المقالات

❓ المعجزات النبويَّة بين الغلاة والمقصِّرين

📅 2026-06-03 👁 897 مشاهدة

نص السؤال:

كنَّا في مجلسٍ نتحدَّث عن النَّبيِّ وعن معجزاته، بمناسبة مولده عليه الصَّلاة والسلام، وما حَدَث قبيل المولد وعنده من آيات كونيَّة، تحكيها كتب قصة «المولد» الَّتي تقرأ عادة في كثير من البلاد، كلما أهل شهر ربيع الأول.
ولكن أحد الحاضرين أنكر وقوع هذه الخوارق، وأنكر أيضًا كلَّ ما يُذكر على الألسنة، أو في بعض الكتب، من المعجزات الحسيَّة المادية للنبي ، مثل: بيض الحمام على فم الغار في الهجرة، ونسج العنكبوت، ومثل تكليم الغزالة له(1)، وحنين الجذع إليه، وغير ذلك ممَّا اشتهر بين جماهير المسلمين، وتناقلوه.
وكانت حُجَّة هذا الأخ أنَّ للنبيِّ معجزةً واحدة تحدَّى بها، هي القرآن الكريم، وهي معجزة عقليَّة متميِّزة عن معجزات الرسل السابقين.
نرجو بيان رأيكم في هذا الأمر، مؤيدًا بالأدلة، ليَهْلِك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة.
ودمتم للإسلام والمسلمين.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا الكلام الَّذي يحكيه الأخ السائل عن أحد الحاضرين في مجلسه، بعضُه حقٌّ، وبعضه باطل، فليس كلُّ ما يشيع بين النَّاس من المعجزات الحسيَّة للنبيِّ صحيحًا ثابتًا، وليس كلُّها أيضًا باطلًا. والصحة والبطلان في هذه الأمور، لا يرجع فيها إلى مجرد الرأي أو الهوى والعواطف، وإنَّما يرجع إلى الأسانيد.
والنَّاس في هذه القضية ـ قضية المعجزات المحمديَّة الماديَّة ـ أصناف ثلاثة:
فالصنف الأول: يبالغ في الإثبات، وسنده في ذلك ما حوته الكتب، أيًّا كانت هذه الكتب: سواء كانت للمتقدِّمين أو المتأخِّرين، وسواء كانت تُعنَى بتمحيص الروايات أم لا تُعنى، وسواء وافق ذلك الأصول أم خالفها، وسواء قبله المحقِّقون من العلماء أم رفضوه.
المهمُّ أن يُروى ذلك في كتاب، وإن لم يعرف صاحبه، أو يذكر في قصيدة من قصائد المدائح النبويَّة، أو في قصة «مولد» الَّتي يُتلى بعضها في شهر ربيع الأول من كلِّ عام، أو نحو ذلك.
وهذه عقلية عاميَّة لا تستحق أن تُناقش، فالكتب فيها الغثُّ والسمين، والمقبول والمردود، والصحيح والمختلق الموضوع.
وقد ابتليتْ ثقافتنا الدينيَّة بهؤلاء المؤلفين الَّذين يتتبعون «الغرائب» ويحشون «بها بطون الكتب، وإن خالفت صحيح المنقول، وصريح المعقول.
وبعض المؤلِّفين، لا يُعنَى بصحَّة ما يروي من هذه الأمور، على أساس أنَّها لا يترتب عليها حكم شرعي، من تحليل أو تحريم أو غير ذلك. ولهذا إذا رووا في الحلال والحرام تشدَّدوا في الأسانيد، ونقدوا الرواة، ومحَّصوا المرويات. فأمَّا إذا رووا في الفضائل والترغيب والترهيب. ومثلها المعجزات ونحوها، تساهلوا وتسامحوا.
ومؤلفون آخرون، كانوا يذكرون الروايات بأسانيدها: فلان، عن فلان، عن فلان؛ ولكنهم لا يذكرون قيمة هذه الأسانيد: أهي صحيحة أم غير صحيحة؟ وما قيمة رواتها: أهم ثقات مقبولون أم ضعاف مجروحون، أم كذابون مردودون؟ معتمدين على أنَّهم إذا ذكروا السند فقد أبرؤوا أنفسهم من التبعة، وخلوا من العهدة.
غير أنَّ هذا كان صالحًا وكافيًا بالنسبة للعلماء في العصور الأولى، أمَّا في العصور المتأخرة ـ وفي عصرنا خاصَّة ـ فلم يعد يعني ذكر السند شيئًا. وأصبح النَّاس يعتمدون على النقل من الكتب، دون أي نظر إلى السند.
وهذا هو موقف جمهرة الكتاب والمؤلفين في عصرنا، حين ينقلون من تاريخ الطبري، أو طبقات ابن سعد أو غيرها.
والصنف المقابل: يبالغ في النفي والإنكار للمعجزات والآيات الحسية الكونيَّة. وعمدته في ذلك: أنَّ معجزة محمَّد هي القرآن الكريم. وهو الَّذي وقع به التحدي: أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله.
ولما طلب المشركون من الرسول بعض الآيات الكونيَّة تصديقًا له، نزلت آيات القرآن تحمل الرفض القاطع لإجابة طلباتهم. كما في قوله تعالى:﴿وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا ٩٠ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَعِنَبٍۢ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفْجِيرًا ٩١ أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌۭ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَٰبًۭا نَّقْرَؤُهُۥ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا[الإسراء: 90 ـ 93].
وفي موضع آخر، ذكر المانع من إرسال الآيات الكونيَّة الَّتي يقترحونها فقال:﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا[الإسراء: 59].
وفي سورة أخرى، رد على طلب الآيات بأن القرآن وحده كافٍ كلَّ الكفاية ليكون آية لمحمد . قال تعالى:﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ[العنكبوت: 51].
وقد اقتضت الحكمة الإلهيَّة أن تكون معجزة محمَّد معجزة عقلية أدبية، لا حسية مادية، وذلك لتكون أليق بالبشرية بعد أن تجاوزت مراحل طفولتها، ولتكون أليق بطبيعة الرسالة الخاتمة الخالدة. فالمعجزات الحسية تنتهي بمجرد وقوعها. أمَّا العقليَّة فتبقى.
وقد أيَّد ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن النَّبيِّ قال: «ما من الأنبياء من نبيٍّ إلَّا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنَّما كان الَّذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»(2).
ويبدو لي أن ممَّا دفع هذا الصنف إلى هذا الموقف أمرين:
الأول: افتتان النَّاس في عصرنا بالعلوم الكونيَّة، القائمة على ثبات الأسباب، ولزوم تأثيرها في مسبباتها، حتَّى ظن بعض النَّاس أنه لزوم عقلي لا يتخلف في حال، فالنار لا بدَّ أن تحرق، والسكين لا بدَّ أن تقطع، والجماد لا يمكن أن ينقلب إلى حيوان، والميت لا يمكن أن يرجع إلى الحياة، إلخ.
الثاني: غلوُّ الصنف الأول في إثبات الخوارق، بالحق والباطل، إلى حدٍّ يكاد يلغي قانون الأسباب والسنن، الَّتي أقام الله عليها هذا العالم. وكثيرًا ما يقاوم الغلو بغلو مثله.
وهنا يظهر الرأي الوسط بين المبالغين في الإثبات، والمغالين في الإنكار. وهو الرأي الَّذي أرجحه وأتبناه.
وخلاصة هذا الرأي:
1 ـ أنَّ القرآن الكريم هو الآية الكبرى، والمعجزة الأولى، لرسولنا محمَّد ، وهو الَّذي تحدّى به العرب خاصَّة، والخلْق عامَّة، وبه تميَّزت نبوة محمَّد على غيرها من النبوات السابقة، فالدليل على صدق نبوته هو نفس موضوع رسالته. وهو كتابه المعجز بهدايته وبعلومه، وبإعجازه اللفظيِّ والمعنويِّ، وبإتيانه بالغيب: ماضيه، وحاضره، ومستقبله.
2 ـ أنَّ الله تعالى أكرم خاتم رسله بآيات كونيَّة جمة، وخوارق حسية عديدة، ولكن لم يقصد بها التحدي، أعني إقامة الحجة بها على صدق نبوته ورسالته. بل كانت تكريمًا من الله له. أو رحمة منه تعالى به، وتأييدًا له، وعناية به وبمن آمن معه في الشدائد. فلم تحدُثْ هذه الخوارق استجابة لطلب الكافرين، بل رحمة وكرامة من الله لرسوله والمؤمنين. وذلك مثل «الإسراء» الَّذي ثبت بصريح القرآن، والمعراج الَّذي أشار إليه القرآن، وجاءت به الأحاديث الصحيحة، ونزول الملائكة تثبيتًا ونصرة للذين آمنوا في غزوة بدر، وإنزال الأمطار لإسقائهم فيها وتطهيرهم، وتثبيت أقدامهم، على حين لم يصب المشركين من ذلك شيء وهم بالقرب منهم. وحماية الله لرسوله وصاحبه في الغار يوم الهجرة، رغم وصول المشركين إليه، حتَّى لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآهما. وغير ذلك ممَّا هو ثابت بنص القرآن الكريم.
ومثل ذلك إشباع العدد الكثير من الطعام القليل في غزوة الأحزاب، وفي غزوة تبوك.
3 ـ إنَّنا لا نثبت من هذا النوع من الخوارق إلَّا ما نطق به القرآن، أو جاءت به السُّنَّة الصحيحة الثابتة. وما عدا ذلك ممَّا انتفخت به بطون الكتب، فلا نقبله، ولا نعبأ به.
فمن الصحيح الثابت:
(أ) ما رواه جماعة من الصحابة من حنين الجذع الَّذي كان يخطب عليه أوَّل الأمر، فلما صُنع له المنبر، وقام عليه للخطبة، سمع للجذع صوتًا كحنين الناقة إلى ولدها. فأتاه النَّبيُّ ، فوضع يده عليه فسكت(3).
قال العلَّامة تاج الدين السُّبْكي: حنين الجذع متواتر(4)؛ لأنَّه ورد عن جماعة من الصحابة، إلى نحو العشرين، من طرق صحيحة كثيرة تفيد القطع بوقوعه. وكذلك قال القاضي عِيَاض في الشفاء: إنَّه متواتر(5).
(ب) ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد عن جماعة من الصحابة، من إفاضة الماء بغير الطرق المعتادة، وذلك في غزواته وأسفاره ، مثل غزوة الحُدَيْبية، وغزوة تبوك وغيرهما.
روى الشيخان عن أنس: أنَّ النَّبيَّ وأصحابه كانوا بالزوراء، فدعا بقدح فيه ماء، فوضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، وأطراف أصابعه، فتوضأ أصحابه به جميعًا(6).
وروى البخاري عن البراء بن عازب أنَّهم كانوا مع النَّبيِّ يوم الحديبية أربع عشرة مائة (أي 1400)، وأنَّهم نزحوا بئر الحديبية فلم يتركوا فيها قطرة، فبلغ ذلك النَّبيّ فأتاها، فجلس على شفيرها، ثمَّ دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثمَّ تمضمض ودعا، ثمَّ صبه فيها. قال: فتركناها غير بعيد، ثمَّ إنَّها أصْدَرَتْنا (سقتنا وروتنا) ما شئنا نحن وركابنا(7).
والأحاديث في إجراء الماء له كثيرة مستفيضة، ومروية بأصح الطرق.
(جـ) ما حفلت به كتب السُّنَّة من استجابة الله تعالى لدعاء النَّبيّ في مواضع يصعب حصرها، مثل دعائه بإنزال المطر(8). ودعائه يوم بدر بالنصر(9)، ودعائه لابن عبَّاس بالفقه في الدين(10)، ودعائه لأنس بكثرة الولد، وطول العمر(11)، ودعائه على بعض من آذاه(12)، إلخ.
(د) ما صحَّ من الإنباء بمغيَّبات وقتٍ، كما أخبر بها  ، بعضها في حياته، وبعضها بعد وفاته، مثل فتح بلاد اليمن وبُصرى وفارس(13)، وقوله لعمَّار: «تقتُلك الفئةُ الباغية»(14). وقوله عن الحسن: «إنَّ ابني هذا سيِّد، وسيصلح اللهُ به بين فئتين من المسلمين»(15)، إلخ. ومثل إخباره بفتح القسطنطينية(16)، وغيرها.
4 ـ أمَّا ما لم يصحَّ من الخوارق والآيات، فلا نثبته، ولا نقيم له وزنًا، وإن شاع ذكره بين النَّاس.
ونكتفي هنا بما اشتهر من أنَّ النَّبيَّ حين اختفى في الغار عند الهجرة من المدينة، جاءت حمامتان فباضتا على فم الغار، كما أنَّ شجرة نبتت ونمت فغطت مدخل الغار. فهذا ما لم يجئ به حديث صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف.
أمَّا نسج العنكبوت على الغار، فقد جاءت به رواية حسنها بعض العلماء، وضعفها آخرون. وظاهر القرآن يدلّ على أن الله تعالى أيد رسوله يوم الهجرة بجنود غير مرئية كما قال تعالى:﴿وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا[التوبة: 40].
والعنكبوت والحمام جنود مرئية ولا شك، والنصر بجنود غير مشاهدة ولا محسة أدل على القهر الإلهي والعجز البشري. وإنَّما اشتهرت هذه الخوارق بين جمهور المسلمين بسبب المدائح النبويَّة، للمتأخِّرين وبخاصة قصيدة «البردة» للبوصيري الَّتي يقول فيها(17):
ظنُّوا الحمام، وظنُّوا العنكبوت على
خير البريَّة لم تنسجْ ولم تَحُمِ
وقايةُ اللهِ أغنت عن مُضاعفةٍ
من الدروعِ وعن عالٍ من الأُطُمِ
فهذا هو موقفنا من الخوارق والمعجزات النبويَّة المنسوبة إلى النَّبيّ .
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم النبوات