2026-06-03
871
الإسلام قبل بعثة محمَّد ﷺ
هل كان هناك إسلام قبل بعثة محمَّد ﷺ ؟
وما معنى الآية الكريمة:﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾[آل عمران: 67]. وهل ذلك الإسلام هو مثل إسلامنا الحالي، أم يختلف عنه؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الإسلام هو أن تُسلم وجهك وقلبك لله 8 ، أي أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين.
وهذا المعنى قد بعث الله به الأنبياء جميعًا، وأنزل به الكتب كافة، الإسلام بهذا المعنى توحيد الله سبحانه، وإفراده جل شأنه بالعبادة، فهو دين الأنبياء جميعًا، لا دين غيره، وكل ما عداه من أديان، فهو ليس من السماء، ولم ينزل الله به كتابًا، ولا بعث به نبيًّا، أو أرسل رسولًا.
دين الأنبياء هو الإسلام بهذا المعنى ولهذا يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله:﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾[الأنبياء: 25].
فكلُّ الأنبياء جاؤوا بأصل هذه الدعوة: عبادة الله، واجتناب الطاغوت.
ومن هنا يقول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ﴾[آل عمران: 19]. فلا دين عند الله غيره.
ويقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾[آل عمران: 85]. ومن هنا نجد نوحًا 0 : شيخ المرسلين يقول لقومه:﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾[يونس: 72].
وإبراهيم يقول:﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ١٣١ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[البقرة: 131، 132].
وموسى يقوله لقومه:﴿يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾[يونس: 84].
والحواريون أصحاب عيسى يقولون:﴿نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 52].
وسحرة فرعون حين آمنوا قالوا:﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾[الأعراف: 126].
وسليمان حيث بعث لبلقيس قال لها بعد البسملة:﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾[النمل: 31].
فالإسلام دين الأنبياء جميعًا، فكلُّهم دعوا إلى الإسلام، واعترفوا بالإسلام. والإسلام الَّذي بعث الله به محمدًا ﷺ هو خاتمة هذه الأديان. جاء ليكملها ويتممها، ويصحح ما حدث فيها من انحراف أو زيادات أو شوائب. يخلصها ويكملها كما قال عليه الصَّلاة والسلام: «إنَّما بُعِثْتُ لأتمِّم مكارمَ الأخلاق»(1). فهو بُعث متمِّمًا ومصدِّقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها جميعًا ومصححًا لها.
فهذا هو دين الأنبياء جميعًا. ومن العجب أن يُقال عن إبراهيم 0 : إنه يهودي أو نصراني:﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾[آل عمران: 67].
إنَّه صاحب الملَّة الحنيفيَّة السمْحة. وإبراهيم 0 : هو الَّذي سمَّانا مسلمين. فلهذا لا ينسب لأية ديانة ذات عنوان خاص؛ ذلك لأن الله 8 ما شاء أن يطلق على هذا الدين إلَّا الإسلام، هذا الاسم للدين السماوي الأصلي، الَّذي أنزله الله لهداية عباده، وأرسل به رسله.
ولم يسمه الله ولا المسلمون باسم «المحمدية» مثلًا كما هو شأن «المسيحية» المنسوبة إلى المسيح 0 : ، فهو الدين الإسلامي العام الَّذي اشترك فيه الأنبياء جميعًا:﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾[الشورى: 13].
فالإسلام إذن هو مجموع العقائد وأمهات الأخلاق والفضائل الَّتي جاء بها الأنبياء جميعًا، وأصول المحرمات الَّتي نهى عنها الأنبياء جميعًا.
ثم هناك أشياء اختلفت فيها الديانات، وهي التشريعات الفرعية التفصيلية الَّتي تعالج حياة النَّاس. فهذه اختلفت باختلاف الأعصار والأزمان والبيئات والأجيال، كما قال الله تعالى:
﴿لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا﴾[المائدة: 48]. ولهذا كان في بعض الشرائع أشياءُ محرَّمة تُحِلُّها شرائع أخرى، كما جاء مثل ذلك عن المسيح 0 : . حيث يقول القرآن عن المسيح: ﴿وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[آل عمران: 50]. وجاءت شريعة الإسلام هي الناسخة للشرائع جميعًا، وأبقت منها ما يصلح، وأزالت ما حرف وأتمَّت ما نقص، وشرعت الشريعة العامَّة الخالدة، الصالحة المُصلحة لكلِّ زمانٍ ومكان.
1. رواه أحمد (8952)، وقال مخرِّجوه: صحيح. والبخاري في الأدب المفرد في حسن الخلق (273)، والحاكم في تواريخ المتقدمين (2/613)، وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (45)، عن أبي هريرة.