2026-06-03
879
كفر من طعن في نسب إسحاق عليه السلام
نشرت جريدة الوطن القطريَّة في عددها الصادر 18 مايو 2008م قصيدة بعنوان: بين إسماعيل وإسحاق. تطاول فيها كاتبها على نبيِّ الله الكريم إسحاق، وأمِّه السيدة سارة، وطعن في نسب إسحاق، ونسبه إلى الجبَّار الَّذي أراد أن يغلب إبراهيم على سارة، وأجرى هذا الكلام على لسان نبيّ الله إسماعيل، معتبرًا ذلك نوعًا من الطعن في اليهود.
وقد بدا لي أن أرفع الأمر لفضيلتكم، لبيان قول الحق في ذلك، جعلكم الله ذخرًا للإسلام والمسلمين، وأمدَّ اللهُ في عمركم على طاعته.
ابنكم
محمد بن سالم الداعية
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ الله 4 اختار أنبياءه ورسله من صفوته من خلقه، فقال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ﴾ [الحج: 75]، وقال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، فهو أعلم حيث يضع رسالته، ومَن يصلح لها من عباده، ومَن هو مأمون عليها. وقد أوجب لهم ـ إجمالًا ـ كلَّ كمال بشري.
والمسلم مأمور أن يؤمن برسل الله جميعًا، كما هو مأمور بالإيمان بسيدنا محمَّد، يقول تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾[البقرة: 285]، ويقول 8 :﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ﴾[آل عمران: 179]، ويقول:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾[النساء: 152]، ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾[الحديد: 19].
وحذَّر الله تعالى من الكفر بالأنبياء أو بأحدهم، وعدَّ ذلك من الضلال والكفر المبين:﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا﴾[النساء: 136].
وحذَّر تعالى من معاداة الرسل، وبيَّن مصير المستهزئين بالأنبياء فقال: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَٰفِرِينَ﴾[البقرة: 98]، وقال عن المستهزئين بالرسل:﴿وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾[الأنبياء: 41].
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ٦ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٧ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾[الزخرف: 6 ـ 8].
ومن هنا فمثل هذا الكلام الَّذي ذكره الشاعر خطأ، بل خطيئة في حقِّ ثلاثة من رسل الله تعالى: خليل الرحمن إبراهيم، وابنيه الذبيح إسماعيل، وإسحاق عليهم صلوات الله وسلامه.
وإذا كان الله تعالى قد رهَّب من رمي المؤمنات بالفاحشة زُورًا وبهتانًا، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْغَٰفِلَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٢٣ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٢٤ يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾[النور: 23 ـ 25]، فكيف باتِّهام زوج نبيِّ الله إبراهيم وأمِّ نبيِّ الله إسحاق، السيدة سارة # ؟، وقد ذكرها الله بالثناء في كتابه في سورة هود.
فقد نفى الشاعر نسب إسحاق 0 : إلى أبيه إبراهيم، وزعم أنَّ أباه هو الجبَّار الَّذي دخل عليه إبراهيم، وأراد أن يغلبه على زوجته سارة، وهو ما نفاه الحديث الصحيح الَّذي رواه البخاري، ونجَّى الله سارة بمعجزة لإبراهيم، وكرامة لسارة(1).
وهذا الَّذي زعمه الشاعر لم يقل به أحد من العالمين قبله، وهو كفر بأنبياء الله تعالى، وطعن في أنسابهم، وهو يخالف صريح آيات كثيرة من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام:﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ٨٣ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥ وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾[الأنعام: 83 ـ 86].
وفي سورة هود: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ❁ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ❁ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّـهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ❁ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 71 ـ 74]، وقد ذكرت هذه الآيات قصة ولادة إسحاق 0 : بالتفصيل، وعدَّت ذلك من المعجزات.
وفي سورة مريم:﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا نَبِيًّۭا﴾[مريم: 49].
وفي سورة الأنبياء:﴿وَنَجَّيْنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَٰلَمِينَ ٧١ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًۭ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا صَٰلِحِينَ ٧٢ وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ﴾[الأنبياء: 71 ـ 73].
وفي سورة العنكبوت:﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾[العنكبوت: 27].
وفي سورة الصافات:﴿وَبَشَّرْنَٰهُ بِإِسْحَٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢ وَبَٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ﴾[الصافات: 112، 113].
وفي سورة ص:﴿وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ٤٧ وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ﴾[ص: 45 ـ 48].
والذي يظهر لي: أنَّ الشاعر أراد أن يخاطب اليهود بالذمِّ، فخاطبهم في شخص نبيِّ الله إسحاق، فوقع ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ في الطعن في إبراهيم وإسماعيل وإسحاق جميعًا. وإذا كان اليهود يزعمون أنَّهم أبناء إسحاق ويعقوب، وأتباع موسى 1 ، فلا يدفعنا الطعن في اليهود، إلى الطعن في أنبيائهم، فقد قال الرسول الكريم مخاطبًا اليهود في المدينة: «نحن أولى بموسى منكم»(2).
والذي أراه: أن تُطلب التوبة والرجوع والاعتذار من هذا الشاعر الَّذي كتب ما كتب، وأن يعرَّف بخطيئته الَّتي وقع فيها، فإن فعل فبها ونعمت، ويعزَّر مع ذلك ويؤدَّب لخطئه الفاحش.
وإن أبى التوبة فقد صدق عليه قول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا﴾[النساء: 150، 151].
على أنَّ الاعتذار لا يجب على الشاعر وحده، وإنَّما يجب على الجريدة الَّتي نشرت ما نشرت من غير مراجعةٍ أو تعقيبٍ حتَّى الآن.
والله من رواء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3358)، ومسلم في الفضائل (2371)، عن أبي هريرة.
2. مُتَّفق عليه: رواه البخاري (2004)، ومسلم (1130)، كلاهما في الصوم، عن ابن عباس.