المقالات

❓ النَّسْخ في القرآن وآية السَّيف

📅 2026-06-02 👁 187 مشاهدة

نص السؤال:

ممَّا قرأناه وسمعناه ولا زلنا نقرؤه، كما لا زلنا نسمعه في الفضائيات، وفي خطب الخطباء، ومحاضرات الدعاة الإسلاميين: أنَّ هناك آية في القرآن الكريم تُسمَّى «آية السّيف» نسخت مائة وأربعين آيةً من كتاب الله، مثل قوله تعالى:﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ[النحل: 125]، ومثل قوله: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْرًۭا جَمِيلًا[المعارج: 5]، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ[النحل: 127]، ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ[البقرة: 190]، ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ[الأنفال: 61].
وقد قالوا: إنَّ هذه الآية هي قول الله تعالى في سورة التَّوبة:﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ[التوبة: 5].
نرجو من سماحتكم بيانًا شافيًا حول هذا الموضوع الَّذي التبس أمره على الكثيرين، وأصبح من أبنائنا من يعتقد أن الإسلام جاء ليشهر السّيف على العالم أجمع، كما ترى في الجماعات المعاصرة: (الجهاد، السَّلفية الجهادية، تنظيم القاعدة) وغيرها. ونرى آخرين صدَّقوا ذلك، واتَّهموا الإسلام بتبنِّي العنف في معاملة خصومه. وهذا ما يتبنَّاه الغرب عامَّة، وأمريكا خاصَّة، ويعتبرون الإرهاب العالميَّ إسلاميًّا.
وفَّقكم الله، وسدَّد قلمكم، وأيَّدكم بتوفيقه، لتنوير الأمة.
د. منير إبراهيم
من سوريا
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فشكر الله للأخ الكريم سؤاله المهم، ورغبته في معرفة الحقِّ من الأباطيل، ووعيه بما يجري في الأمة من تيارات تضربها أمواجًا من يمين وشمال.
وأبادر فأقول: إنَّ هذه القضية جزء من أمر كبير وخطير، أفردتُ له كتابًا خاصًّا، كبيرًا في حجمه، خطيرًا في موضوعه، سمَّيته «فقه الجهاد»، يقع في جزأين كبيرين. حاولت فيه أن أصحِّح المفاهيم، وأردَّ على الشبهات، وأناقش الأقوال والآراء من مختلف الاتجاهات، وأردَّ الأمور إلى جذورها من الكتاب والسُّنَّة.
وموضوع هذا السُّؤال هو أحد موضوعات الكتاب، ولذا سأجتهد أن أجيب عن السُّؤال ممَّا تضمَّنه الكتاب من بحوث، وخصوصًا ما قيل حول آية السَّيف وما نَسَخَت من آيات، بلغت في رأي بعضهم مائةً وأربعين آية، وفي رأي آخرين نحو مائتي آية.
وقد ناقشتُ قضية النَّسخ وما قيل فيه، ورجحَّتُ أنَّ النَّسخ واقع بين الشرائع بعضها وبعض، وواقع في داخل الشَّريعة الواحدة في نطاق محدود، مثل الأحكام الَّتي تتعلَّق بتطوُّر التشريع، كما في إمساك النساء في البيوت حتَّى يتوفاهنَّ الموت، إذا ارتكبن الفاحشة، وشهد عليهن شهودٌ أربعة، إلى أن يثبت الحدُّ.
ومثل الرخصة في الإفطار في أوَّل تشريع فرض الصيام، ويفدي عن إفطاره بإطعام مسكين، كما قال تعالى:﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ[البقرة: 184].
وما عدا ذلك فكلُّ آية في كتاب الله يجب العمل بها، ولا يُلغى مفعولها بدعوى النسخ، فإن النسخ ـ حتَّى عند مَن قالوا به ـ له شروط:
· أن تعارضها الآية أو النصُّ الآخر، فلا يمكن الجمع بينهما، وإلا فإن الجمع مقدَّم.
· أن يُعرف تاريخ كلٍّ من النصَّين، وأن الناسخ متأخِّر عن المنسوخ.
وقد قال الإمام أبو محمَّد بن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام): «لا يحلُّ لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقول في شيءٍ من القرآن والسُّنَّة: هذا منسوخٌ إلَّا بيقين؛ لأن الله 8 يقول: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 64]، وقال تعالى: ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 3]، فكلُّ ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيه: ففرض اتِّباعه، فمَن قال في شيء من ذلك: إنَّه منسوخ، فقد أوجب ألَّا يُطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتِّباعه. وهذه معصية لله تعالى مجرَّدة، وخلاف مكشوف، إلَّا أن يقوم برهان على صحَّة قوله، وإلا فهو مفترٍ مبطل. ومن استجاز خلاف ما قلنا: فقوله يؤول إلى إبطال الشَّريعة كلِّها؛ لأنَّه لا فرْق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما، وبين دعوى غيره النسخ في آية أخرى وحديث آخر، فعلى هذا لا يصحُّ شيء من القرآن والسُّنَّة، وهذا خروج عن الإسلام. وكل ما ثبت بيقين، فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز لنا أن نُسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله، إلَّا بيقينِ نسخٍ لا شكَّ فيه»(1).
وبعد الإمام ابن حزم، نجد الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن موسى الشَّاطبيّ يؤكِّد ما قاله ابن حزم برغم تفاوت ما بينهما في الاتجاه، فابن حزم «ظاهري» والشاطبي «مقاصدي». يقول الشَّاطبيّ في «موافقاته»: «إن الأحكام ـ إذا ثبتت على المكلَّف ـ فادِّعاء النسخ فيها لا يكون إلَّا بأمر محقَّق؛ لأن ثبوتها على المكلَّف أولًا محقَّق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلَّا بمعلوم محقَّق. ولذلك أجمع المحقِّقون على أن خبر الواحد: لا ينسخ القرآن ولا الخبرَ المتواتر؛ لأنَّه رفع للمقطوع به بالمظنون. فاقتضى هذا أن ما كان من الأحكام المكية يُدَّعى نسخه: لا ينبغي قَبول تلك الدعوى فيه إلَّا مع قاطع بالنسخ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، ولا دعوى الإحكام فيهما. وهكذا يقال في سائر الأحكام، مكيَّة كانت أو مدنيَّة».
وبعد أن يقرِّر أنَّ «غالب ما ادُّعي فيه النسخ إذا تُؤمل وُجد متنازَعًا فيه، ومحتمِلًا، وقريبًا من التأويل بالجمع بين الدليلَيْن، على وجه من كون الثاني تفصيلًا لمُجمَل، أو تخصيصًا لعموم»، إلخ.
وبعد أن يذكر أنَّ ابن العربي قد أسقط من الناسخ والمنسوخ كثيرًا بهذه الطريقة ـ نراه ينقل عن الطبري حكاية الإجماع عن أهل العلم على أنَّ زكاة الفطر فُرضت، ثم اختلافهم في نسخها، ليقول عقب هذا: «قال النحَّاس: فلما ثبتت بالإجماع، وبالأحاديث الصحاح عن النبيِّ ؛ لم يَجُز أن تزال إلَّا بالإجماع، أو حديث يُزيلها ويبيِّن نسخها. ولم يأت من ذلك شيء»(2).
هذا فيما ثبت بالسُّنَّة، فكيف بما ثبت بصريح القرآن؟
التضييق في دعاوى النَّسخ:
على أن الَّذي يُهمُّنا هنا أن نقرِّره ونبيِّنه ونثبِّته، هو: التضييق الشديد في دعاوى النسخ في كتاب الله، فإن الله تعالى لم يُنزل كتابه إلَّا ليُهتدى بهداه، ويُؤتمر بما أمر، ويُنتهى عمَّا نهى، ويُعمل بأحكامه، وكل دعوى لنسخ آية أو بعض آية منه، فهي على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل لا يُقبل إلَّا ببرهان يقطع الشكَّ باليقين.
ولو طبَّقنا ما وضعه علماء أصول الدين، وعلماء أصول الفقه، وعلماء أصول التفسير، وعلماء أصول الحديث، من قواعد وضوابط وشروط، فإنَّنا لا نكاد نجد ـ بل لا نجد ـ آية في القرآن الكريم مقطوعًا بنسخها، وما لم يُقطع بنسخه فيجب أن يبقى حكمه ثابتًا مُلزِمًا كما أنزله الله تعالى، ولا ننسخه ونبطل حكمه بمحض الظنِّ، فإن الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئًا.
من شروط قبول النسخ:
ومن شروط قَبول النسخ عند مَن سلَّم به: أن يكون هناك تعارض حقيقي بين النصِّ الناسخ، والنصِّ المنسوخ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال، أما إذا أمكن الجمع ولو في حال من الأحوال، فلا يثبت النسخ، لأنَّه خلاف الأصل.
ولهذا رأينا شيخ المفسرين ابن جَرير الطبري في تفسيره «جامع البيان» يرفض كثيرًا من دعاوى النسخ المرويَّة عن بعض المفسرين؛ إذ لم يجد تنافيًا كاملًا بين الناسخ والمنسوخ.
انظر قوله فيما رُوي عن قتادة في الآية الكريمة من سورة الأنفال: ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ[الأنفال: 61]، فقد ذهب قتادة إلى أن هذه الآية كانت قبل نزول سورة «براءة»، فلمَّا نزلت نسخت ذلك، بمثل قوله تعالى: ﴿فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[التوبة: 5]، وقوله: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ[التوبة: 36]، فأمرت بقتالهم على كلِّ حال حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله.
وورد عن عكرمة والحسن البصري ما يوافق قول قتادة، وإن جعلا الآية النَّاسخة من براءة:﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ[التوبة: 29].
قال الطَّبري 5 يردُّ هذه الدعوى: «فأمَّا ما قاله قتادة ومَن قال مثل قوله ـ من أنَّ هذه الآية منسوخة ـ فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب، ولا سُنَّة، ولا فطرةِ عقلٍ، وقد دلَّلنا ـ في غير موضع من كتابنا هذا وغيره ـ على أنَّ النَّاسخ لا يكون إلَّا ما نفى حكم المنسوخ من كلِّ وجه، فأمَّا ما كان بخلاف ذلك، فغَيْرُ كائنٍ ناسخًا»(3).
كيف يعرف النسخ؟
بقي هنا سؤال مهمٌّ للقائلين بالنَّسخ، وهو: كيف يُعرف النَّسْخ؟
نقل السُّيوطي في «إتقانه» في بيان كيف يُعرف النَّسْخ؟ عن العلَّامة ابن الحَصَّار قوله:
«إنَّما يُرجَع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا. قال: وقد نحكم به عند التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ، لنعرف المتقدِم والمتأخِّر. قال: ولا يُعتمد في النسخ قول عوامِّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بيِّنة، لأن النسخ يتضمَّن رفع حكم، وإثبات حكم تقرَّر في عهد الرسول . والمعتمد فيه: النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد. قال: والنَّاس في هذا بين طرفي نقيض، فمن قائل: لا يُقبل في النَّسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهلٍ يكتفي فيه بقول مفسِّر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما»(4) انتهى.
وأودُّ أن أقول هنا: إنِّي لا أعرف نقلًا صريحًا عن رسول الله يقول: آية كذا نسخت آية كذا. ومن عرَف ذلك فليدلَّني عليه.
وأما قول الصحابي: آية كذا نسخت آية كذا، فلا بدَّ لقَبوله من ثلاثة شروط:
الأول: أن يصحَّ سنده عن الصَّحابي.
الثَّاني: ألَّا يكون ما قاله باجتهادٍ منه، ظنًّا منه أنَّ الآية معارِضة للآية الأخرى، وقد لا يسلَّم له بذلك، فيكون رأيًا منه يُعارَض برأي غيره.
الثَّالث: ألا تكون كلمة النسخ جارية على مفهوم المتقدِّمين، وهو ما يشمل: تخصيص العام، وتقييد المُطلق، وتفصيل المجمل، والاستثناء والغاية وغيرها.
ويندر ـ وربما يتعذَّر ـ أن توجد لدينا آية تتحقَّق فيها هذه الشروط.
ومن المهمِّ هنا أن ننتبه إلى أهمية الشرط الثالث هنا، فكثير من المتقدِّمين يقولون: آية كذا نسخت آية كذا، ولا يقصد بذلك ما يقصده المتأخرون بكلمة النسخ، فلم يكن هذا الاصطلاح قد استقرَّ عندهم، كما استقر عند مَن بعدهم، وهو: رفع حكم شرعي بدليل متأخر. وهذا ما نصَّ عليه المحقِّقون من أمثال ابن القيِّم والشاطبي رحمهما الله. وقد سبق نقل قولهما.
بحث في تعيين آية السَّيف:
قلنا: إنَّ المفسرين، ومعهم الفقهاء: اختلفوا في تحديد «آية السَّيف» الَّتي زعموا أنَّها نسخت ما نسخت من الآيات. وقد ذكروا آيات أربعًا كلها من سورة التَّوبة. قيل عن كلٍّ منها: إنَّها آية السّيف.
آية:﴿فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ:
ولعلَّ أشهر الأقوال، هو: أنَّ آية السَّيف هي قوله تعالى في سورة التَّوبة:﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[التوبة: 5].
وهي ـ كما هو واضح ـ تأمر بقتل المشركين حيث وُجدوا، وبأسر مَن لم يُقتل منهم، وبحصارهم وتضييق الخناق عليهم. لكنْ: مَن هم المشركون المقصودون في الآية؟ ومتى يقتلون؟
إنَّ الآيات الَّتي قبل هذه الآية توضِّح ذلك حين تقول: ﴿بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١ فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ ٢ وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ[التوبة: 1 ـ 4].
وانظر: كيف احترم عهد هؤلاء المشركين، الَّذين عاهدهم الرسول والمسلمون، فوفَّوا بعهدهم معهم، ولم ينقصوهم شيئًا، ممَّا فرضته المعاهدة ولم يُظاهروا عليهم عدوا، فأمر الله تعالى أن يُتمَّ إليهم عهدهم إلى مدَّتهم، فهذا من التقوى الَّتي يحبها الله ويحب أهلها. لأن من دعائم التقوى الوفاء بالعهد(5).
وبعد هذه الآية الَّتي سمَّوها آية السّيف مباشرة، نجد الآية التالية تقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ﴾[التوبة: 6].
فهي تأمر بإجارة المستجير المشرك، وإتاحة الفرصة له حتَّى يسمع كلام الله، كما تأمر بأن يبلَّغ الموضع الَّذي يأمن فيه.
يقول الإمام ابن جَرير الطبري في تفسير الآية: «القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ﴾[التوبة: 6]. يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك يا محمَّد من المشركين ـ الَّذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم ـ أحد ليسمع كلام الله منك، وهو القرآن الَّذي أنزله الله عليه ﴿فَأَجِرْهُ﴾، يقول: فأمِّنه، حَتَّى ﴿يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾، وتتلوه عليه، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾. يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله، إن هو أبى أن يُسلم ولم يتَّعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن، إلى مأمنه، يقول: إلى حيث يأمن منك وممَّن في طاعتك، حتَّى يلحق بداره وقومه من المشركين. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: تفعل ذلك بهم من إعطائك إياهم الأمان، ليسمعوا القرآن، وردِّك إياهم إذا أبَوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنَّهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حُجَّة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم الإيمان بالله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ثم ذكر من طريق ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ: إن لم يوافقه ما تقول عليه وتحدثه، فأبلغه. قال: وليس هذا بمنسوخ.
واختلف في حكم هذه الآية: وهل هو منسوخ أو هو غير منسوخ؟ فقال بعضهم: هو غير منسوخ. وقد ذكرنا قول مَن قال ذلك. وقال آخرون: هو منسوخ.
وذكر عن الضحَّاك:﴿فَاقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[التوبة: 5]، نسختها:﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً[محمد: 4].
وقال آخرون: بل نَسَخ قولُه:﴿فَاقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَقولَه:﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ.
عن قتادة:﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ[محمد: 4]، نسخها قوله:﴿فَاقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[التوبة: 5](6)».
ثم قال أبو جعفر الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندي قول مَن قال: ليس ذلك بمنسوخٍ، وقد دلَّلنا على أنَّ معنى النَّسْخ هو نفيُ حُكْمٍ قد كان ثبت بحكمٍ آخر غيره. ولم تصحَّ حُجَّة بوجوب حكم الله في المشركين بالقتل بكلِّ حال، ثم نسخه بترك قتلهم على أخذ الفداء، ولا على وجه المنِّ عليهم. فإذا كان ذلك كذلك فكان الفداء والمنُّ والقتل لم يزل من حكم رسول الله فيهم، من أوَّل حرب حاربهم، وذلك من يوم بدر; كان معلومًا أن معنى الآية: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم للقتل أو المنِّ أو الفداء واحصروهم، وإذا كان ذلك معناه صحَّ ما قلنا في ذلك دون غيره»(7).
ثم تليها آيات أخر تعلِّل للأمر بقتلهم، وأنَّه لم يأتِ من فراغ ولا تعنُّت ولا اعتداء، فهم يصدُّون عن سبيل الله، ولا يرقُبون في مؤمن إلًّا ولا ذمَّة، ثم إنهم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دين الله، وهمُّوا بإخراج الرسول، وبدؤوا المؤمنين بالقتال أوَّل مرة!
يقول أ. د. مصطفى زيد في كتابه القيِّم عن «النسخ في القرآن»: «فالمشركون الَّذين تتحدث عنهم آية السّيف، هم إذن فريق خاص من المشركين: كان بين رسول الله وبينهم عهد، فنقضوه، وظاهروا عليه أعداءه. وقد برئ الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب إن لم يتوبوا عن كفرهم، ويؤمنوا بالله ربًّا واحدًا، وبمحمد نبيًّا ورسولًا.
وهؤلاء المشركون أعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كلَّ المشركين، بدليل قوله جلَّ ثناؤه قبل آية السّيف: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]، وبدليل الأخبار الَّتي تظاهرت عن رسول الله  : أنه حين بعث عليًّا رحمة الله عليه(8) ـ ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم ـ أمره فيما أمره أن ينادي فيهم: «ومَن كان بينه وبين رسول الله عهد: فعهده إلى مدته»(9)، ثم بدليل قوله تعالى بعد آية السّيف: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 7].
وإنَّما هم قوم من المشركين، كان بين رسول الله وبينهم عهد إلى أجل، فنقضوه قبل أن تنتهي مدته... وقوم آخرون كان بينهم وبين الرسول عهد غير محدود الأجل. فهؤلاء وأولئك هم الَّذين أعلن الله عز وجل، براءته هو ورسوله منهم، وأمهلهم أربعة أشهر من يوم الحج الأكبر (والمراد به يوم عيد النحر، وهو اليوم الَّذي نبذ إليهم فيه العهد على سواء)؛ ليسيحوا في الأرض خلالها حيث شاؤوا، ثم ليحدِّدوا فيها موقفهم من الدعوة إلى الإيمان بالله ربًّا واحدًا: فإما تابوا فكان في استجابتهم لداعي الله خيرهم، وإلا فهي الحرب، وما تستتبعه من قتل وأسر وحصار وترقب(10)!
وإن الله جلَّ ثناؤه، ليبيِّن لهم سبب حكمه هذا عليهم، في آيات تلي آية السّيف...
أليسوا هم أئمَّة الكفر، يطعنون في دين الله، ويصدُّون النَّاس عن سبيله، ينقضون عهدهم مع رسول الله، ويُظاهرون عليه أعداءه، يُنافقون الرسول والمؤمنين، فيُرضونهم بأفواههم، وتأبى قلوبهم أن تعتقد ما يقولون، ينكثون أيمانهم، فيهمُّون بإخراج الرسول، ويبدؤون المؤمنين بالقتال في بدر، يتربَّصون بالمؤمنين، ويترقَّبون فرصة للانقضاض عليهم، دون رعاية لعهد ولا ذمَّة؟!
بلى، فليقاتلهم المؤمنون إذن؛ ليعذِّبهم الله بأيدي مَن يريدون هم أن يعذِّبوهم، وليخزيهم ويذلَّهم، ولينصر المؤمنين عليهم، فيشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم! ثم ليتوب على مَن أراد له التَّوبة والسعادة في الدُّنْيا والآخرة(11) انتهى.
ليست الغاية إذن من قتالهم هي إكراههم على الدخول في الإسلام بقوة السِّلاح، وما كانت «الغاية» قطُّ هذا الإكراه.
ولا أدلَّ على هذا من قول الله 8 لنبيه، في الآية الَّتي تلي آية السَّيف دون فاصل:﴿وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ[التوبة: 6]؛ فإن في هذه الآية أمرًا من الله 8 لرسوله بأن يُجير مَن يستجير به من المشركين، ثم يدعوه إلى الإيمان بالله، ويبيِّن له ما في هذا الإيمان من خير له، فإن هو ـ بعد هذا ـ أصرَّ على ضلاله، واستمرأ البقاء على كفره بالله، وطلب من رسول الله أن يبلِّغه المكان الَّذي يأمن فيه، فعلى الرسول أن يجيبه إلى طلبه، وأن يؤمِّنه حتَّى يصل إلى ذلك المكان.
هذا إضافة إلى تلك الآية الَّتي تنفي جنس الإكراه في الدين نفيًا صريحًا قاطعًا، وتعلِّل لهذا النفي حيث تقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، والآية الأخرى الَّتي تستبعد أن يستطيع الرسول إكراه النَّاس على الإيمان، حتَّى لتحكم باستحالة هذا الإكراه إذ تقول: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].
وإنما شرع القتال في الإسلام لتأمين الدعاة إليه، ولضمان الحرية الَّتي تكفُل لهم إبلاغ دعوته، ودرء الشبه عن عقيدته، بالمنطق السّليم، والحُجَّة المُقنِعة.
ومن أجل هذا خصَّ أئمَّة الكفر بالأمر بقتالهم؛ لأنَّهم يحولون بالقوة بين الدعاة والشعوب الَّتي يجب أن تُدعى. ومن أجله علَّل الأمر بالقتال ـ ضمن ما علَّل به ـ بصدِّ المشركين للناس عن سبيل الله، وقتالهم المؤمنين به. ومن أجله كذلك كان السّبب في نبذ عهد فريق من المشركين إليهم: أنَّهم نقضوه، فأعلنوا الحرب على الدعوة، وظاهروا أعداءها عليها!
فإذا ما هُيئت للدعاة وسائل الدعوة في أمن وحرية، فلا حرب ولا قتال؛ لأنَّ دين الله حينئذ سيهدي بنوره كلَّ ضالٍّ، ولأنَّ بطلان الشِّرك بالله سيتَّضح يومئذ لكلِّ مشرك، فلن يصرَّ عليه إلَّا جاحدٌ معانِدٌ مكابِرٌ في الحقِّ، وهؤلاء قِلَّة لا يُؤبه لها، ولا بدَّ منها في كلّ مجتمع؛ لتتحقَّق كلمة الله جلَّ ثناؤه:﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا[يونس: 99](12) انتهى.
وممَّا نؤكِّده هنا، ما نبَّهنا عليه من قريبٍ، وهو: أنَّ هناك من مفسِّري السَّلف مَن قال: إنَّ آية السَّيف هذه منسوخة: نسختها آية أخرى في سورة محمَّد، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4].
روى أبو جعفر النحَّاس هذا عن الحسن، وعن عطاء، وعن الضَّحَّاك، والسُّدِّي، فهم لا يُجيزون قتلَ الأسير، لقوله تعالى:﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً[محمد: 4].
وروى نحو ذلك ابن جَرير الطبري.
وروى الطبري عن الضَّحَّاك والسُّدِّي عكس ذلك، كما روي عن قتادة ومجاهد، بل ورد عن ابن عبَّاس أيضًا: ﴿فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[التوبة: 5]، نسخت آية:﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً[محمد: 4].
وهناك قولٌ ثالث رُوي عن ابن زيد: أن الآيتين جميعًا مُحكمتان، وهو ما اختاره الطبري، حيث ردَّ دعوى النسخ، لإمكان الجمع بين الآيتين، ولا يُصار إلى النسخ إلَّا عند تعذُّر الجمع بينهما بوجه من الوجوه.
وكذلك قال النحَّاس في قول ابن زيد: وهو صحيح جيِّد بيِّن، لأنَّ إحدى الآيتين لا تنفي الأخرى(13).
وهو ما أيَّده الإمام ابن عطية في تفسيره، معلِّقًا على قول ابن زيد: إنَّ الآيتين مُحكمتان، قال: «وقوله هو الصواب. والآيتان لا يشبه معنى واحدة معنى الأخرى.
ذلك بأنَّ هذه الآية: ﴿فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ[التوبة: 5]: أفعال، إنَّما تتمثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير فيها ذِكر ولا حكم، وإذا أُخذ الكافر (أُسِرَ) خرج عن درجات هذه الآية، وانتقل إلى حكم الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو الصواب»(14) انتهى.
والحمد لله رب العالمين.
← العودة لقسم علوم القرآن وأحكامه