المقالات

الأسئلة الخالدة


📁 مقالات📅 2025-09-22 23:13:25👁 0 مشاهدة

د. يوسف القرضاوي

قبل أن يجيب الإنسان عن هذا السؤال، بل قبل أن يسأله، يلزمه أن يسأل نفسه سؤالين آخرين، لكي يتَّضح له الجواب، وتتبيَّن له الحقيقة كاملة مشرقة، لا يحجبها سحاب ولا ضباب:

السؤال الأول هو: مَن أنا؟ ومن أين جئتُ؟ وبعبارة أخرى: مَن أوجدني؟

السؤال الثاني هو: ما مصيري بعد أن وجدتُ؟ وإلى أين أذهب بعد الموت؟

ويعبِّر بعض المفكرين عن هذه الأسئلة بهذه الكلمات الموجزة: من أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟

هذه هي الأسئلة الثلاثة التي صاحبت الإنسان منذ فكَّر وتأمَّل، ولا زالت تصحبه وتلحُّ عليه، وتطلب الجواب الشافي لها. فبدون هذا الجواب لا تتحدَّد كينونة الإنسان، ولا موضعه في الفكر، إنها الأسئلة الخالدة التي حاولت كلُّ فلسفة في الشرق أو في الغرب أن تجيب عنها، بل لا تعدُّ فلسفة إذا أغفلت الجواب عنها.

من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ ومن أين جئت أنا الإنسان؟ ومَن جاء بي؟ وكذلك: من أين جاء هذا العالم الكبير من حولي؟

وإلى أين أسير وأرحل بعد أو أوجدت في هذا الكون؟ وإلى أين يسير هذا الكون أيضًا؟ وماذا بعد هذه الصفحات التي أطويها من كتابي الذي يسمى: «العمر»؟

ولماذا خُلقت في هذا العالم؟ وهل لي فيه من رسالة خاصة، ومهمة متميزة؟ وما هي هذه الرسالة، وتلك المهمة؟

من أين؟

أما السؤال الأول، فهو عقدة العقد عند الماديين الذين لا يؤمنون إلا بما تقع عليه الحواس.. إنهم يخنقون صوت الفطرة في صدورهم، ويتحدُّون منطق العقل في رؤوسهم، ويصرون - في عمى عجيب - على أن هذا الكون بما فيه ومَن فيه وجد وحده! وكلُّ ما فيه من إحكام وترتيب إنما هو صنع المصادفة العمياء!

أما الذين يستجيبون لنداء الفطرة فيقرُّون بأن لهم ولهذا الكون حولهم رَبًّا عظيمًا، تتجه قلوبهم إليه بالتعظيم والرجاء، والخشية والتوكل والاستعانة. هذا شيء يشعرون به في أعماقهم شعورًا أصيلًا، وهذا هو الدين الذي عبَّر عنه القرآن بقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم:30).

وقد يخفت هذا الصوت الفطري في النفس أو يكبته صاحبه عمدًا في ساعات الرخاء والدعة، فإذا نزلت بالإنسان أحداث مريرة، واهتزَّ عوده أمام الشدائد القاسية، وخاب أمله في الناس حوله، هُنالك ينطلق هذا الصوت متَّجهًا إلى ربِّه ضارعًا خاشعًا داعيًا راجيًا منيبًا إلى الله.

سأل رجل الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، عن «الله» فقال: ألم تركب البحر؟ قال: بلى. قال: فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة؟ قال: نعم. قال: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم. قال: فهل خطر في بالك وانقدح في نفسك أن هناك مَن يستطيع أن ينجيك إن شاء؟ قال: نعم. قال: فذلك هو «الله».

وعلى هذه الحقيقة تنبه آيات كثيرة في القرآن: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} (الزمر:8)، {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (لقمان:32)، {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} (الإسراء:67).

يقول الفيلسوف الفرنسي «برجسون»: لقد وُجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد قط جماعات بدون ديانة»

ويقول «أرنست رينان» في «تاريخ الأديان»: «إنه من الممكن أن يضمحل كلُّ شيء نحبُّه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجَّة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر الفكر الإنسان في المضايق الدنيئة في الحياة الأرضية».

وإذا كان منطق الفطرة يهدي إلى الله - والفطرة ليست وجدانًا خالصًا ولا عقلًا مَحْضًا، وإنما هي مزيج منهما - فإن العقل المحض يرى الإيمان بالله ضرورة لا محيص عنها، حتى يستطيع أن يفسر بها وجود الكون والحياة والإنسان، فإن العقل - بغير تعلُّم ولا اكتساب - يؤمن بقانون «السببية» إيمانه بكلِّ البدائه والأوليات، فلا يقبل فعلًا من غير فاعل، ولا صنعة من غير صانع.

وقانون السببية هو الذي عبَّر عنه الأعرابي بسذاجة وبساطة حين سألوه عن «الله»، فقال: البعرة تدلُّ على البعير، وخطُّ السير يدلُّ على المسير، فكيف بسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدلُّ ذلك على العلي الكبير؟!

يقول العالِم الطبيعي المعروف «إسحاق نيوتن»: «لا تشكُّوا في الخالق؛ فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قاعدة هذا الوجود!». وكلما ازداد اطلاع الإنسان على عجائب الكون، ومعرفته بما فيه من جمال وإحكام ولم يقف عند القشور، ازداد إيمانًا بوجود الخالق وحكمته وعظمته وكمال صفاته. وفي هذا ينقل لنا «سبنسر» عن «هرشل» قوله: كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حدَّ لقدرته ولا نهاية؛ فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده!

ويقول «سبنسر»: «إن العالِم الذي يرى قطرة الماء، فيعلم أنها تتركب من الأوكسجين والهيدروجين بنسبة خاصة، بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئًا آخر غير الماء؛ ليعتقد عظمة الخالق وقدرته، وحكمته، وعلمه الواسع، بأشد وأعظم وأقوى من غير العالِم الطبيعي الذي لا يرى فيها إلا أنها نقطة ماء فحسب! وكذلك العالم الذي يرى قطعة البَرد وما فيها من جمال الهندسة، ودقَّة التقسيم؛ لا شك أن يشعر بجمال الخالق، ودقيق حكمته، وأكبر من ذلك الذي لا يعلم عنها إلا أنها مطر تجمد من شدة البرد»!

تلك هي شهادة رجال رسخوا في علوم الكون، وغاصوا في أعماقها. وهي شهادات في جانب الإيمان، ولكن الشكَّ والإلحاد يأتيان من جانب الذين عرفوا قشورًا من العلم، أو درسوا قليلًا من الفلسفة، كما قال «بيكون» بحق.

إن الإيمان بالله ليس غريزة فطرية فحسب، بل هو ضرورة عقلية كذلك، وبدون هذا الإيمان سيظلُّ هذا السؤال الذي أثاره القرآن قلقًا حائرًا بغير جواب: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (الطور:35، 36).

وهم بداهة لم يُخلقوا من غير شيء، وطبعًا لم يخلقوا أنفسهم، ولم يدَّعِ أحد منهم ولا ممَّن قبلهم أو بعدهم أنه خالق السماوات والأرض! فمَن الخالق إذن؟!

وليس لهذا السؤال إلا جواب واحد، لا يملك الإنسان - إذا ترك ونفسه - إلا أن يجيب به، كما فعل المشركون أنفسهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} (الزخرف:9).

إلى أين المسير؟

أما السؤال الثاني: إلى أين؟ فإن الماديين يجيبون عنه جوابًا يهبط بالإنسان المكَرَّم إلى دَرَك الحيوانية الدنيا؛ إنهم يقولون ببساطة عن مصير الإنسان بعد رحلة الحياة الحافلة: إنه الفناء والعدم المطلق؛ أن تطويه الأرض في بطنها كما طوت ملايين الحيوانات الأخرى، وأن تعيد هذا الجسد - الذي هو الإنسان عندهم - إلى عناصره الأولى، فيعود ترابًا تذروه الرياح!

هذه هي قصة الحياة والإنسان عند هؤلاء: «أرحام تدفع، وأرض تبلع»! ولا خلود ولا جزاء. يستوي في ذلك مَن أحسن غاية الإحسان، ومَن أساء كلَّ الإساءة، يستوي في ذلك مَن عاش عمره للناس على حساب شهواته، ومَن عاش عمره لشهواته على حساب الناس، يستوي في ذلك مَن ضحَّى بحياته في سبيل الحقِّ، ومَن اعتدى على حيوات الآخرين في سبيل الباطل!

فعلام إذن تميَّز الإنسان على غيره من كائنات الأرض؟ ولماذا سُخِّر له كلُّ ما حوله؟ ولماذا مُنح من المواهب والقوى الروحية والعقلية ما لم يُمنح غَيرُه؟ وما سر هذا التطلع إلى الكمال والخلود يغمر جوانب نفسه، إذا كان مصيره التلاشي والعدم بعد أيام الحياة المعدودات؟!

أما المؤمنون فهم يعرفون إلى أين يسيرون؟ يعرفون أنهم لم يُخلقوا لهذه الدنيا؛ وإنما خُلقت هذه الدنيا لهم.

يعرفون أنهم خُلقوا لحياة الخلود ودار البقاء وهم في هذه الحياة إنما يُستصلحون ويُعَدون للدار الأخرى، ويتزوَّدون منها هنا ما ينفعهم هناك، ويترقَّون في مدارج الكمال الروحي والنفسي حتى يكونوا أهلًا لدخول تلك الدار الطيبة التي لا يدخلها إلا الطيبون، وهناك يقول لهم خزنتها: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر:73).

وإنه لعسير على العقل أن يؤمن بخالق عليم حكيم أحسن هذا الكون صنعًا وقدَّر كلَّ شيء فيه تقديرًا، ووضع كلَّ شيء فيه بميزان وحساب، ثم يؤمن بعد ذلك أن سوق هذه الحياة ستنفضُّ، وقد نهب فيها الناهب، وسرق السارق، وقتل القاتل، ولا تقتصُّ يد العدل الإلهي من هؤلاء المجرمين، ولا تنتصر للضعيف المظلوم الذي لم يكن له نصير غير الله، ولا ملجأ غير السماء، ولا تكافئ المحسن الذي كافأه الناس بالتنكُّر والاضطهاد! إن هذا لهو العبث الذي يتنزَّه خالق هذا الكون البديع عنه، وإنه لَلباطل الذي قامت السماوات والأرض بضده.

وما أروع القرآن وهو يوضِّح هذه الحقيقة الكبيرة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} (المؤمنون:115، 116)، {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة:36)، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّ‍آتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الجاثية:21، 22)..

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص:27، 28)، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} (الدخان:38 - 40). 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات 📅 2025-09-22 23:15:43👁 2,238 مشاهدة
آراء العملاء
أولوياتنا في هذه المرحلة لم الشمل ..وهناك أعداد من خيرة الشباب ومن خيرة الأساتذة ومن خيرة الكفاءات تنحوا جانبا الفترة الماضية
- قناة الحوار الفضائية

لو اعتبرتم شباب الإخوان "ثمار وورود" علي غير القيادة، فواجب الإنصاف يقتضي الشهادة بالفضل للفروع والسيقان والجذور التي تحملت الغرس في الطين، وسقت الأرض بالدماء وبذلت الأشلاء لتنبت شجرتهم الطبية هذا الشباب الطاهر، ابتغاء مرضات الله، من غير نظر إلى مغنم أو جاه أو تقدم أو تأخر

- صحيفة البلد

لن نعمل تحت الطاولة، لو حدثت مبادرة يمكنها التخفيف أو الإفراج عن المعتقلين سنعلن عنها . نعتبر العمل من أجل المعتقلين فريضة بعد الصلاة والصيام

- قناة الحوار الفضائية
فوجئت بعد أن توليت المسؤلية أن هناك )خلل( في المراسلات بين الداخل والخارج وبدأت في تصحيح الأمور بعد ما اكتشف أن الرسائل كانت تصل غير مكتملة أو مغلوطة
- قناة الحوار الفضائية