2026-06-05
939
المنامات المزعجة
أنا فتاة في التاسعة عشرة من عمري، وأعاني من مشكلة سببت لي أزمة في حياتي، فأنا أرى دائمًا في المنام أنِّي أقص شعري، وأن شعري يتساقط بصورة هائلة بلا سبب، بمجرد لمسه يقع، وعندما سألتُ عن تفسير هذا الحُلم، أُخْبِرْتُ بأن هذا إنذار بحدوث حادث سيئ في حياتي ينتظرني في المستقبل، وهو ما جعل حياتي خوفًا وقلقًا واضطرابًا، ممَّا جعلني أنتظر حدوث أي مشكلة أو أي بلوى في أي لحظة، إضافة إلى ذلك كله أنِّي أصبحت أخاف أن أنام خشية أن أرى هذه الرؤيا المزعجة.
ابنتكم
(ل. م. م)
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أقول للأخت السائلة: لا داعي لهذا القلق، فالأحلام والرؤى وما يراه المرء في منامه رموز لا يُعرف تأويلها وتعبيرها بشكل يقيني، وإنَّما التعبير ظن واجتهاد من المعبِّر، قد يحتمل ما قاله وقد يحتمل غيره، فمفسر الأحلام أو المعبر يجتهد ليعبِّر هذا الرمز، ويجتهد، مثلا: قصَّ الشعر هو من أركان الحج والعمرة، كما قال الله: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ﴾ [البقرة: 196]. وكما قال لرسوله وصحابته: ﴿لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]. فالمعبِّر يحاول ويجتهد أن يستجلي المعنى الرمزي، ويعبره من قبيل الظنِّ والتخمين، فليس لتعبير الرؤى أُسس يقينيَّة.
فالذين فسَّروا للأخت إنَّما هو اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، وسيدنا يوسف 0 : على الرغم من أنَّ الله علمه من تأويل الأحاديث، لمَّا فسر للذَيْن كانا معه في السجن، أن أحدهما سيصلب وتأكل الطير من رأسه، وأن الآخر سينجو، أي: ستثبت براءته ويخرج من السجن، وسيعود إلى عمله كما كان يفعل في الماضي، يسقي ربه «سيده» الملك الخمر، قال: ﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾[يوسف: 41]. قال القرآن بعد ذلك:﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾[يوسف: 42]. لأن تأويل الأحلام ليس فيه يقين، رغم أن المفسر هذا يوسف الصديق، الَّذي علمه الله تأويل الأحاديث: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾[يوسف: 21]. فتأويل الأحلام يعتبر نوعًا من الظن والتخمين، وليس على سبيل القطع واليقين، هو يقول بالغالب على ظنه، فما بالنا بغير يوسف؟
الرُّؤى أنواع ثلاثة حسب المصادر والمنابع:
والرؤى أنواع ثلاثة: هناك رؤيا منبعها منبع نفساني، حديث نفس، كما يقولون في المثل: «الجوعان يحلم بسُوق العَيْش» (الخبز).
وهناك رؤيا منبعها منبع رحماني، وهي الرؤيا الصادقة، الرؤيا الَّتي يراها الإنسان أو تُرى له، وتتحقَّق هذه الرؤيا.
وهناك رؤيا منبعها منبع شيطاني، الَّتي تريد أن تحزن الإنسان المسلم، وتجلب عليه القلق والخوف والإزعاج. فعن جابر: أن أعرابيا جاء رسول الله ﷺ ، فقال: إنِّي حلمت أن رأسي قطع فأنا أتبعه. فزجره النَّبيّ ﷺ وقال: «لا تخبر بتلعُّبِ الشيطان بك في المنام»(1).
وقال رسول الله ﷺ : «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوَّة. والرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا ممَّا يُحدِّث المرء نفسَه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقمْ فليصلِّ، ولا يحدِّث بها الناس»(2).
فعلى المسلم إذا رأى رؤيا يخاف منها ألَّا يحدِّث أحدًا بما رأى، وفي حديث آخر: «الرؤيا الصالحة من الله، والحُلُم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حُلْمًا يخافه، فليبصق عن يساره، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، فإنَّها لا تضرُّه»(3). هذه هي السُّنة في مثل ما رأت الأخت.
ونحن لا نعرف هذه الرؤيا من أي هذه الأنواع الثلاثة هي، ليس عندنا يقين من أي نوع من هذه الرؤى، هل هي حلم من الشيطان؟ أو حديث نفس؟ أو رؤيا صادقة من الرحمن؟ الله أعلم.
أنا أنصح الأخت أن تضرب بتفسير المفسرين هذا عُرض الحائط، وتترك الأمر لله، وتسلم أمرها له سبحانه، ولا تعش في خوف وقلق وانتظار للمصائب، فانتظار البلاء بلاء فوق البلاء.
لا تخلو الحياة من الابتلاء:
والحياة لا تخلو من بلاء ومصائب، فلستِ وحدَكِ المعرَّضة للمصائب؟! كلنا معرضون للمصائب، ومن ذا الَّذي يخلو من البلوى؟ وإذا افترضنا أنه سيصيبك بلاء، فهل يمكن أن تخلو حياة الإنسان من الابتلاء؟ مستحيل أن تخلو حياة الإنسان من الابتلاء، الشاعر يقول عن الدنيا:
جُبِلَتْ على كدر وأنت تريدها
صفْوًا من الآلام والأكدار
ومكلِّفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها
متطلِّبٌ في الماء جذوةَ نارِ(4)
هذه طبيعة الدنيا، الإنسان فيها معرض إمَّا لمصيبة نازلة، أو لنعمة زائلة، أو لمنيَّة قاتلة، هكذا قال السلف رضوان الله عليهم. وقالوا: الحياة بالبلاء معروفة، وبالغدر موصوفة. فلماذا نخاف من الابتلاء؟ الله تعالى يقول:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾[البقرة: 155 ـ 157].
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾، بهذا القسم وهذا التوكيد، يقولون في اللغة العربية: اللام للقسم، والنون للتوكيد، ربنا يقسم، ومن غير أن يقسم قول الله حق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا﴾ [النساء: 87]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا﴾ [النساء: 122]. ولكن أقسم أنَّه لا بدَّ أن يصيبنا شيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولكن البشرى للصابرين، ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156 ـ 157].
فلماذا تنزعج الأخت هذا الانزعاج، والأصل في الدنيا أن كل النَّاس مبتلَوْن، فالدنيا لا تخلو من البلاء، سئل سيدنا علي: صف لي الدنيا يا أمير المؤمنين. فقال: ماذا أصف لك من دارٍ أوَّلها بكاء، وأوسطها عَناء، وآخرها فناء(5)؟!
عندما ينزل الجنين من بطن أمه يبكي، فأولها بكاء، وأوسطها عناء، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِى كَبَدٍ﴾[البلد: 4]. أي: في مشقة. منذ أن يولد في مكابدة للحياة وآلامها. وآخرها فناء، كما قال الله:﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ ٢٦ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾[الرحمن: 26 ـ 27].
فهذه هي طبيعة الدنيا، فأنصح الأخت الكريمة ألَّا تنزعج هذا الانزعاج، ولو فرض أن التعبير الَّذي عُبِّر لها صحيح: فما على الأخت إلَّا أن تستسلم لقضاء الله وقدره، وتكون صابرة ومحتسبة، وعندما ينزل بلاء تلقاه بصبر جميل، وبالرضا والتسليم، وتقول كما علمنا القرآن:﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾[البقرة: 156].
وكم في المحن من منح، والله تعالى يقول:﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًۭا﴾[الشرح: 5 ـ 6].
1. رواه مسلم (2268)، وأحمد (14383).
2. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في التعبير (7017)، ومسلم في الرؤيا (2263)، عن أبي هريرة.
3. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (3292)، ومسلم في الرؤيا (2261)، عن أبي قتادة.
4. من شعر أبي الحسن التهامي، يرثي ولده. انظر: خزانة الأدب وغاية الأرب (1/35)، نشر دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2004م، وانظر: ديوانه صـ308، تحقيق د. محمد بن عبد الرحمن الربيع، نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط1، 1982م.
5. رواه القالي في الأمالي في لغة العرب (2/120)، نشر دار الكتب المصرية، ط 2، 1344هـ ـ 1926م.