تفسير قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: «أيْ عمّ، قل: لا إله إلَّا الله. كلمة أحاجُّ لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّة: يا أبا طالب، ترغب عن ملَّة عبد المطلب. فلم يزالا يكلِّمانه، حتَّى قال آخر شيء كلَّمهم به: على ملَّة عبد المطلب. فقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرنَّ لك، ما لم أُنْهَ عنه». فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113]. ونزلت: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56](1). وفي بعض الروايات في صحيح مسلم: أنَّ أبا طالب قال: لولا أن تعيِّرني قريش! يقولون: إنَّما حمله على ذلك الجزع لأقررتُ بها عينَك(2)!
ورُوِيَ عن ابن عبَّاس في هذه الآية: كانوا يستغفرون لهم حتَّى نزلت هذه الآية، فلما أُنزِلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتَّى يموتوا(3).
والآية تنهى المؤمن عن الاستغفار لمن مات على الشرك والكفر، {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}، وإن كانوا أقرباءهم وأرحامهم وأقرب النَّاس إليهم، بل لو كانوا آباءهم أو أمهاتهم أو إخوانهم، {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} من بعد أن عرف أنَّهم من أهل النار، بأن مات مشركًا بعد أن بلغته الدعوة، وردها.
أما قول سيدنا إبراهيم عليه السّلام في دعائه الَّذي ذكره القرآن: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:86]، وقوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم:40، 41]. فإنَّما كان ذلك؛ لأنَّه وعد أباه أن يستغفر له، كما قال تعالى على لسانه: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:47، 48]. وقد بيَّن القرآن العلة الَّتي من أجلها استغفر لأبيه في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:114]. فاستغفار إبراهيم لأبيه كان للوعد الَّذي كان وعده إياه، وهذا يدلُّ على أن الوفاء بالوعد واجب، وليس- كما يقول بعض الفقهاء- مستحبًّا، ولما عرف أنه عدو لله تبرأ منه، وامتنع عن الاستغفار له.
ولذلك قال القرآن في سورة الممتحنة: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [الممتحنة:4]. لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين آمنوا معه إلَّا في هذه المسألة، مسألة الاستغفار؛ لأنَّه كان معذورًا في هذه الحالة، حينما وعد أباه أن يستغفر له، ثم لمَّا تبيَّن له أنه عدو لله تبرَّأ منه.
فهذا هو المقصود بهذه الآية الكريمة، وهذه الآية دليل على أن الرابطة الدينية فوق كلّ الروابط، فإبراهيم تبرَّأ من أبيه، لما علم أنه عدو لله عز وجل، ونوح عليه الصلاة والسلام قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود:45-46].
على حين قال الله: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} [الصافات:83]، أي: إن إبراهيم من شيعة نوح، وبين نوح وإبراهيم ما شاء الله من السّنين، بينما ابنه الَّذي من صلبه يقول الله عنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، فقد فرَّق بينهما الدين، فالرابطة الدينية فوق كلِّ الروابط.
وبالله التوفيق.
_____
(1) متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (3884)، ومسلم في الإيمان (24)، عن المسيب بن حزن.
(2) رواه مسلم في الإيمان (25)، وأحمد (9610)، عن أبي هريرة.
(3) رواه الطحاوي في مشكل الآثار (2483).