المقالات

هل يتلبس الجنّ بالإنسان؟


📁 نبضات المحبين📅 2025-09-22 23:06:42👁 0 مشاهدة

السؤال: ما قول فضيلتكم فيما هو شائع عند كثير من المسلمين: أن الجنّ يتلبس بالإنسان، أو كما يقول العوام: يركبه، ويدخل في جسده، ويتحكم فيه، وينطق على لسانه، وأن بعض النَّاس يذهبون إلى أناس يزعمون أن لهم قدرة على إخراج الجنّ من الجسد، وقد يكون ذلك بضرب الشخص على أنه ضرب للجن؛ حتَّى يخرجه من جسمه، ويحكون في ذلك حديثًا: أن امرأة شكت إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ما يصيب ابنها، فأخذه وقال له: اخرج عدو الله! فخرج الجنّ من جسد الولد.

كما يستدلون بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة:275]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص:41].

فهل هذا صحيح؟ وهل هذه النصوص واضحة الدلالة على ذلك؟

نرجو إيضاح هذه القضية الَّتي اختلف فيها النَّاس ما بين منكر لا يصدق شيئًا فيما يقال، وبين مسلِّم بكلِّ ما يُروى من الحكايات في هذا الشأن. وأن يكون بيانكم كالعادة مؤيَّدًا بأدلة الشَّرع والعقل. نفع الله بعلمكم المسلمين.

جواب فضيلة الشيخ:

الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه. (وبعد)

مشكلتنا دائمًا في مثل هذه القضايا هي: الوقوع بين طرفي الغلوِّ والتفريط. ففي قضية مثل الجنِّ وعلاقته بالإنسان، نجد فيها: من ينكر وجود الجنِّ بالمرَّة، متعسِّفين في تأوُّل ما جاء في القرآن عنهم من آيات بينات، وما وقع لهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، حتَّى نزلت صورة كاملة في ذلك تسمَّى «سورة الجنِّ».

ومع حديث القرآن المستفيض: أن الله تعالى سخرهم لنبيه سليمان عليه السلام.

وفي مقابل هؤلاء: نجد خرافيين حشوا أدمغتهم بأقاصيص و«حواديت» وتهاويل، تجعلك تتخيل أن الجنّ هم الَّذين يحكمون عالم الإنس، ويتصرفون فيهم، ويعبثون بهم.

الأولون ضحايا الثقافة المادية والعلمانية الَّتي لا تؤمن بعالم الغيب، وهي ثقافة مستوردة. والآخرون ضحايا ثقافة التخلف الإسلاميَّة، الَّتي تراجعت فيها حضارتنا، وانتقلت الأُمَّة من الاجتهاد إلى التقليد، ومن الإبداع إلى مجرد النقل، ومن الحركة إلى الجمود، ومن الابتكار إلى الاجترار.

ولا يزال يقوم على هذه الثقافة أناس ممَّن ينتسبون إلى العلم الديني، يعيشون خارج عصرهم، وقد حدَّثني بعضهم أنَّ خطيبًا في إحدى بلاد الخليج ألقى عشر خطب عن الجن! فانظر: كيف يشغل جماهير النَّاس بمثل هذا الأمر الَّذي لا يترتب عليه عمل، أو ترقى به الأمَّة، أو تحل بها مشكلاتها المتفاقمة في الاقتصاد والسياسة، والثقافة والاجتماع!

إنَّ الَّذي أومن به في هذه القضية: أن الجنّ نوع من خلق الله المكلَّفين بعبادته مثل الإنس، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].

وكلمة «الجن» تعني: الستر، أو الخلق المستور؛ لأنَّهم يرون الإنس، والإنس لا يرونهم. فهم مستورون عنهم، فهم جزء من «عالم الغيب» الَّذي نؤمن به، وإن لم نره.

وقد حدَّثنا القرآن عن الجنِّ، وبيَّن لنا أنَّ نبيَّنا محمدًا مرسل إليهم، كما هو مرسل إلى الإنس، فهم جزء من «العالمين» الَّذين أرسله الله رحمة لهم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. وأن الله صرفهم إليه ليستمعوا القرآن: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف:29-31].

وعاد القرآن يقص علينا قصتهم في سورة كاملة سُمِّيت «سورة الجنِّ»، وفيها قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن:1، 2].

وفي هذه السورة يبين الله لنا بعض أوصاف الجن، وصلتهم بالإنس، في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6].

كما بينت السورة: أن منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والعاصي، قال تعالى على لسان الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن:14، 15].

ولم أجد في القرآن الكريم ما يدلّ على أن الجني يسخر الإنسان ويركبه ويتحكم فيه كما يزعم بعض النَّاس.

وما استدلَّ به بعضهم من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة:275]، فلا دليل فيه على أن الجني يسخر الإنسي. حتَّى لو أخذنا النص على ظاهره، فإن المس لا يعني الركوب والتحكم، والدخول في الجسد والتصرف فيه.

واستدل آخرون بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص:41] والمس هنا لا يعني: الركوب والتسخير، بل المراد: أنه مسه بما وسوس إليه من إيحاءات وأوهام أن الله غاضب عليه، وأنه تعالى تخلى عنه، وسيدعك تعالى في مرضك وآلامك، إلخ. فهذا هو النصب والمعاناة الَّتي قصدها.

وفي نظري: أن هذه الدعوى على الإنسان أن الشيطان يؤذي الشخص أو الأشخاص ويمسهم بنصبه وعذابه، غير دعوى أن الشيطان أو الجنّ يركب الإنسان ويتحكم فيه ويسخره له، بل هذه الدعوى تنافي عدَّة حقائق قرآنية:

1- تكريم الله للإنسان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70].

2- استخلاف آدم وذريته في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30].

3- تسخير الله الكون علويه وسفليه لمنفعة الإنسان: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20].

4- تحرير النَّاس من سلطان الشيطان إلَّا من اتبع غوايته منهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر:42].

5- قوله على لسان الشيطان يوم القيامة: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم:22] فبين أن سلطانه على الغاوين الَّذين اتبعوه لم يكن إلَّا سلطان الوسوسة في صدورهم، وهو معنى قوله: {دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}.

وقد عرفنا من النصوص الشرعيَّة: أن الإنسان هو الَّذي سخر الجن، ولم يأتِ نص شرعي واحد صحيح صريح، يدلّ على أن الجني سخر الإنسان.

أجل، قرأنا في كتاب الله تسخير الجنّ لسليمان الَّذي سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد بعده، فاستجاب له، {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص:36-39].

وفي موضع آخر في حديث عن سليمان: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ:12-14].

فانظر كيف ظلوا يخدمون سليمان مدة من الزمن، وهو ميت، وهم لم يعلموا بموته، ممَّا يبين أن الجنّ كالإنس لا يعلمون الغيب، ولا يخترقون أسواره.

وعرفنا من قصة سليمان مع ملكة سبأ، الَّتي قصها الله علينا في سورة النمل: أن بعض الإنس - بما خصهم الله من مواهب وقدرات - أقوى من عفاريت الجن.

فقد قرأنا قول الله تعالى عن سليمان وملكة سبأ: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل:38-40].

فقد رأينا كيف عجز عفريت الجنّ أن يأتي بعرش الملكة من اليمن إلى الشام، قبل أن يقوم سليمان من مجلس الحكم، وذلك قد يستغرق عدَّة ساعات. ولكن هناك في مجلسه ممَّن عنده علم من الكتاب من قال له: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، أي في مثل لمح البصر، وهذا الَّذي فعل هذا لا بدَّ أن يكون من الإنس ما دام الآخر من الجن.

ولا يتصور أن يكون من الملائكة؛ لأن حديث سليمان مع «الملأ» الحضور في مجلسه، وهم كانوا من الإنس والجن، ولا دخل للملائكة في هذا؛ لأنَّ الله تعالى لم يسخر له الملائكة.

وقد قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17] ومعنى هذا: أن الإنسان بما أتاه الله من علم تفوق على الجنّ بما عنده من قدرة على الاختفاء والتشكُّل ونحو ذلك. وقد رأيت الإنسان في عصرنا قد استطاع بواسطة العلم: أن يسخر قوى الطبيعة لمصلحته، وأن يصنع العجائب الَّتي تكاد تشبه المعجزات. ولم نسمع أن الجنّ فعلوا شيئًا من ذلك.

وهكذا عرفنا من نصوص القرآن: أن الإنسان سخر الجن، وكذلك عرفنا من قراءة كتاب الواقع: أن من النَّاس من يسخر الجنّ لخدمتهم. وسمعنا من الوقائع والغرائب الَّتي شاهدها النَّاس بأعينهم ما لا يكاد يصدق. ولكنهم شهود عدول ثقات رأوا هذه العجائب رأي العين، وتكررت أمامهم مرات.

وقد قرأنا في الأحاديث النبويَّة أنَّ الجنَّ يأكلون من بقايا أكل بني آدم، فابن آدم يأكل اللحم، والجن يأكل العظم، وكذلك أرواث بهائم بني آدم، طعام لدواب الجن. فكيف يُمكِّن الله هذا النوع من التحكم في بني الإنسان، بحيث يركبونهم ويتصرفون فيهم، وينطقون على ألسنتهم.

وما ذكره بعضهم من أحاديث تدل على دخول الجنّ في جسم الإنسان، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخرجهم من بعض الأجساد، وقال له: «اخرج عدو الله»! وهو مروي في مسند أحمد، فهو حديث ضعيف الإسناد، كما حقَّق ذلك مخرّجو المسند. ومثل هذا الحديث الضعيف لا يثبت به مثل هذا الأمر الجلل.

وما اعتبره بعضهم من أنَّ مرض «الصرع» إنَّما هو من الشيطان، فهْمٌ غير مسلّم طبيا، فالأطباء يعتبرونه مرضًا طبيعيًّا من الأمراض المعتادة، ويضعون له من الأدوية ما يعالجه أو يخففه، ولا سيَّما في حالة حدوث «الصرعة» وما بعدها.

وهو غير مسلَّم دينيًّا أيضًا، فقد شكت امرأة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّها يصيبها الصرع، وسألته أن يدعو الله لها بأن يُذهب عنها هذا المرض بما له من مقام عند الله. فقال لها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: أو تصبرين، ولك الجنة؟ فقالت: أصبر ولي الجنة! ولكنِّي أتكشَّف (أي عند وقوع الصرع ينكشف بعض جسمها إذ لا تتحكم في نفسها) فادعُ اللهَ لي ألَّا أتكشَّف، فدعا الله لها ألَّا تتكشَّف.

ولو كان الصرع عدوانا من جني عليها، ما قبل صلى الله عليه وسلم: أن يظل الجني يظلمها ويعتدي عليها، وهو قادر على إبعاده ورفع الظلم عنها، بمجرد قوله: اخرج من المرأة المؤمنة يا عدو الله! فلما لم يفعل ذلك، فهمنا أنه مرض من جملة الأمراض الَّتي تصيب الإنسان، فأراد أن يترك لسنن الله المعتادة في الخلق، ولا يسأل الله تعالى أن يشفيها بخارقة من الخوارق، وعليها أن تصبر كما يصبر سائر المؤمنين والمؤمنات على أمراضهم وآلامهم، ويغنيها الله تعالى بالجنة جزاء على صبرها واحتسابها.

واستدل بعضهم بالحديث الصحيح: «إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». على أنَّه يدلُّ على تمكُّن الشيطان من الإنسان وتحكمه فيه. وهذا سوء فهم للحديث؛ لأن المقصود من الحديث ليس معناه: أن الشيطان يدخل في جسم الإنسان ويجري منه مجرى الدم، فما قال أحد هذا قط، ولا فهم هذا عالم قط من الحديث. وإلا كان جميع بني آدم مركوبين للشيطان، يتصرف فيهم كما يشاء. وكيف والله تعالى يقول للشيطان: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء:65]، وقال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء:76].

والرأي الَّذي أطمئن إليه في هذه القضية الخطيرة: أن هؤلاء الَّذين يدعون أن الجنّ قد ركبهم وتلبس بهم: مصابون بأمراض نفسية أو عصبية، مثل مرض: «ازدواج الشخصية»: أن يكون للمرء شخصيتان: شخصية ظاهرة يتعامل بها في حالاته العادية، وشخصية باطنية تتغير حالتها وصفتها وكلامها عن الشخصية الأخرى، وهي الَّتي تسيطر في بعض الأحيان على الشخص، وتخفي الشخصية الأخرى، وهي الَّتي تتكلَّم بصوت آخر، فإذا كانت امرأة تكلَّمت بصوت رجل، وإذا كان رجل تكلَّم بصوت امرأة، وادعى الرجل: أن هناك جنية تركبه؛ لأنَّها تحبه وتعشقه، كما تدعي المرأة: أن هناك جنيا يركبها؛ لأنَّه يحبها ويعشقها. والحقيقة لمن يتأمل ويتعمق أن لا جنّ هناك ولا جنيّة هناك. وإنَّما هو نفس الشخص في حالة أخرى.

وحبذا أن يتعاون أطباء النفس والأعصاب وعلماء الدين، في علاج هذه الأمراض بطريقة علميَّة وواقعية صحيحة، ولا يدعوا ذلك للغلاة والمدعين والمتلاعبين بعقول العوام وعواطفهم ونقاط ضعفهم؛ ليكسبوا من ذلك الثروة الحرام، ويأكلوا أموال النَّاس بالباطل.

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل. 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

نبضات المحبين 📅 2025-09-22 23:06:47👁 2,067 مشاهدة
آراء العملاء

لن نعمل تحت الطاولة، لو حدثت مبادرة يمكنها التخفيف أو الإفراج عن المعتقلين سنعلن عنها . نعتبر العمل من أجل المعتقلين فريضة بعد الصلاة والصيام

- قناة الحوار الفضائية
فوجئت بعد أن توليت المسؤلية أن هناك )خلل( في المراسلات بين الداخل والخارج وبدأت في تصحيح الأمور بعد ما اكتشف أن الرسائل كانت تصل غير مكتملة أو مغلوطة
- قناة الحوار الفضائية
أولوياتنا في هذه المرحلة لم الشمل ..وهناك أعداد من خيرة الشباب ومن خيرة الأساتذة ومن خيرة الكفاءات تنحوا جانبا الفترة الماضية
- قناة الحوار الفضائية

لو اعتبرتم شباب الإخوان "ثمار وورود" علي غير القيادة، فواجب الإنصاف يقتضي الشهادة بالفضل للفروع والسيقان والجذور التي تحملت الغرس في الطين، وسقت الأرض بالدماء وبذلت الأشلاء لتنبت شجرتهم الطبية هذا الشباب الطاهر، ابتغاء مرضات الله، من غير نظر إلى مغنم أو جاه أو تقدم أو تأخر

- صحيفة البلد