2026-06-03
925
هل النَّبيّ ﷺ أوَّل خلق الله؟
هل صحيح أنَّ النَّبيَّ ﷺ أوَّل خَلْق الله؟ وأنه خُلق من نور؟ نرجو رأيكم مؤيَّدًا بالأدلة من الكتاب والسنة.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المعروف أنَّ الأحاديث الَّتي جاءت تعلن أنَّ أوَّل ما خلق كذا أو كذا، إلخ لم يصح منها حديث واحد، كما قرَّر علماء السُّنَّة. ولذلك نجد بعضها يناقض بعضًا، فحديث يقول: «إنَّ أوَّل ما خلق الله القلم»، وحديث ثانٍ: «أول ما خلق الله العقل».
وشاع بين العامَّة ممَّا يُتلى عليهم من قصص الموالد المعروفة أنَّ الله قبض قبضة من نوره، وقال لها: كوني محمدًا، فكانت أوَّل ما خلق الله، ومنها خلق السماوات والأرض، إلخ. ومن هذا شاع قولهم: الصَّلاة والسلام عليك يا أوَّلَ خلق الله! حتَّى ألصقها بعضهم بالأذان الشرعي كأنَّها جزء منه.
وهذا كلام لم يصح به نقل، ولا يقره عقل، ولا ينتصر له دين، ولا تنهض به دنيا.
فأوليته 0 : لخلق الله لم تثبت، ولو ثبتت ما كان لها أثر في أفضليته عليه الصَّلاة والسلام ومكانه عند الله، وحينما مدحه الله تعالى في كتابه مدحه بمناط الفضل الحقيقي فقال:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾[القلم: 4].
والثابت بالتواتر أنَّ نبينا عليه الصَّلاة والسلام هو محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، الهاشمي القرشي، المولود من أبويه: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، بمكة في عام الفيل، وُلد كما يولد البشر، ونشأ كما ينشأ البشر، وبُعث كما يبعث من قبله أنبياء ومرسلون، فلم يكن بدعًا من الرسل، وعاش ما عاش ثمَّ قبضه الله إليه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[الزمر: 30]، وسيُسأل يوم القيامة كما يُسأل المرسلون:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾[المائدة: 109].
ولقد أكدَّ القرآن بشرية محمَّد 0 : في غير موضع، وأمره الله أن يبلغ ذلك للنَّاسِ في أكثر من سورة: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾[الكهف: 110]، ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا﴾[الإسراء: 93]، فهو بشر مثل سائر النَّاس، لا يمتاز إلَّا بالوحي والرسالة.
وأكد النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسلام معنى بشريته وعبوديته لله، وحذَّر من اتباع سنن من قبلنا من أهل الأديان في التقديس والإطراء: «لا تُطروني كما أطرت النَّصارى عيسى ابن مريم، فإنَّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله»(1).
وإذا كان النَّبيّ العظيم بشرًا كالبشر، فليس مخلوقًا من نور، ولا من ذهب، وإنَّما خُلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب.
هذا من حيث المادة الَّتي خُلق منها محمَّد عليه الصَّلاة والسلام.
أمَّا من حيث رسالته وهدايته، فهو نور من الله، وسراج وهاج. أعلن ذلك القرآن، فقال يخاطبه:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًۭا مُّنِيرًۭا﴾[الأحزاب: 45، 46].
وقال يخاطب أهل الكتاب: ﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ﴾[المائدة: 15]، فالنور في الآية هو رسول الله، كما أنَّ القرآن الَّذي أنزل عليه نور. قال تعالى: ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ﴾[التغابن: 8]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا﴾[النساء: 174]، وقد حدد الله وظيفته بقوله:﴿كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾[إبراهيم: 1].
وقد كان دعاؤه 0 : : «اللهمَّ اجعل لي في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي عظمي نورًا، وفي شعري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا...» الحديث(2).
فهو نبيُّ النُّور ورسول الهداية. جعلنا الله من المهتدين بنوره، المتبعين لسنته، آمين.
1. رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3445)، عن عمر.
2. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (6316)، ومسلم في صلاة المسافرين (763)، عن ابن عباس.