2026-06-03
893
الترابي وإنكار نزول عيسى ابن مريم
قرأت للدكتور حسن الترابي إنكاره نزول عيسى بن مريم آخر الزمان، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نزول المسيح 0 : في آخر الزمان، من أشراط السَّاعة وعلاماتها الكبرى، وهذا أمر ثبت بالسنة الشريفة، وقد جمع الشيخ أنور الكشميري ـ وهو من علماء الحديث الكبار ـ في هذا كتابًا سمَّاه «التصريح بما تواتر في نزول المسيح»، أي: بما تواتر من الأحاديث في نزول المسيح، ذكر فيه أربعين حديثًا ما بين صحيح وحسن، غير الأحاديث الضعيفة الأخرى الَّتي هي عشرات وعشرات، ولا يسعنا أن نلقي هذه الأحاديث ونهملها! وقد حقَّق هذا الكتاب وأفاض في التعليق عليه أخونا وصديقنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة 5 ، من علماء سوريا المعروفين، ومن محدِّثي العصر أيضًا.
والأديان الثلاثة تنتظر نزول المسيح، اليهود ينتظرون نزول المسيح الحقيقي؛ لأنَّهم لا يؤمنون بالمسيح الَّذي نزل فعلًا، وتآمروا على صلبه وقتله، ولا زالوا ينتظرون مجيء المسيح. والمسيحيون ينتظرون عودة المسيح مرة أخرى، والمسلمون عندهم أنَّ المسيح سيأتي ويحكم بشريعة الإسلام، كما صحت بذلك الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ .
وليس الترابي أوَّل من أنكر نزول المسيح، هناك آخرون سبقوه بهذا في عصرنا، وحاولوا أن يردوا الأحاديث، منهم أخونا الشيخ محمَّد عبد الله السمان في كتابه: «الإسلام المصفَّى»، أنكر قضية نزول المسيح، وقال ما معناه: لعلَّ المراد بنزول المسيح انتشار السلام في الأرض؛ لأنَّ المسيح داعية السلام.
وهو كلام لا يُقبل؛ لأنَّ الأحاديث الَّتي تحدَّثت عن نزول المسيح قالت: «والله، لينزلنَّ ابنُ مريم حكمًا عادلًا، فليكسرنَّ الصليب، وليقتلَنَّ الخنزير، وليضعنَّ الجزية»(1). أي: لن يقبل من أحد الجزية، فإمَّا الإسلام، وإمَّا السيف، لم تقل الأحاديث: إنه داعية السلام، فالتأويل ضد الأحاديث، فهو غير مقبول.
وأيضًا محمَّد أسد الكاتب النمساوي ـ الَّذي كان يهوديًّا ثمَّ أسلم، وله كتاب «الإسلام على مفترق الطرق»، وكتاب «الطريق إلى مكة» ـ يؤول ظهور المسيح الدجال فيقول عنه: «ذلك الكائن العجيب الَّذي يكون أعور، إلَّا أنه يتمتع بقوة خفية يُنعم بها الله عليه، وهو يسمع بأذنيه ما يُنطق به في أقصى زوايا الأرض، ويرى بعينه الواحدة كلَّ ما يحدُث على مسافات غير محدودة، وهو يطير حول الأرض في أيام، ويجعل كنوزًا من الذهب والفضة تظهر فجأة من تحت الأرض، وينزل الغيث وينبت الزرع بأمره، ويُميت ويُحيي من جديد، حتَّى يعتقد كلُّ مَن هم ضعاف الإيمان أنه هو الله نفسه، فيَخِرُّون أمامه ساجدين، ولكن أقوياء الإيمان يقرؤون ما هو مكتوب على جبهته بأحرف من نار: «كافر» فيعرفون أنَّه ليس إلَّا وهمًا وخدعة لامتحان الإنسان في إيمانه».
ويردف محمَّد أسد بالتساؤل والتأويل فيقول: «ألا ينطبق هذا المثلُ على المدنية الصناعية الفنية الحديثة؟ إنَّها «عوراء» أعني أنَّها تنظر إلى ناحية واحدة من الحياة؛ الرُّقيِّ المادي، غافلةً عن جانبها الروحي، وبمعرفة أعاجيبها الميكانيكية تمكن الإنسان من أن يرى ويسمع على مسافات أطول جدًّا، ممَّا تمكنه قدرته الطبيعية أن يرى ويسمع، وأن يقطع مسافات لا نهاية لها بسرعة خارجة عن نطاق التصور، إن خبرتها العلمية «تُنزل الغيثَ وتُنبت الزرع» وتكشف من تحت الأرض عن كنوز لا تخطر ببال، ويُعيد دواؤها الحياة إلى من يبدو وكأنه مقضيٌّ عليه بالموت المحتَّم، بينما تُبيد حروبُها وأهوالها العلمية الحرثَ والنسل. وإن تقدمها المادي من القوة والبريق بحيث إنَّ ضِعافَ الإيمان آخذون في الاعتقاد بأنَّها إله بنفسِها، إلَّا أن أولئك الَّذين ظلُّوا واعين لحالتهم يُدركون بوضوح أن عبادة الدجال تعني الكفرَ بالله»(2).
وهو تأويل بعيد وممجوج، وإذا فتحنا باب التأويل على مصراعيه، فلن تسلم عقيدة من العقائد، ثمَّ لماذا نؤوِّل؟ ما المانع أن يأتي المسيح الدجال فتنة من الفتن، ولماذا لا ينزل المسيح 0 : ليقتل الدجال، ويُري النَّاس أنَّ هذا الدجال الكذاب لا أساس له، ويحكم المسيح بشريعة الإسلام، وتكثر الخيرات والبركات في عهده، ثمَّ يذهب وتقترب الدنيا من نهايتها؟ ليس هناك داعٍ عقليٌّ يدفعنا إلى إنكار نزول المسيح 0 : ، وقتله الدجال، بل هو ممَّا تواترت الأحاديث به.
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في البيوع (2222)، ومسلم في الإيمان (155)، عن أبي هريرة.
2. الطريق إلى الإسلام لمحمد أسد صـ 252، 253، نشر دار العلم للملايين.