المقالات

❓ أسماء الله توقيفيَّة أم غير توقيفيَّة؟

📅 2026-06-03 👁 821 مشاهدة

نص السؤال:

هل أسماء الله تعالى وصفاته توقيفيَّة أم غير توقيفيَّة؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
اختلفَ الناسُ في أسماء الله تعالى وصفاته؛ هل هي توقيفيَّة أم لا؟
فالمشهورُ من مذهب أهل السُّنَّة: أنَّ أسماء الله وصفاته توقيفيَّة.
وقال المعتزلة والكرَّامية والقاضي أبو بكر الباقلَّاني من أهل السُّنَّة: إذا دلَّ العقل على أنَّ معنى اللفظ ثابت في حقِّ الله جاز إطلاقه على الله، سواء ورد التوقيفُ به أو لم يرد.
وتوقَّف إمام الحرمين بين القولين، وتابعَه الآمديُّ فقال: «ليسَ القولُ بالمنع مع عدم ورود المنع منه، أَوْلى من القول بالجواز مع عدم ورود التجويز؛ إذ المنع والتجويز حُكمان، وليس إثباتُ أحدهما مع عدم دليله أَوْلى من الآخر، بل الحقُّ في ذلك الوقف، وهو أنَّا لا نحكمُ بجواز ولا مَنْع»(1).
وتوسَّط الإمامُ الغزاليُّ فقال: الأسماء توقيفيَّة دون الصفات(2)، وقال الإمام الرَّازي: وهذا هو المختار(3).
كذا نقل الخلافَ جماعةٌ من أهل العِلم(4)، لكن قول الباقلاني والمعتزلة ليس على إطلاقه، وبيانُه على ما ذكر العلامةُ السعد التَّفتازاني من أنَّه «لا خلاف في جواز إطلاق الأسماء والصفات على الباري تعالى إذا ورد إذْنُ الشَّرع، وعدم جوازه إذا ورد مَنعُه، وإنَّما الخلاف فيما لم يَرِدْ به إذْنٌ ولا منعٌ، وكان هو موصوفًا بمعناه، ولم يكنْ إطلاقُه مُوهمًا ما يستحيل في حقِّه؛ فعندنا لا يجوز، وعند المعتزلة: يجوز، وإليه مال القاضي أبو بكر منَّا، وتوقَّف إمامُ الحرمَيْن، وفَصَّلَ الإمام الغزالي...»(5).
فهنا حالاتٌ ثلاث، وهي:
الحالة الأولى: إذا ورد إذنُ الشَّرع بإطلاق الاسم أو الصفة:
وعبارةُ التَّفْتَازاني تُفيدُ أنَّه لا خِلافَ في جواز إطلاقها على الله تعالى، لكنْ قيّده الحافظ ابن حجر بعدم إيهام النقص، وجعلَ ذلك محلَّ اتفاق، فقال: «اتَّفقوا على أنَّه لا يجوز أن يطلق عليه اسم ولا صفة توهم نقصًا، ولو ورد ذلك نصًّا، فلا يقال: ماهد، ولا زارع، ولا فالق، ولا نحو ذلك، وإنْ ثبت في قوله: ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48]، ﴿أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ [الواقعة: 64]، ﴿فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ﴾ [الأنعام: 95] ونحوها، ولا يقال له: ماكر، ولا: بنَّاء، وإن ورد: ﴿وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]، ﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا﴾ [الذاريات: 47]»(6).
وقد ذكر التَّفْتَازاني هذا الإيراد، وأجاب عنه، فقال: «فإن قيل: قد وجدنا من الأوصاف ما يمتنعُ إطلاقُها معَ ورود الشَّرع بها، كالماكر والمُستَهزئ والمُنزِل والمُنشِئ والحارث والزارع والرامي! قلنا: لا يكفي في صِحَّةِ الإجراء على الإطلاق مجرّدُ وقوعِها في الكتاب والسُّنَّة بحَسَب اقتِضاءِ المقام وسياقِ الكلام، بل يجبُ ألَّا يخلو عن نوع تعظيم ورعاية أدب»(7).
وسبقه إليه الإمامُ الغزاليُّ حيثُ قال: «قد يُمنَعُ من إطلاق لفظ، فإذا قُرِنَ به قرينةٌ جوَّزناه، فلا يجوز أن يُقالَ لله 4 : يا زارع، يا حارث. ويجوز أن يُقال: مَن وطئ فأَمْنَى، فليس هو الحارث، وإنَّما الله تعالى وتقدّس هو الحارث. ومَن بثَّ البذرَ، فليس هو الزارع، إنَّما الله هو الزارع. ومَن رمى فليس هو الرامي، وإنَّما الله هو الرامي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾[الأنفال: 17]. ولا نقولُ لله 4 : يا مُذِلُّ، ونقول: يا مُعِزُّ يا مُذِلُّ، فإنَّه إذا جُمِعَ بينهما كان وَصْفَ المدح؛ إذ يدلُّ على أنَّ طرفَي الأمور بيَدَيْه»(8).
قلت: ومما نذكره، ومما كنَّا ندعو به مع إخواننا، ما كتبه الأستاذ حسن البنا رحمه الله تعالي، في أيام الحرب على الإنجليز من دعاء قنوت النوازل: اللهمَّ رب العالمين، وأمان الخائفين، ومذلَّ المتكبرين، وقاصم الجبارين، تقبل دعاءنا، وأجب نداءنا، وأنلنا حقنا، وردَّ علينا حريتنا واستقلالنا. وقد قبله علماء الأزهر وعلماء العالم الإسلامي.
وقال الرَّازي: «إنَّ وردَ التَّوقيفُ به أطلقناه في حقِّ الله تعالى بعَيْن ذلك اللفظ، فأمَّا سائر الألفاظ المشتقَّة منه فلا يجوز إطلاقُها في حقِّ الله تعالى، فنقول:﴿وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾[آل عمران: 54]. ونقول:﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾[البقرة: 15]. ولا يُقال البتَّة: يا ماكر، يا خادع، يا مُستَهزئ»(9).
الحالة الثانية: إذا ورد منعُ الشَّرع من إطلاق الاسم أو الصفة:
ولا خِلافَ حينئذٍ في عدم جواز إطلاقها على الله تعالى.
الحالة الثالثة: إذا لم يرد إذنُ الشَّرع ولا منعُه:
وحينئذٍ يُنظَر: هل يصحُّ وصفُ الله تعالى بمعناه؟ فإنْ لم يصحَّ لم يَجُزْ باتفاق، وإن صحَّ فيُنظَر: هل إطلاقُه على الله تعالى يُوهِمُ نقصًا، فإن أوهَمَ لم يَجُز أيضًا، وإن لم يُوهِم فهو محلُّ الخِلاف.
والذي يدلُّ عليه كلامُ جماعةٍ من الأئمَّة المُحقِّقين من المُتكلِّمين والمُفسِّرين وغيرهم: أنّ اشتراطَ التوقيف معناه: اشتراط أصل ورود اللفظ، فيجوزُ حينئذٍ الاشتقاقُ منه، بشرط أن يكونَ المُشتقُّ لا يُوهِمُ معنى فيه نقص، سواء في ذلك الاسم أو الصفة.
وفَهْمُ اشتراط التوقيف بهذا المعنى يحلُّ إشكالًا كبيرًا، وهو أنَّ الأُمَّة على اختِلافِ أجيالها قد أطلقت بعض الأسماء، وتداولتها في كلامها ودعائها من غير نكير، ولا يستقيمُ ذلك إلَّا على حَمْل التوقيف على هذا المعنى، فقد سمَّوا: عبد الباقي، وعبد الستّار، وعبد المحسن، وعبد المعطي، وعبد المعبود، وعبد المقصود، وعبد الموجود، وغير ذلك.
قال العلَّامة المُفسِّر الألوسي: «المختارُ عندي عَدَمُ توقُّف إطلاق الأسماء المُشتقّةِ الراجعة إلى نوع من الصفاتِ النفسيَّة والفعليَّة ـ وكذا الصفات السَّلبيَّة ـ عليه تعالى على التوقيف الخاصِّ، بل يصحُّ الإطلاقُ بدونه، لكنْ بعدَ التَّحرِّي التامِّ وبَذْلِ الوُسْع فيما هو نصٌّ في التعظيم، والتحفُّظِ إلى الغاية عمَّا يُوهِمُ أدنى نقص، معاذ الله تعالى في حقِّه سبحانه! لأنَّا مأذونون بتعظيم الله تبارك وتعالى بالأقوال والأفعال، ولم يُحَدَّ لنا حَدٌّ فيه، فمتى كان في الإطلاق تعظيمٌ له 8 كان مأذونًا به، والتكليفُ منوطٌ بالوُسْع، لا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها، فبعدَ بَذْلِ الوُسْع في التعظيم يرتفعُ الحرج»(10).
وهو كلامٌ سديد، ينطبقُ على أحد معنيَي «التوقيف»، فلا يكونُ فيه خروجٌ عن مذهب أهل السُّنَّة في اشتراطه، والله أعلم.
الاختلاف في إثبات الأسماء والصِّفات بالحديث الضعيف والقياس:
يتفرَّع على مذهب جمهور العلماء من أهل السُّنَّة والجماعة في كون أسماء الله وصفاته توقيفيَّة ـ على أيِّ معنى فسَّرْنا التوقيف ـ جوازُ إثبات الأسماء والصفات بدليل من الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة أو الإجماع، بلا خِلافٍ بينهم في ذلك.
وإنَّما الخِلاف في إثباتها بالحديث الضعيف أو القياس، فالجمهورُ على منع الإثبات بهما، قال الألوسيُّ والباجوريُّ ـ نقلًا عن العلَّامة إبراهيم اللَّقَاني ـ : «مَحَلُّ ذلك إن قلنا: إنَّ المسألة من العِلْميَّات(11)، أمَّا إنْ قُلنا: إنَّها من العَمَليات؛ فالسُّنَّةُ الضعيفةُ كالحسنة، إلَّا الواهية جدًّا(12)، والقياسُ كالإجماع. وأطلقَ بعضُهم المنعَ في القياس، وهو الظاهر، لاحتمال إيهام أحدِ المُترادِفَينِ دون الآخر»(13).
والصحيحُ أنَّ التسميةَ من باب العَمَليَّات وأفعال اللِّسان، كما قال العلَّامةُ التَّفْتَازاني، والقياسُ جارٍ في العَمَليات، لكنّه يُنافي التوقيف فيُمنَع، أمَّا الحديثُ الضعيف، فالأصلُ في العَمَليات ألَّا يُؤخَذَ فيها بالضعيف إلَّا بقرينة.
فإذا ورد الاسمُ في حديث ضعيف، نظرنا: فإنْ كان أصلُ اشتِقاقِه واردًا في الكتاب أو السُّنَّة الصَّحيحة؛ كان هذا قرينةً للعمل به عند بعض مَنْ يشترطُ التَّوقيف الصريح، وإن لم يكن؛ لم يقوَ الحديثُ الضعيفُ وحدَه على إثبات هذا الاسم، والله أعلم.
وعلى هذا، يهونُ الاختِلافُ بين الفريقين وتقلُّ مساحتُه، فمَن يكتفي بورود أصل الاشتقاق يعتمدُ عليه في إثبات هذا الاسم، ومَن لا يكتفي به قد يراه قرينةً تُقوِّي الأخذ بما ورد في الحديث الضعيف من الاسم الوارد صراحة.
ولعلَّ هذا هو السَّبَبُ في اعتماد جماعةٍ من أهل العِلم لِمَا وقع في بعض رواياتِ حديث أبي هُرَيْرة رضيَ الله عنه من سَرْدِ الأسماء، مع ضعف إسنادها، وممّن اعتمدها الزجَّاج في «تفسير أسماء الله الحسنى»، وابن خُزَيمة، والخطَّابي في «شأن الدعاء»، والبيهقي في «الأسماء والصفات»، والقُشَيري في «شرح أسماء الله الحسنى»، والغزالي في «المقصد الأسنى»، والرازي في «لوامع البيِّنات».
قال البيهقي في الكلام على الرواية الَّتي وقع فيها سَرْدُ الأسماء تفصيلًا: «تفرَّد بهذه الرواية عبدُ العزيز بنُ الحصين بن الترجمان، وهو ضعيفُ الحديث عند أهل النقل، ضعَّفه يحيى بنُ مَعِين، ومحمدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ، ويحتمل أن يكونَ التفسيرُ وقعَ من بعض الرواة (يعني: أنَّ ذِكْرَ الأسماءِ مُدرَجًا في الرواية) وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاريُّ ومُسلِمٌ إخراجَ حديث الوليد في «الصحيح»، وهذه الأسامي كلُّها في كتاب الله تعالى وفي سائر أحاديث رسول الله نصًّا أو دلالة» انتهى. وهو ظاهرُ الدلالة على ما قدَّمتُ.
على أنَّه لا يَبعُدُ أن يُقال: إنَّ الأسماء الواردة في هذه الرواية الضعيفة قد تلقَّاها العلماء بالقبول، وقد ألمح إلى هذا المعنى مع تردُّد فيه العلامةُ الآلوسيُّ 5 حيثُ قال في سياق جواب له عن شبهةٍ أورَدَها: «اللهمَّ إلَّا أن يُقال: حصل الإجماعُ على ما في حديث التِّرْمِذيِّ دونَ ما في حديث غيره المُخالِف له، لكنْ لم أقف على مَن حكى ذلك»(14).
نعم، لم يقع الإجماعُ على ما ورد فيه دون ما ورد في غيره، لكنّ أكثرَ ما ورد فيه من الأسماء لها ورود صريح في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، وما لم يرد صريحًا، وإنَّما له أصلُ اشتقاق فيهما غالبُه مُجمَعٌ عليه، كما يظهرُ من مُراجعة كلام الإمام القرطبي في هذه الأسماء(15).
فإن لم يُسلَّم الإجماعُ فيها أو في بعضها، فلا أقلَّ من أن يكونَ لها شهرةً وافرةً بين أهل الفنِّ، ومثلُها كافٍ في إثبات التلقِّي بالقبول، بل توارُد الأئمَّة الَّذين صنَّفوا في شرح الأسماء الحسنى عليها كافٍ في إثباته؛ لأنَّهم أصحابُ القول الفَصْل في ذلك.
وهذا ما ألمح إليه الإمام القرطبيُّ فيما ذكره تعقيبًا على كلام القاضي أبي بكر ابن العربي في اسمه تعالى «الحنَّان»، حيثُ قال القاضي: هذا الاسم لم يرد به قرآن، ولا حديث صحيح، وإنَّما جاء من طريق لا يُعوَّل عليه، غير أنَّ جماعة من النَّاس قبلوه وتأوَّلوه، وكثر إيراده في كتب التأويل والوعظ. فقال القرطبيُّ: قلتُ: ما ذكره كافٍ في دخوله في جملة الأسماء، وذلك يدلُّ على صحَّةِ الحديثِ فيه»(16).
← العودة لقسم الإلهيات