المقالات

❓ أسئلة من إيران حول قضايا عقدية وفكرية حساسة

📅 2026-06-05 👁 1,043 مشاهدة

نص السؤال:

السؤال الأول: مع أنَّ التقليد أو أنَّ ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ[المائدة: 104]، في الاعتقادات في الإسلام ممنوع، هل يخلي الإسلام الإنسان ونفسه أن يتفكر في الأديان السماوية وينتخب منها دينًا، أي دين، يذعن بأن الله خالق واحد، ويطالب أبناءه أن يكونوا كالبنيان المرصوص، معتقدين بيوم الآخرة؟
إن قلت: لا، فتضاد وتصادم مع حرية الإنسان والعقل، ومع الآيات الدالة على حرية الأديان كالآية:﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ[البقرة: 256]، والآية:﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾[يونس: 108]، و﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ[الكافرون: 1]، وغيرها.
السؤال الثاني:إن كان أحدٌ تجدد له النظر في «أمر مجمع عليه في الدين» مثلًا ـ رجم المحصنين والمحصنات ـ أو في قطع يد السارق والسارقة، أو في قصاص الأعضاء والأنفس، أو أمثال تلك، ثمَّ يقول بتفسيرات أخرى وأنكر الأولى. لماذا يُحكم الإسلام عليه بالردة، ويُضرب عنقه؟ مع أنه جُوزي بمجازاة تناسب الوضع الحالي لتلك الجريمة. وما رأيكم فيما قاله العالم الشيخ: سيد سابق في كتابه: «فقه السنة» بما خلاصته: أنَّ الإسلام دين ونظام. ومخالفة النظام في كل دولة (الشيوعية أم الرأسمالية) ثورة عليه وخيانة مجازاتها الإعدام اهـ .
فهذا التوجيه كما نشاهد (مع وجود الأحزاب المخالفة للأنظمة الموجودة حاليًا في الدول الراقية) سفسطة منه 5 ، لا يعفى عنها اهـ .
وإذا كان ترك الصَّلاة متعمدًا أو الزكاة كذلك يكفر صاحبه ويحكم عليه بالردة ويقتل، فما معنى الحرية في هذا الدين؟ فما عدد القتلى منهم؟ فقد يزيد على الملايين، وما الحكمة من تلك المجازاة؟ مع أن التشديد في النفسيات والمعنويات، حسب التحقيقات السيكولوجية: يثير النفور والانزجار، ويخلق المنافقين والمنافقات حفظًا لأنفسهم.
السؤال الثالث: هل يبعث «ولي المسلمين» كلَّ سنة عدَّة مسلحين إلى بلاد الكفرة للجهاد. فإن آمنوا وإلا فالجزية، إن قلتم: نعم. أليس معنى هذا أنَّ الإسلام دين لا يستطيع أن يتعايش سلميًّا، وما أخذ بالسيف فبالسيف يردّ؟
أليس هذا منافيًا لحرية العقل، وحرية الإنسان، وحرية الأديان؟
السؤال الرابع: أسس العالم الحديث النُّظم الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية وغيرها. وإن قدمت المعتزلة العقل والشرع؛ هل يرخص للعقل أن يتجاوز الخطوط المعيّنة قبل ألف ونيف من الزمن؟ إن قلتم: لا. فما تجيبون عن أنّ الإسلام دكتاتورية، يقيد أبناءه في حصار. دين ركود وقعود، ويعيِّن في المسألة الحالية الموجودة الآن: حُكما وضعه منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة. فلمثل هذا يرى المعاندون أن البلاد الَّتي استولى عليها الإسلام بسبب حكومة تلك القوانين السالفة اللامتغيرة، تعيش بدوية عارية عن الحضارة والتقدم؛ فقيرة، بقيت على كسوة العصر الحجري. إن شئت قايس البلاد مع بلاد الكفرة: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍۢ ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًۭا وَهُوَ حَسِيرٌۭ﴾ [الملك: 3، 4].
سماحة الشيخ برجاء التكرم بالإجابة على هذه الأسئلة مكتوبة؛ لأنَّها أسئلة وشبهات تؤرقنا وتضعف عقيدة البعض منا. جزاكم الله خيرًا.
(س. ع. ل)
طهران
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جواب السؤال الأول:
التقليد والحرية في أمور العقيدة:
من قرأ القرآن بتدبر وعناية؛ اتضح له بكل جلاء؛ أنَّه يعمل على إنشاء العقلية العلمية الَّتي ترفض اتباع الظن، واتباع الهوى، والتقليد الأعمى، سواء كان للآباء أم الكبراء أم لعامة النَّاس، والتي تقوم على إعمال النظر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء، والتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، ومصاير الأمم، وآيات الله في الأنفس والآفاق.
ولهذا ذهب المحقِّقون من علماء التوحيد إلى أنَّ إيمان المقلد تقليدًا مطلقًا لا يُقبل في باب العقائد وأصول الدين، بل لا بدَّ أن يعلم الدليل ولو كان إجماليَّا، ولو لم يحسن ترتيبه والتعبير عنه بلغة أهل العلم، وهو ما لمسته لدى كثير من العوام، فعندهم أدلة إجمالية على عقائدهم.
ولا يقبل القرآن أن تؤسس العقائد الأصلية على الظن، بل ذم المشركين على ذلك حين قال:﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًۭٔا[النجم: 28]، وفي مقام آخر:﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا[يونس: 36].
ولهذا نادى القرآن المشركين وأهل الكتاب قائلًا:﴿قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ[البقرة: 111، النمل: 64].
وإذا كان هذا هو توجيه القرآن لإعمال العقل والفكر في البحث عن الحقيقة، فماذا يكون الموقف إذا واصل العقل بحثه وتفكيره وتأمله، حتَّى انتهى به إلى أن التثليث الَّذي جاءت به النصرانيَّة هو الصواب، والتوحيد الَّذي جاء به الإسلام هو الخطأ؛ وأن التشبيه الَّذي جاءت به اليهوديَّة هو الحق، وأن التنزيه ـ أي تنزيه الله عن مشابهة خلقه ـ الَّذي جاء به الإسلام هو الباطل؛ وأن ما جاءت به التوراة الحالية من تلويث صورة الأنبياء وسيرتهم هو الهدى، وما جاء به الإسلام من عصمة الأنبياء هو الضلال، وأن أسفار التوراة وما فيها من تحريفات أثبتها أحرار الأوربيين أنفسهم: كتاب حق، وأن القرآن الَّذي نزل على محمَّد كتاب باطل. إذا افترضنا أنَّ باحثًا انتهى إلى هذه النتائج، بعد طول دراسةٍ وتأمُّل وتحليلٍ وموازنة، فهل يُقِرُّه الإسلام على ما وصل إليه من نتائج، أو يعتبره كافرًا مأواه جهنم وساءت مصيرًا؟
بل أكثر من هذا إذا انتهى بالباحث بحثه إلى أنَّ الوثنية خير من التوحيد، وأن عبادة البقر، أو عبادة الحجر، أو غيرها من الآلهة هي الدين الحق، وأن عبادة الله الواحد هي الدين الباطل؟! بل إذا انتهى به البحث إلى التعطيل والجحود المطلق، وأن لا ربَّ للكون، ولا إله للعالم، وأن الأديان السماوية والوضعية كلها باطل في باطل، ماذا يكون الموقف؟ وهل هذا الإنسان ناج في الآخرة، أو لا؟!
لم يتصور جمهور علماء المسلمين أن ينتهي البحث بعالم مفكر متأمل منصف إلى هذه النتيجة أبدًا؛ لأن الإسلام في نظرهم يمثل الحقيقة الجلية الَّتي لا يرتاب فيها عقل، وهي ملائمة للفطرة السليمة، موافقة للعقل الصريح، ويؤيده المنطق السليم.
ومع هذا افترض بعضهم: أن يصل واصل إلى هذه النتيجة، فقال الجاحظ(1) علَّامة المعتزلة وأديبهم: إن بذل جهده، واستفرغ وسعه في البحث عن الحقيقة في العقائد والأصول، أو العقليات ـ كما يسمونه ـ ولكنَّه أخطأ الوصول إليها، فلا إثم عليه؛ إذ لا يكلَّف غير ما في وسعه؛ إنَّما الإثم على من عرف وعاند.
فعنده أنَّ الحق واحد في هذه الأصول، ولكن المخطئ فيها غير آثم، كما قال الزركشي.
كما حكوا عن القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد في العقليات مصيب.
قال ابن السمعاني: وكان العنبري يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله، وفي نافي القدر: هؤلاء نزَّهوا الله، وقد استُبشع هذا القول منه، فإنه يقتضي تصويب اليهود والنَّصارى، وسائر الكفَّار في اجتهادهم، قال: ولعله أراد أصول الديانات الَّتي اختلف فيها أهل القبلة، كالرؤية، وخلق الأفعال، ونحوه.
وأمَّا ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل، كاليهود والنَّصارى والمجوس؛ فهذا ممَّا يقطع فيه بقول أهل الإسلام.
قال القاضي في «مختصر التقريب»: اختلفت الروايات عن العنبري، فقال في أشهر الروايتين: إنَّما أصوب كل مجتهد في الدين تجمعهم الملة، وأما الكفرة فلا يصوبون. وفي رواية عنه أنه صوَّب الكافرين المجتهدين دون الراكبين البدعة.
قال: ونحن نتكلَّم معهما ـ يعني العنبريَّ والجاحظ ـ فنقول: أنتما أولًا: محجوجان بالإجماع قبلكما وبعدكما.
ثانيًا: إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد؛ فقد خرجتما عن حيز العقلاء، وانخرطتما في سلك الأنعام، وإن أردتما الخروج عن عهدة التكليف، ونفي الحرج، كما نقل عن الجاحظ؛ فالبراهين العقلية من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، الخارجة عن حدّ الحصر ترد هذه المقالة.
أما تخصيص التصويب بأهل الملة الإسلاميَّة فنقول: ممَّا خاض فيه المسلمون القول بخلق القرآن، وغير ذلك ممَّا يعظم خطره، وأجمعوا قبل العنبري على أنه يجب على المرء إدراك بطلانه.
وقد حكى القاضي أيضًا في موضع آخر عن داود بن علي الأصفهاني، إمام مذهب الظاهر، أنه قال بمثل قول العنبري.
وحكى قوم عن العنبري والجاحظ أنهما قالا ذلك فيمن علم الله من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق، من أهل ملتنا وغيرهم، وقد نحا الغزالي قريبًا من هذا المنحى في كتاب «التفرقة بين الإسلام والزندقة».
وقال ابن دقيق العيد: ما نُقل عن العنبري والجاحظ... إن أراد أنَّ كلَّ واحد من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر؛ فباطل، وإن أريد به أن من بذل الوسع، ولم يقصر في الأصوليَّات؛ يكون معذورًا غير معاقب؛ فهذا أقرب؛ لأنَّه قد يعتقد فيه أنه لو عُوقب، وكلف بعد استفراغه غاية الجهد؛ لزم تكليفه بما لا يطاق(2).
قال: وأما الَّذي حُكي عنه من الإصابة في العقائد القطعية؛ فباطل قطعًا، ولعلَّه لا يقوله إن شاء الله تعالى.
وأمَّا المخطئ في الأصول كالمجسِّمة: فلا شكَّ في تأثيمه وتفسيقه وتضليله.
واختلف في تكفيره. وللأشعري قولان. قال إمام الحرمين وابن القُشَيري وغيرهما: وأظهر مذهبه ترك التكفير، وهو اختيار القاضي في كتاب «إكفار المتأوِّلين».
وقال ابن عبد السلام: رجع «الإمام أبو الحسن» الأشعري عند موته عن تكفير أهل القبلة؛ لأنَّ الجهل بالصفات ليس جهلًا بالموصوفات(3).
قال الزركشي: وكان الإمام أبو سهل الصعلوكي لا يكفِّر، فقيل له: أَلَا تكفِّر من يكفِّرك؟ فعاد إلى القول بالتكفير. وهذا مذهب المعتزلة، فهم يكفرون خصومهم، ويكفر كل فريق منهم الآخر.
وقد حكى إمام الحرمين عن معظم أصحاب الشافعي ترك التكفير، وقالوا: إنَّما يكفر من جهل وجود الربِّ، أو علم وجوده، ولكن فعل فعلًا، أو قال قولًا أجمعت الأمَّة على أنه لا يصدر ذلك إلَّا عن كافر(4) انتهى.
والذي أراه في هذه القضية: أنَّ الجاحظ لم يحد عن الصواب فيما ذهب إليه؛ إذ ليس على المكلف إلَّا أن يبذل وسعه، كما قال القرآن الكريم: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة: 286]، ولا يكلف الإنسان أن يؤمن بغير ما اقتنع به عقله واطمأن إليه قلبه، فهو معذور، حتَّى وإن أخطأ الطريق إلى الحق؛ لأنه عمل ما عليه. وإلا كلفناه بما لا يطيق، وقد كان من أدعية المؤمنين في خاتمة سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ[البقرة: 286]. وصحَّ في الحديث أنَّ الله سبحانه قد استجاب هذا الدعاء(5).
وإنَّما أنذر القرآن بعذاب الله: من عرف الحق بأدلته وأماراته، ثمَّ حاد عنه عامدًا صادًّا عن سبيله، متَّبعًا لهواه، أو مؤثرًا لدنياه، أو لغير ذلك من الدواعي، كما قال الله تعالى:﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا[النساء: 115].
فهذا لم يستحقَّ أن يَصْلَى جنَّهمَ إلَّا من بعد مشاقته للرسول، من بعد ما تبيَّن له الهدى، واتِّباعه غير سبيل المؤمنين.
ومثله من كفر من أهل الكتاب بعد ظهور الحق له جليا بأدلته وبراهينه، كالذين قال الله تعالى فيهم:﴿وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ[البقرة: 109].
على أنَّ هذا كله في أمور الآخرة والنجاة والعذاب، أمَّا في أحكام الدنيا فكل من لم يؤمن برسالة محمَّد فهو كافر في نظر المسلمين؛ لأنَّنا نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
جواب السؤال الثاني:
مجالات الاجتهاد وحدوده:
يرحِّب الإسلام بتجديد الدين والاجتهاد فيه، وقد ثبتت شرعية التجديد بحديث رسول الله الَّذي رواه أبو داود وغيره عن أبي هُرَيْرة: «إنَّ الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمَّة من يجدِّد لها دينها»(6).
كما أنَّ باب الاجتهاد في استنباط أحكام الشريعة لا يزال مفتوحًا إلى يوم القيامة؛ لأنَّه بابٌ فتحه الله ورسوله، لا يملك أحد أن يغلقه.
ولا يزال المسلمون يحتاجون إلى من يجتهد لهم فيما يجدُّ من مشكلات، مراعيا جزئيات النصوص، وكليات المقاصد، كما يراعي الواقع المعيش، فيحقِّق باجتهاده مقاصد الشَّرع، ومصالح الخلق.
ومن روائع هذا الدين: أنَّه لم يؤثم من اجتهد فأخطأ، بل هو معذور فيما أخطأ فيه، وأكثر من ذلك: أنه مأجور فيما أخطأ فيه أجرًا واحدًا، كما ثبت في الحديث الصحيح(7). ولا أحسب دينًا يحثُّ على الاجتهاد مثل هذا الحث، حتَّى إنَّه ليثيب المجتهد المخطئ.
ومن هنا يرحِّب الإسلام بتعدد الاجتهادات فيه، واختلاف المدارس والمذاهب في فقه الشريعة، فهناك مدرسة الرأي والنظر، وهناك مدرسة الحديث والأثر، وهناك المدرسة الظاهرية. وكلها وسعها الفقه الإسلامي، ووسعتها الشريعة الإسلاميَّة.
ولقد اختلف أصحاب رسول الله ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، واختلف بعدهم الأئمَّة المتبَعون، فما ضرهم هذا الاختلاف شيئًا، ولا أدى بهم إلى العداوة والبغضاء أو التفرق المذموم، بل ظلوا إخوة متحابين، يحبُّ بعضهم بعضًا، ويوالي بعضهم بعضًا، ويصلِّي بعضهم وراء بعض، ويقفون صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص في مواجهة أعداء الإسلام.
ولقد قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في اختلاف الصحابة: ما وددت أن الصحابة لم يختلفوا؛ لأنَّهم لو كانوا قولًا واحدًا لكان النَّاس في ضيق(8).
كل ما يُهمُّنا أن ننبِّه عليه هنا: أن الاجتهاد المشروع هو المطلوب في الدين: لا بدَّ أن يكون من أهله وفي محله.
وهذا قيد مهم، وليس من التحكم ولا من الدكتاتورية، أو من تسلط رجال الدين، أو احتكارهم، كما يحاول البعض أن يصوره.
فكل علم في الدنيا له أهله المتخصصون فيه، المعبرون عنه، العارفون بدقائقه، المميزون بين حقائقه وأباطيله، ولا يقبل هؤلاء أن يأتي بعض الدخلاء أو المزورين، فيقتحم عليهم عرينهم، ويفتي فيما هم أهله، بلا بينة.
لا يقبل المهندسون أن يفتي في شؤونهم الأطباء أو الاقتصاديون أو المحامون، ولا يقبل الأطباء أن يفتي في طبهم المهندسون أو غيرهم من المهنيين.
بل لا يقبل طبيب جراح أن يفتي في أمر جراحته طبيب باطني، بل لا يقبل جراح الأعصاب، أن يتدخل في فنه جراح المسالك البولية، فقد توسع الطب حتَّى أصبح اختصاصات شتّى، كل منها علم برأسه.
فلماذا يُسمح لعلم الدين أو علم الشريعة وحده: أن يفتي فيه كل من هبَّ ودبّ ودرج من الناس؟
فمن هم أهل الاجتهاد؟
هذا أمر بحثه الأصوليُّون وفصَّلوه في «علم أصول الفقه»، هذا العلم الَّذي ابتكره المسلمون ـ على غير مثال سبق ـ ليضبطوا به الاجتهاد فيما فيه نص، أو فيما لا نص فيه، وكان لهم في هذا العلم صولات وجولات، منذ عهد الإمام الشافعي (ت: 204هـ) فما بعده، ووضعوا فيه من القواعد العلمية واللغوية والشرعيَّة: ما يعد من مفاخر التراث الإسلامي، حتَّى إن الشيخ مصطفى عبد الرازق ـ وهو يؤرخ للفلسفة الإسلاميَّة ـ اعتبر علم أصول الفقه، أدل على الفلسفة الإسلاميَّة الحقة من فلسفة الكندي والفارابي وابن سينا وغيره من تلاميذ «المدرسة المشائيَّة الإسلاميَّة».
اشترط علماء الأصول في «المجتهد»: أن يكون عالمًا ـ بل راسخ العلم ـ بالقرآن والسُّنَّة، فهما المصدران الأساسيان للإسلام، وأن يكون عالمًا ـ بل راسخ العلم ـ باللغة العربية؛ لأنَّها لغة القرآن والسُّنَّة، وأن يكون عالمًا بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، وخصوصًا القياس والعلة وسائر الأدلَّة مثل: الاستحسان والمصلحة المرسلة والاستصحاب والعرف وغيرها.
وأن يكون ممارسًا للفقه، غوَّاصًا فيه، مطلعًا على اختلاف العلماء، وتعدُّد مشاربهم، وسبب اختلافهم، فقد قال السلف: من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم تشم أنفه رائحة الفقه(9).
وبهذا يكسب معرفة مواضع الإجماع الفقهي، فلا يخرج عنها، ومواضع الاختلاف فيتخير منها، ويرجح بالدليل ما يراه أرجح ميزانا، كما يكتسب من هذه الممارسة وهذا الغوص: ملكة الفقه. وهذه لا تأتي لكل من قرأ بعض الكتب؛ دون أن يتعمق ويغوص في أسرارها.
فأما ومَن لم يعرف قرآنًا ولا سنة، ولم يتذوق أسرار العربية، ويعرف نحوها وصرفها ومفرداتها، ومَن لم يعرف أصول الفقه، ولا مقاصد الشريعة، ومَن لم تتكون عنده ملكة الفقه والاستنباط فكيف يعتمد عليه في فهم دين الله؟
وكيف يؤخذ برأيه في المسائل العويصة؟
هذا بالنسبة للشق الأول من القيد الَّذي قيدنا به الاجتهاد، وهو أن يكون من أهله.
بقي الشق الثاني، وهو أن يكون في محله، ومحل الاجتهاد هو: الظنيات من الأحكام، أمَّا «القطعيَّات» فلا مجال للاجتهاد فيها(10)؛ لأنَّها تمثِّل «الثوابت» الَّتي ترجع إليها المتغيرات، سواء كانت ثوابت فيما يتعلق بالعقيدة، أم فيما يتعلق بالشريعة، أم فيما يتعلق بالقيم الأخلاقية.
وكل دين وكل نظام، لا بدَّ له من «ثوابت» يحوطها بأسوار منيعة، لا يجوز اختراقها، ومن فضل الإسلام: أن قلل الثوابت، وضيق دائرتها، فهي قليلة جدًّا، ولكنها مهمة جدًّا، ولولاها لغدا الإسلام عجينة طرية يشكلها من يشاء كما يشاء، ولم يعد لدينا إسلام واحد، بل إسلامات متعددة، بتعدد البيئات، وبتعدُّد الأعصار، بل بتعدد الأشخاص، فكلما أُعجب الإنسان برأي تمسك به وضمه إلى الإسلام بهواه، وهذا خطر ماحق.
فلا بدَّ للنَّاسِ من أصول يتمسكون بها، وقواطع يحترمونها، وأساسيات يرجعون إليها، ومصادر قطعية يحتكمون إليها إذا اختلفوا.
فإذا كان المرء من أهل الاجتهاد، فلن يخرج على الأصول المتفق عليها في البحث والاستنباط ومنها: عصمة الأمَّة في مجموعها، وخصوصًا في عصورها الأولى. وإن كان له رأي شاذٌّ عرضه على الراسخين من علماء الأمَّة، فإن قبلوه فبها، وربَّما عدّلوه وحوّروا فيه حتَّى يُقبل، وإن رفضوه وجب أن يحترم إجماع أهل الذكر:﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ[النساء: 83].
أمَّا مَن لم يكن من أهل الاجتهاد، وأقحم نفسه فيما لا يحسنه، فلا بدَّ أن نبين له خطأه، وأنه قال على الله بغير علم، وأنه ينبغي أن يحتفظ برأيه لنفسه، ولا يدعي عصمة نفسه، وخطأ الأمَّة جميعًا، وعليه أن يعود إلى أولي الذكر والخبرة:﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[النحل: 43، الأنبياء: 7]، ﴿فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا[الفرقان: 59]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ[فاطر: 14].
جواب السؤال الثالث:
غزو المسلمين لبلاد الكفار:
غزو بلاد الكفَّار المجاورين للمسلمين، في كل سنة مرة: أمر قال به جمهور الفقهاء، واعتبروه فرض كفاية على الأمَّة، وهو الَّذي يسمُّونه «جهاد الطلب» أي طلب العدو في عقر داره، بخلاف جهاد الدفع، وهو الجهاد الَّذي يدفع به المسلمون عدوًّا غزا بلادهم أو هددها، ويعد فرض عين على كل أهل البلد، والآخر كما قلنا فرض كفاية. وهذا الغزو أو الجهاد بالنسبة للكفار الَّذين ليس بينهم وبين المسلمين عهد، والذين يُخاف من شرهم وكيدهم للمسلمين، فهو نوع من «الحرب الوقائيَّة» كما تُسمَّى اليوم.
وكان هذا من الفقهاء الَّذين قالوا به، نزولًا على حكم الواقع الَّذي يعيشه العالم في ذلك الوقت، كالمناوشات الَّتي كانت تقع بين المسلمين وبين دولة الروم البيزنطية، لإشعارهم أنَّ المسلمين أقوياء، وأن لحمهم مرٌّ، وأن حماهم لا يستباح.
فإذا تغيرت هذه الأوضاع إلى أوضاع أخرى، كما نشاهد في عصرنا، حيث دخلت دول العالم ـ ومنها الدول الإسلاميَّة ـ «ميثاق الأمم المتحدة» الَّذي يقرِّر فيما يُقرِّر: احترام سيادة الدولة الإقليمية، ويفرض على كل المشاركين في هذه المنظمة: حل النزاعات فيما بينها بالطرق السلمية. حينئذ لم يعد مجال لما قال به جمهور الفقهاء؛ لأنّ ميثاق الأمم المتحدة الَّذي رضيه المسلمون، وانضووا تحت لوائه: لا يجعل هناك مجالًا لغزو الآخرين، وإرسال مسلحين للدخول في أرضهم بغير إذنهم.
وقد قال المحقِّقون من علمائنا: أنَّ الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والحال والعرف وغيرها(11)، وقالت مجلة الأحكام في إحدى موادها: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان(12).
على أنَّ هنا حقيقتين مهمتين يجب أن أسجِّلهما وأجليهما:
الأولى: أنَّ القول بأنَّ «جهاد الطلب» فرض كفاية على الأمَّة: أن تقوم به في كل سنة مرة؛ ليس أمرًا مجمعًا عليه، وإن اشتهر عند المتأخِّرين حتَّى كأنَّه الرأي الوحيد أو الإجماع الثابت، فالواقع: أنَّ هناك من الصحابة والتابعين من رأى هذا النوع من الجهاد مجرد تطوَّع ونافلة، وليس فرضًا بحال، منهم: عبد الله بن عمر من الصحابة، وعمرو بن دينار من التابعين، وابن شبْرُمة والثوريُّ من الفقهاء(13).
ولا حرج علينا إنْ رجَّحنا رأي هؤلاء، ووجدنا أنه هو الأقرب إلى النصوص والأليق بتحقيق مقاصد الشَّرع، ومصالح الخلق.
وهو ما نقلته ـ والحمد لله ـ في كتابي «فقه الجهاد» الَّذي أكرمني الله تعالى بتأليفه.
الثانية: أنَّ هناك من الفقهاء من فسَّر تحقيق فرض الكفاية الَّذي قال به الجمهور؛ بما يغنينا عن إرسال جنود مسلحين إلى أرض الكفَّار كل سنة، وهذا ما وضحه فقهاء الشافعية المعتمدون في كتبهم المشهورة في المذهب، أمثال الإمام الرافعي في كتابه الشهير: «فتح العزيز في شرح الوجيز» الَّذي اختصره الإمام النووي وعقب عليه في كتابه المعروف «روضة الطالبين».
كما قرَّره النووي في كتابه «منهاج الطالبين» الَّذي أصبح العمدة في المذهب الشافعي للمتأخرين، وشرحه الكثيرون، من أبرزهم العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه: «تحفة المحتاج في شرح المنهاج» وبعده العلامة شمس الدين الرملي في كتابه «نهاية المحتاج شرح المنهاج».
وهؤلاء جميعًا ذكروا: أنَّ فرض الكفاية في الجهاد يتحقَّق بامتلاك قوة عسكرية ترهب الأعداء، بحيث يوجد في الثغور الَّتي على حدود بلاد الأعداء: قوات حربية ملائمة، معها أسلحة مكافئة لسلاح الأعداء، مدربة على استخدامها، قادرة على ردعهم لو فكروا في غزو المسلمين. فهذا «الوجود العسكري» القوي المرهوب يكفي لإثبات وجود القوة الإسلاميَّة، ويغني عن إرسال مسلحين في كل عام لمناوشة الكفار، والدخول إلى أراضيهم. وهذا ما وضحته أيضًا بحمد الله في كتابي «فقه الجهاد».
جواب السؤال الرابع:
مهمة العقل من الشرع:
أؤكد للأخ السائل: أنَّ المعتزلة والشيعة الإمامية، والزيدية والإباضية، شأنهم شأن أهل السُّنَّة جميعًا، أشاعرة وماتريدية وحنبلية وغيرهم؛ كلهم يؤكدون أنَّ الحاكمية العليا لله عز وجل، فمن حقه وحده أن يشرع لعباده، وأن يحلل لهم، ويحرم عليهم. بحكم ربوبيته لهم، وخالقيته سبحانه.
ومهمة العقل هنا: أن يفهم عن الله تعالى خطابه، ويحسن فقه أمره ونهيه، بربط الفروع بأصولها، والظواهر بمقاصدها، وهذا فيما فيه نص ثابت عن الله ورسوله.
وأما ما لا نص فيه، فيستطيع أن يملأه بالقياس على المنصوص؛ إذا وجدت العلة المشتركة، وتوافرت الشروط، أو بالعمل بالاستحسان، أو بالاستصلاح أو بمراعاة العرف، أو المقاصد العامة، والقواعد الكلية للشريعة.
وليس من شأن العقل أن يتطاول إلى ما ليس من اختصاصه، فيسقط ما فرض الله، أو يحرِّم ما أحل الله، أو يحل ما حرَّم الله، أو يشرع في الدين ما لم يأذن به الله.
وقد رأينا الغربيين حين أطلقوا العنان لعقولهم ـ بغير هدى من الله ـ كيف استحلوا الموبقات، واستباحوا كبائر الإثم والفواحش، الَّتي حرمتها كل رسالات السماء، واستنكرتها كل أخلاقيات الأرض.
ومن فضل الله علينا ـ نحن المسلمين ـ أنه لم يجعل الدِّين قيدًا يعوقنا، بل منارة تهدينا، فليس هناك في الإسلام دكتاتورية دينية أو كهنوتية، تحجر على النَّاس أن يفكروا ويبحثوا، ويبدعوا ويتطوروا.
ولقد رأينا الَّذين تبنوا العِلمانية في تركيا، يبررون توجههم بمذكرة كتبوها في هذا الصدد.
أَنَّها تتركز حول محور أساسي هو أن القوانين الشرعيَّة أساسها الدين، والدين ثابت لا يتغير، وعدم التغيير فيه ضرورة من ضروراته. وليس الأمر كذلك بالنسبة للحياة، فهي معرضة لتحولات مستمرة، ولهذا يجب أن يبقى الدين «وجدانيًّا» أي علاقة بين ضمير الإنسان وربه، ولا صلة له بالحياة والمجتمع والدولة، وأن تكون نظم الحياة مستلهمة من مقتضياتها في التحول والتطور؛ وليست قائمة على أسس دينية جامدة تحول دون ترقي الأمَّة وتطورها، وتمشيها مع مقتضيات المدنية الحاضرة.
فهل هذا التعليل أو التبرير أو التفسير صحيح من وجهة نظر العقل والعلم المحض؟
نستطيع أن نقول: لا، بملء أفواهنا، ومنطق العقل والعلم والتاريخ والواقع يؤيدنا.
لقد افترض التقرير أن أحكام الدين كلها ثابتة، لا مجال فيها لتغير أو تطور بحال من الأحوال.
كما افترض أن الحياة كلها متغيرة متحولة، لا مجال فيها للثبات بوجه من الوجوه. والحق أن كلا الافتراضين مردود.
الثابت والمتغير من أحكام الدين:
ونقتصر هنا على مناقشة الأمر الأول: فليس صحيحًا أنَّ كل أحكام الدِّين ثابتة دائمة وغير قابلة لدخول الاجتهاد فيها، وطروء التغير عليها.
فمن أحكام الدين ما يتعلَّق بالعقائد الَّتي تحدد نظرة الدين إلى المبدأ والمصير، إلى الله والكون والحياة والإنسان، أو ما يسميه علماء العقائد عندنا: الإلهيات والنبوات والسمعيات، وهذه حقائق ثابتة لا تتغير.
ومنها: ما يتعلَّق بشعائر العبادات الرئيسية الَّتي تحدد صلة الإنسان العمليَّة بربه. وهي الَّتي تعتبر أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وهذه في أسسها العامَّة ثابتة، وإن كان الاجتهاد يدخل عليها في كثير من التفاصيل.
ومنها: ما يتعلَّق بالقِيَم الخُلُقية، ترغيبًا في الفضائل، وترهيبًا من الرذائل، وهذه تتميَّز بالثبات أيضًا في مجموعها.
وهذه الثلاثة لا يحتاج النَّاس إلى تغيرها، بل إلى ثباتها واستقرارها، لتستقر معها الحياة، وتطمئن العقول والقلوب.
بقي أمر نظم الحياة المختلفة، مثل نظام الأسرة والمواريث ونحوها، ونظام المعاملات والمبادلات المالية، ونظام الجرائم والعقوبات، والأنظمة الدستورية والإدارية والدولية ونحوها، وهي الَّتي يُفصِّل أحكامها الفقه الإسلامي بمختلف مدارسه ومذاهبه.
وهذه ذات مستويين:
مستوى يمثل الثبات والدوام، وهو ما يتعلق بالأسس والمبادئ والأحكام الَّتي لها صفة العموم، وهو ما جاءت به النصوص القطعية الثبوت، القطعية الدلالة. الَّتي لا تختلف فيها الأفهام، ولا تتعدد الاجتهادات، ولا يؤثر فيها تغير الزمان والمكان والحال.
ومستوى يمثل المرونة والتغير، وهو ما يتعلق بتفصيل الأحكام في شؤون الحياة المختلفة، وخصوصًا ما يتصل بالكيفيات والإجراءات ونحوها، وهذه قلَّما تأتي فيها نصوص قطعية، بل إمَّا أن يكون فيها نصوص محتملة، أو تكون متروكة للاجتهاد، رحمة من الله تعالى، غير نسيان، وقد عرضتُ لهذه القضية في بحث لي عن «الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد»(14)، يحسن بي أن أنقل منه هذه الفقرات:
«من النَّاس من يرتاب أو يتوجس خيفة من المناداة بالرجوع إلى الفقه الإسلامي واتخاذه أساسًا تشريعيًّا وقضائيًّا.
ومصدر هذا الارتياب والتوجُّس هو: الأساس الربانيُّ، والصفة الدينيَّة للفقه الإسلاميِّ، فمن المتَّفق عليه أنَّ المصدرين الأساسيين لهذا الفقه هما: كتاب الله وسُنَّة رسول الله .
وهذا يقتضي ـ في نظرهم ـ أن يتسم هذا الفقه بالثبات أو الجمود، وأن تقف العقول البشرية أمامه وقفة التسليم والاتباع، لا وقفة الابتكار والإبداع؛ إذ لا مكان للعقل أمام الوحي، ولا مجال للاجتهاد في مورد النص، وهذا ما يجعل أسباب المرونة وقابلية التطور معدومة أو ضعيفة داخل هذا الفقه.
مجال الثبات والتطور في الفقه:
والعارفون يعلمون تمام العلم أنَّ من يقول هذا الكلام لا علم له بالفقه الإسلامي وخصائصه ومميزاته، الَّتي هي ثمرة لخصائص الإسلام نفسه، فإنَّ من أبرز هذه الخصائص: أنه يجمع بين الثبات والمرونة معًا في تناسق محكم، وتوازن فريد. فلم يمل مع القائلين بالثبات المطلق في كل شيء، فلم يسمحوا بأي قدر من المرونة والتطور، كذلك لم يمل مع الغلاة من «التطوريين» الَّذين لم يجعلوا لقيمة ولا لمبدأ، ولا لشيء ما ثباتًا أو خلودًا، بل كان وسطًا عدلًا بين هؤلاء وهؤلاء(15).
فالأصول الكلية ثابتة خالدة، شأنها شأن القوانين الكونيَّة، الَّتي تمسك السماء والأرض أن تزولا، أو تضطربا، أو تصطدم أجرامهما.
والفروع الجزئية مرنة متغيِّرة، فيها قابلية التطور، شأن ما في الكون والحياة من متغيرات جزئية، لازمة لحركة الإنسان وحركة الحياة.
وهكذا كان في الفقه الإسلامي منطقة مغلقة لا يدخلها التغيير أو التطوير، وهي منطقة «الأحكام القطعيَّة» وهذه هي الَّتي تحفظ على الأمَّة وحدتها الفكرية والسلوكية.
ومنطقة مفتوحة هي منطقة «الأحكام الظنيَّة» ثبوتًا أو دلالة، وهي معظم أحكام الفقه، وهي مجال الاجتهاد، ومعترك الأفهام، ومنها ينطلق الفقه إلى الحركة والتطور والتجديد.
أسباب المرونة في الشريعة الإسلاميَّة:
وقد كتبتُ بحثًا مستقلًّا عن خصيصة المرونة أو قابلية التطور في الشريعة الإسلاميَّة(16)، وحسبي هنا أن أشير إلى عناوينه أو خطوطه البارزة.
أولًا: أنَّ الشارع الحكيم لم ينص على كل شيء، بل ترك منطقة واسعة خالية من أي نص ملزم، وقد تركها قصدًا للتوسعة والتيسير والرحمة بالخلق، وهي الَّتي سمَّيناها «منطقة العفو» اقتباسًا من الحديث: «ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفْو، فاقبلوا من الله عافيته، فإنَّ الله لم يكنْ لينسى شيئًا»(17)، ثمَّ تلا:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّۭا[مريم: 64].
وأشار إليها الحديث الآخر: «وترك أشياءَ رحمةً بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها»(18).
ثانيًا: أنَّ معظم النصوص جاءت بمبادئ عامة، وأحكام كلية، ولم تتعرَّض للتفصيلات والجزئيات إلَّا فيما لا يتغيَّر كثيرًا بتغيُّر المكان والزمان، مثل شؤون العبادات وشؤون الزواج والطلاق والميراث ونحوه. وفيما عداها اكتفت الشريعة بالتعميم والإجمال، مثل:﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ[النساء: 58]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ[الشورى: 38]، «لا ضرر ولا ضرار»(19).
ثالثًا: أنَّ النصوص الَّتي جاءت في أحكام جزئية قد صيغت صياغة معجزة. بحيث تتسع لتعدد الأفهام والتفسيرات، ما بين متشدد ومترخص، وما بين آخذ بحرفية النص، وآخذ بروحه وفحواه، وقلَّما يوجد نص لم يختلف أهل العلم في تحديد دلالته وما يُستنبط منه، وهذا راجع إلى طبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة التكليف.
رابعًا: أنَّ ملء منطقة الفراغ التشريعي أو العفو؛ يمكن أن يتم بوسائل متعددة يختلف المجتهدون في اعتمادها وتقدير مدى الأخذ بها، ما بين مضيِّق وموسِّع، فهنا يأتي دور القياس والاستحسان، أو الاستصلاح ومراعاة العُرف أو غيرها، من أدلة ما لا نصَّ فيه.
خامسًا: تقرير مبدأ تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف، وهو مبدأ تقرر منذ عهد الصحابة، الَّذين كانوا أكثر النَّاس رعاية له، وبخاصة عمر، في موقفه من المؤلفة قلوبهم، ومن قسمة الأرض المفتوحة، ومن طلاق الثلاث وغيرها.
بل بدأ تقرير هذا المبدأ حقيقة منذ عهد النَّبيّ كما في منع ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث؛ لطروء بعض الوافدين على المدينة في أحد الأعياد، وإباحته بعد ذلك في الظروف العادية(20)، وما روي من ترخيصه لرجل في القُبْلة للصائم، ومنعه آخر منها(21)، حيث كان الأول شيخًا، والثاني شابًّا.
سادسًا: تقرير مبدأ رعاية الضرورات والأعذار، والظروف الاستثنائية، بإسقاط الحكم أو تخفيفه، تسهيلًا على البشر، ومراعاة لضعفهم، أمام الضرورات القاهرة، والظروف الضاغطة، ولهذا قرر الفقهاء أن الضرورات تبيح المحظورات، وأنَّ الحاجة تنزل منزلة الضرورة، مع قيد أنَّ «ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدره»(22).
بقي ما قاله الأخ السائل من الحُكم بالردة، وضرب رقاب المرتدين الَّذين قد يبلغون الملايين، إلى آخر ما قال.
وأقول له: إنَّ الإسلام قد حكم بلادًا شتَّى قرونا طويلة، وكانت كلمته هي العليا، وكان القضاء كله لا يحكم إلَّا بالشريعة، فلم نسمع أن ملايين، ولا ألوفًا، بل ولا مئات، بل ولا عشرات حُكم عليهم بالرِّدَّة، وضربت أعناقهم.
بل الردة في دار الإسلام أمر نادر، وقلما يوجد من يرتد عن هذا الدين بعد أن تخالط بشاشته القلوب.
وأمر الردة فيه كلام كثير، في ثبوت جريمة الردة، وفي الحكم الَّذي يستحقه المرتد، وقد حقَّقنا في ذلك في رسالة لنا «جريمة الردَّة وعقوبة المرتدِّ» ورجحت قول النخعي والثوري: أنَّ المرتد لا يُقتل، بل يستتاب أبدًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب 3 . كما أنَّ ترك الصَّلاة وغيرها من الفرائض ـ إذا لم يكن عن إنكار أو استخفاف ـ لا يعد من الردة عند جمهور علماء الأمَّة.
وهناك أمر آخر مهم، أود أن أنبِّه عليه السائل، وهو أنَّنا لسنا ملزمين أن تكون فلسفتنا في الحياة مثل فلسفة الغرب، ومنهجنا مثل منهجهم، فلهم دينهم ولنا ديننا، ونحن سادة أنفسنا، بل نحن نعتبر أنفسنا أساتذة العالم، وموجهي الأمم:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا[البقرة: 143].
فإذا كان الغرب يبيح الزِّنَى والشذوذ الجنسي، ويبارك زواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وإذا كان يشفق على المجرم أكثر ممَّا يشفق على الضحية، ويرى القصاص من القاتل المتعمد قسوة لا تليق، ولا يبالي بعائلة المقتول الَّتي تمتلئ قلوبها حنقًا وغيظًا، فلسنا مطالبين أن نكون أذيالًا للغرب، نمشي وراءه شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع.
بل نحن نرى الغرب مريضًا وعندنا دواؤه، وضالًّا وفي أيدينا هداه. فكيف ننزل من قممنا إلى حضيضه، وندع ما عندنا من الحق، لا لشيء إلَّا لنرضيه ونسير في ركابه؟!
وبهذا نعلم أن الله قد وضع في صلب شريعته من الأسباب ما يكفل لها الخلود والصلاحية لكل زمان ومكان.
واستبعاد السائل أن يصلح حكم جاء من ألف وأربعمائة عام لهذا العصر ليس مسلَّمًا، فهذا إنَّما يقبل في الأحكام الجزئية التفصيلية الجامدة، الَّتي تقيد النَّاس في كل بيئة وفي كل زمن، وهذا لا يوجد في الإسلام؛ لأن هذا النوع من الأحكام طبيعته المرونة والقابلية للاجتهاد والتطور؛ لأنَّه من الأحكام الظنية الَّتي تختلف فيها وجهات النظر الاجتهادية، ولهذا اختلفت فيها المذاهب، وتعددت الأقوال والمشارب، وفي هذا متسع للاختيار والترجيح من الأقوال المختلفة. والأخذ منها ما يناسب الوقت والحال.
أمَّا ما يضع للنَّاسِ المبادئ والأسس والقيم، فهذا هو الَّذي من شأنه الثبات، ولا يتغير بتغير الزمان والمكان، وما جاء من قبل أربعة عشر قرنا تظل له أصالته وجدته، ولا يبلى كما تبلى الثياب، ولا يخرب كما تخرب المباني، قد يصيبه بعض التغير نتيجة سوء الفهم أو سوء التطبيق، فيحتاج إلى تجديد، وهنا نجد نصوص الدين نفسه تعلمنا شرعية التجديد: «إنَّ الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمَّة من يُجدِّد لها دينها»(23).
إنَّ مُضي القرون وتطاول الأزمان: لا يغيِّر الحقائق، ولا يهدم القيم العليا، ولا يجعل الباطل حقًّا، ولا الحق باطلًا، ولا الخير شرًّا، ولا الشرَّ خيرًا.
وإنَّنا لنقرأ لفلاسفة كبار مرَّ على وجودهم أكثر من ألفي سنة، ونقتبس كثيرًا من أفكارهم؛ لأنَّ مضي الزمن لا يميتها.
ودعوى أنَّ هذه القوانين غير المتغيِّرة جعلت البلاد الإسلاميَّة تعيش عيشة بدوية، عارية من الحضارة والتقدم دعوى باطلة من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ البلاد الإسلاميَّة ـ إلَّا ما ندر ـ لا تحتكم إلى قوانين الإسلام، ولا تجعل الشريعة أساسًا لها، بل كلُّها ـ أو جلُّها ـ تعمل وَفْق قوانين وضعية استوردتها من الغرب، فلا يحمل الإسلام وزر تخلفها.
الوجه الثاني: أنَّ المسلمين يوم تمسكوا بقوانين شريعتهم، ولم يكن يحكم قضاتهم إلَّا بها، ولم يكن تسير حياتهم إلَّا في ضوء هداها: ملكوا زمام الحضارة، وكانوا على رأس القافلة البشرية، وظلوا معلمي العالم ـ شرقه وغربه ـ ثمانية قرون. كانوا هم العالم الأول والأمَّة الأولى، كما يشهد بذلك مؤرخو الحضارات، ومؤرخو العلم.
بل كان الإسلام هو الدافع الأول لإنشاء هذه الحضارة، الَّتي تميزت بالربانية والإنسانية، والأخلاقية والعالمية.
والحمد لله رب العالمين.
← العودة لقسم 6- قضايا عقدية