المقالات

❓ التخوّف من الرياء

📅 2026-06-05 👁 947 مشاهدة

نص السؤال:

لدي مشكلة، وهي أنِّي أحس دائمًا أن أغلب أعمالي رياء، وأتمنى أن أخلص فيها، وأن أؤديها على أكمل وجه يتقبله الله تعالى ويرضاه، فما قولكم في هذا الشعور؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا شعور طيب، خوف الإنسان أن يكون عمله فيه رياء، أو خالطه الرياء، ينبغي أن يكون هذا هو حال المسلم، ينبغي أن يفتش عن دخائل نفسه، ماذا يريد بهذا الأمر؛ لأنَّ كثيرًا من الأشياء يفعلها الإنسان ويظن أنه تعبد بها لله، والحقيقة أنه أراد بها شهوة نفسه، حقَّق ذاته هو، مثل الثلاثة الَّذين ذكرهم الحديث الصحيح عند الإمام مسلم وغيره: «إنَّ أوَّل النَّاس يقضى يوم القيامة عليه: رجلٌ استشهد، فأُتِي به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتَّى استشهدت. قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتلتَ لأنْ يقالَ: جريء. فقد قيل. ثمَّ أمر به فسُحب على وجهه حتَّى ألقي في النَّار.
ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأتي به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمْتُ العِلْمَ، وعلَّمْتُه، وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلَّمْتَ العِلْمَ ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ. فقد قيل. ثمَّ أمر به فسُحب على وجهه حتَّى أُلقي في النَّار.
ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تُحِبُّ أن يُنْفَقَ فيها إلَّا أنفقت فيها لك. قال: كذبت. ولكنَّك فعلتَ ليقال: هو جواد. فقد قيل. ثمَّ أمر به فسُحب على وجهه، ثمَّ أُلْقِيَ في النَّار»(1).
هؤلاء ما عملوا شيئًا لله، إنَّما عملوه لدنياهم، الله تعالى يقول: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ[هود: 15 ـ 16]. فتحرير النيَّة وتجريدها لله هذا أمر في غاية الأهمية، كما قال الله تعالى لرسوله :﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥ[الأنعام: 162 ـ 163].
تجريد النيَّة لله:
فلا بدَّ للإنسان أن يحرِّر نيته وإرادته وعمله، حتَّى يكون كله لله 4 ، لا شريك له، لا يدخل فيه شرك، ولذلك سيدنا أبو موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله ذات يوم فقال: «أيها النَّاس، اتقوا هذا الشرْك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسولَ الله؟ قال: قولوا: «اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم»(2).
الرياء: هو الشِّرك الخفيُّ، هو أخفى من دبيب النمل على الصفا، على الصخرة الملساء، لا يُرى ولا يُحس ولا يُسمع، يتسلل إلى نفس الإنسان من حيث لا يدري، فيحبط العمل، يقول النَّبيُّ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عَمَلٍ عَمِلَه لله أحدًا، فليطلبْ ثوابه من عند غير الله ، فإنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك»(3). ويقول: «يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشِرْكه»(4). فعلى الإنسان أن يحرِّر نيته لله.
كان بعض السلف يخشى على نفسه الشرك ويقول: طوبى لمن صحَّت له خطوة لا يريد بها إلَّا وجه الله.
وكلَّما كان الإنسان على صفاء مع الله، ومعرفة بعيوب النفس ومداخل الشيطان إليها: يخاف على أعماله أن يكون قد دخلها الرياء وهو لا يدري، بعض السلف مرض، فزاره بعض أصحابه، فوجدوه يبكى بكاء شديدًا، فقالوا له: ما يبكيك يا فلان، لقد عملتَ من الصالحات كذا وكذا؟ فقال لهم: وما يدريني أن شيئًا من ذلك قد قُبل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
فالقبول لا يكون إلَّا من أهل التقوى، فتوجُّس الأخت من الرياء هو توجُّس صحيح، ولكن لا ينبغي أن يصبح مرضًا، الإنسان يخاف من الرياء، ولكن مع ذلك يفتِّش عن مكنونات نفسه، ويحاول أن يطهرها من الرياء، يحاول، ويدعو الله أن يرزقه الإخلاص، وأن يبعد عنه الرياء.
بقدر الإمكان نجد الأعمال الَّتي ليست فرائض يحاول الإنسان أن يخفيها: «ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»(5). أمَّا الفرائض فيعلنها، يصلي الصَّلاة المكتوبة، في جماعة ويراه النَّاس. يزكي، فيدفع زكاته للإمام أو لجمعية خيرية، لا بدَّ أن يُعرف أنه يزكي، حتَّى لا يسيء النَّاس به الظن، ولا يتهمونه أنه رجل فاسق لا يؤدي فرائض الله، وحتى يقتدي به الآخرون، ولا يقولوا: فلان هذا ما رأيناه يصلي، أو ما رأيناه يزكي، لا، الفرائض يعلَن بها، أمَّا النوافل فيحاول الإنسان أن يخفيها بقدر الإمكان، إلَّا إذا كان ينوي بإظهارها تعليم الآخرين، ليتعلموا منه ويقتدوا به، ونحو ذلك.
← العودة لقسم 6- قضايا عقدية