح، وقد ورد بصيغ شتَّى متضمنا أحيانا العلة في النهي عن السّب.
فقد ورد بصيغة: «لا تسبُّوا الأموات؛ فإنَّهم أفضَوْا إلى ما قدَّموا»(1).
وورد بصيغة: «لا تسبُّوا الأموات، فتؤذوا الأحياء»(2).
وورد بصيغة: «لا تذكروا هَلْكَاكم إلَّا بخير»(3).
وورد بالصيغة المذكورة في السّؤال: «اذكروا محاسنَ موتاكم، وكفُّوا عن مساوئهم»(4).
وهدف هذا النهي عدَّة أمور تربوية يحرص عليها الإسلام في تكوين شخصية المسلم:
أولًا: تعويد المسلم نظافة اللسان وعفَّة القول، اقتداءً بالرسول الكريم ﷺ ، الَّذي لم يكن سبَّابًا ولا لعَّانًا، وإنَّما يكب النَّاس في النَّار على وجوههم حصائد ألسنتهم.
ثانيًا: تربية المسلم على المعاني الإيجابيَّة، كما قيل: بدل أن تسبَّ الظلام أضئ شمعة! ولذا جاء عدد من الأحاديث ينهى عن سبِّ جملة من الأشياء: «لا تسبُّوا الدهْرَ»(5)، «لا تسبِّي الحُمَّى»(6)، «لا تسبُّوا الرِّيح»(7)، «لا تسبُّوا الدِّيك»(8)... إلخ، بل ورد التنفير عن سبِّ الشيطان نفسه؛ لأنَّك إذا قلتَ: تَعِس الشيطانُ! انتفخَ، وإذا قلتَ: باسم الله؛ تصاغر حتَّى يصير مثل الذباب(9). وفي هذا الإطار جاء النهي عن سبِّ الأموات.
ثالثًا: إنَّ الإسلام حفظ حرمة المسلم حيًّا وميتًا، وكل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله. وكما يحرم تناول عرض الإنسان وسمعته بسوء في حياته، يحرم ذلك بعد مماته.
رابعًا: إنَّ الميت قد انتقل من دار العمل والابتلاء، إلى دار الحساب والجزاء، وسيلقى جزاءه العادل في تلك الدار لا محالة، ولا يضيع عند الله مثقال ذرَّة من خير أو شرٍّ، وقد أشار إلى ذلك الحديث القائل: «لا تسبوا الموتى فإنَّهم أفضوا إلى ما قدَّموا».
خامسًا: إنَّ الإسلام حريص على توثيق عُرا الوُدِّ وحُسن الصلة بين النَّاس، ومنع أسباب التباغض والتشاحن بينهم، فإنَّ البغضاء هي الحالقة، حالقة الدِّين لا حالقة الشَّعر(10). وكثيرًا ما يؤدِّي سب الأموات إلى إيذاء وإيغار صدور الأحياء من أبناء وأقارب.
وفي العهد النبوي أسلم كثير من أبناء عتاة المشركين، فإذا سُبُّوا آذى أبناءهم، فمن سب أبا جهل آذى ابنه عكرمة، ومن سب الوليد بن المغيرة آذى ابنه خالدا، ومن سب عتبة بن ربيعة آذى ابنه أبا حذيفة، إلخ. ولذا قال الحديث: «لا تسبُّوا الأموات، فتؤذوا الأحياء».
فهذه أسباب منع سبِّ الموتى، ولكن ما الحكم إذا كان الميت ظالمًا أو طاغية ترك وراءه مظالم؟
هنا ذكر العلماء أنَّ سبَّ الأموات لضرورة أو مصلحة شرعيَّة، كالتَّحذير من بدعهم وضلالاتهم، حتَّى لا يقتدي النَّاس بهم، وكجرح الرواة ـ في علوم الحديث ـ لابتناء أحكام الشرع على ما يروونه، فلزم بيان حالهم، والتعريف بهم، حتَّى لا يأخذ النَّاس دينهم إلَّا عن العدل الثقة، يقول النووي: وقد أجمعوا على جواز جرح المجروح من الرواة حيًّا وميتًا(11).
وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ عن بعض من حضر معه بعض الغزوات، وقُتل في المعركة، وقد غل من الغنيمة شيئًا لا يستحقه قبل موته: «إنَّ الشملة الَّتي غلَّها تشتعل عليه نارًا»(12). قال ذلك ! ليحذر أصحابه أن يعملوا مثل عمله.
فالأصل هو منع السَّبِّ للموتى، والجواز إنَّما هو استثناء لمصلحة شرعيَّة أو ضرورة تقدَّر بقدرها.
وبالله التوفيق.
1. رواه البخاري في الجنائز (1393)، عن عائشة.
2. رواه أحمد (18209)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. والترمذي في البر والصلة (1982)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (2397)، عن المغيرة بن شعبة.
3. رواه النسائي في الجنائز (1935)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (7271)، عن عائشة.
4. رواه أبو داود في الأدب (4900)، والترمذي (1019)، واستغربه، وابن حبان (3020)، كلاهما في الجنائز، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (2063)، عن ابن عمر.
5. رواه مسلم في الألفاظ من الأدب وغيرها (2246)، وأحمد (9137)، عن أبي هريرة.
6. رواه مسلم في البر والصلة والآداب (2575)، عن جابر .
7. رواه أحمد (21138)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح. والترمذي في الفتن (2252)، وقال: حسن صحيح. والحاكم في التفسير (2/272)، وصحَّحه على شرط الشيخين، وقال الذهبي: على شرط البخاري. وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (7315)، عن أبي بن كعب.
8. رواه أحمد (21679)، وقال مخرجوه: رجاله ثقات رجال الشيخين. وأبو داود في الأدب (5101)، وابن حبان في الحظر والإباحة (5731)، عن زيد بن خالد الجهني.
9. رواه أحمد (20591)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح. وأبو داود في الأدب (4982)، والحاكم في الأدب (4/292)، وصحَّحه ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (4819)، عن رديف رسول الله ﷺ .
10. رواه أحمد (1412)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والبزار (2232)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2888) حسن لغيره. عن الزبير.
11. انظر: الأذكار للإمام النووي صـ 167، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، نشر دار الفكر، بيروت، 1414هـ ـ 1994م، والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي صـ 107.
12. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المغازي (4234)، ومسلم في الإيمان (115)، عن أبي هريرة.