2026-06-03
823
حول القضاء والقدر
هل كلُّ ما يحدُث للإنسان في الدنيا مكتوب عليه من الأزل: الموت والرزق، والنجاح والفشل، والسعادة والشقاء في الدنيا، وإن كان من أهل الجنَّة أو أهل النَّار، فما قيمة سعي الإنسان إذن؟ وهل للأطباء أن ينقذوا إنسانًا من الموت في حادثة من الحوادث؟ وهل للاجتهاد والعمل المتواصل، أو حسن إدارة التجارة أو الزراعة علاقة بزيادة الرزق، أم أن الرزق محدد مقدر عملنا أم تكاسلنا؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا السؤال سؤال قديم معروف، ويبدو أنَّه مهما طال الزمن سيظل يَخْطِر على الأفئدة، ويدور على الألسنة.
ولا داعي للحيرة في شأنه، فإنَّ الإسلام قد شفى في جوابه وكفى.
(أ) أمَّا أن كلَّ ما في الكون مكتوبٌ مسجَّل، فهذا معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، ولا شكَّ فيه، وإن كنَّا لا نعلم كيفية الكتابة، وماهيَّة الكتاب، وكلُّ الَّذي نعلمه أنَّ الله تعالى قد أبدع هذا الكون بأرضه وسمائه، وجماداته وأحيائه، على وَفْقِ تقديرٍ أزليٍّ عنده، وأنَّه أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلِّ شيءٍ عددًا، وأنَّ كلَّ ما يحدُث في هذا الكون العريض يحدُث وَفْق علمه وإرادته، ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ﴾ [يونس: 61]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [الأنعام: 59]، ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ﴾ [الحديد: 22].
(ب) هذا العلم المستوعِب، والإحصاء الدقيق، والتَّسجيل الشامل للأشياء والأحداث قبل وقوعها لا ينافي الاجتهاد في العمل واتخاذ الأسباب.
فإنَّ الله كما كتب المسبَّبات كتب الأسباب، وكما قدر النتائج، قدر المقدِّمات فهو لا يكتب للطالب النجاح فحسْب، بحيث يصل إلى هذه النتيجة بأي وسيلة، ولكنْ يكتب له النجاح بوسائله من جدٍّ وحرصٍ وانتباهٍ ووعيٍ وصبرِ وجَلَدٍ إلى آخر هذه الأسباب. فهذا مقدَّر مكتوب، وهذا مقدَّر مكتوب.
إنَّ الأخذ بالأسباب لا ينافي القدر، بل هو من القدر أيضًا.
ولهذا حين سئل ﷺ عن الأدوية والأسباب الَّتي يُتقَى بها المكروه، هل ترد من قدر الله شيئًا، كان جوابه الفاصل: «هي من قدر الله»(1).
ولما انتشر الوباء في بلاد الشام: قرَّر عمرُ بمشورة الصحابة العدول عن دخولها، والرجوع بمن معه من المسلمين. فقيل له: أتفرُّ من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيتَ لو كان لك إبلٌ هبطتْ واديًا له عَدْوَتان: إحداهما مُخْصِبة، والأخرى مُجْدِبة، أليس إن رعيتَ المُخْصبة رعيتَها بقَدَر الله، وإن رعيتَ المجدبة رعيتَها بقدَر الله(2)؟!
(جـ) على أنَّ القدر أمر مُغَيَّب مستور عنَّا، نحن لا نعرف أنَّ الشيء مقدَّر إلَّا بعد وقوعه، أمَّا قبل الوقوع فنحن مأمورون أنْ نتَّبع السُّنَن الكونيَّة، والتوجيهات الشرعيَّة لنحرز الخير لديننا ودنيانا.
إنَّما الغيبُ كتابٌ صـانَهُ
عن عُيونِ الخَلْقِ ربُّ العالمينْ
ليسَ يبدُو مِنهُ للناسِ سوَى
صفحةُ الحاضرِ حينًا بعدَ حِينْ(3)
وسنن الله في كونه وشرعه تحتِّم علينا الأخذ بالأسباب، كما فعل ذلك أقوى النَّاس إيمانًا بالله وقضائه وقدره، وهو رسول الله ﷺ ، فقد أخذ الحذر، وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو بنفسه، واتخذ أسباب الحِيطة في هجرته. أعد الرواحل الَّتي يمتطيها، والدليل الَّذي يصحبه، وغيَّر الطريق، واختبأ في الغار، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل: «اعقلها وتوكَّل»(4)، وقال: «فِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد»(5)، و«لا يُوردَنَّ مُمْرضٌ على مُصِحٍّ»(6). أي لا يخلط صاحب الإبل المريضة إبله بالإبل السليمة اتقاءَ العدوى.
(د) الإيمان بالقدر إذن لا ينافي العمل والسعي والجد، في جلب ما نحب، واتقاء ما نكره، وليس لمتراخٍ أو كسلانَ أن يُلقي على القدر كلَّ أوزاره وأثقاله، وأخطائه وخطاياه، فهذا دليل العجز والهرب من المسؤولية، ورحم الله د. محمَّد إقبال إذ قال: «المسلم الضعيف يحتجُّ بقضاء الله وقدره، أمَّا المسلم القويُّ فهو يعتقد أنَّه قضاء الله الَّذي لا يُرَدُّ، وقدره الَّذي لا يغلب». وهكذا كان المسلمون الأوَّلون يعتقدون.
في معارك الفتح الإسلامي دخل المغيرة بن شُعبة على قائد من قوَّاد الرُّوم فقال له: من أنتم؟ قال: نحن قدرُ الله، ابتلاكم اللهُ بنا، فلو كنتم في سحابة لصَعِدْنا إليكم، أو لهبطتم إلينا!
ولا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى الاعتذار بالقدر إلَّا حينما يبذل وُسعه، ويفرغ جهده وطاقته، وبعد ذلك يقول: هذا قضاء الله.
قضى النَّبيُّ ﷺ بين رجلين، فقال المقضيُّ عليه لما أدبر: حسْبي الله ونعم الوكيل، فغضب النَّبيُّ ﷺ ، ورأى ظاهر هذه الكلمة إيمانًا، وباطنها عجزًا، فقال: «إنَّ الله يلوم على العجْز، ولكنْ عليك بالكَيْس، فإذا غلبك أمرٌ فقل: حسْبي الله»(7).
(هـ) إنَّ من ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ـ حينما يبذل الإنسان كلَّ ما تحت يده، ويرتقب ما في يد الله ـ أنْ يَهَبَه المضاء في موقف البأس، والعزيمة في مجال الكفاح، والشجاعة ساعة الخطر، والصبر عند الصدمة، والرضا بالكسب الحلال عند تفاوت الحظوظ الدنيوية.
إنَّه سيقول عند الكفاح:﴿لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾[التوبة: 51].
وسيقول عند المعركة:﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾[آل عمران: 154].
وسيقول عند المصيبة: قدر الله وما شاء فعل.
وسيقول للسُّلطان الجائر: إنَّك لن تُقدِّم أجلي، ولن تحرمني رزقًا هو لي.
إنَّ عقيدة القدر إذا فُهِمت على وجهها الصحيح تستطيع أن تخلق من أُمَّتنا أُمَّة مجاهدةً صامدةً، جديرة بأنْ تقود زمام التاريخ.
1. رواه أحمد (15472)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف على خطأ فيه. والتِّرْمِذي (2065)، وقال: حسن. وابن ماجه (3437)، كلاهما في الطب، وحسَّنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (11)، عن أبي خزامة.
2. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الطب (5729)، ومسلم في السلام (2219).
3. البيتان للعقاد مترجمان عن الشاعر الإنجليزي بوب، انظر: ديوان من الدواوين صـ 111، نشر دار المحرِّر الأدبي للنشر والتوزيع.
4. رواه التِّرْمِذيّ في صفة القيامة (2517)، وقال: حديث غريب. وأبو نعيم في حلية الأولياء (8/390)، وحسَّنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (22)، عن أنس.
5. رواه البخاري في الطب (5707)، عن أبي هريرة.
6. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الطب (5770، 5771)، ومسلم في السلام (2221)، عن أبي هريرة.
7. رواه أحمد (23983)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف لضعف بقية، وجهالة سيف. وأبو داود في الأقضية (3627)، عن عوف بن مالك الأشجعي.