المقالات

❓ العلاج بالقرآن

📅 2026-06-03 👁 329 مشاهدة

نص السؤال:

شاعت في هذا العصر ظاهرة لم تُعرف بهذا الوضوح والانتشار في عصر من عصور الإسلام التاريخية، وهي ظاهرة المتخصصين في العلاج بالقرآن، الَّذين يزعمون أنَّهم يستطيعون أن يعالجوا أي مريض يأتيهم عن طريق قراءة آي معينة من القرآن عليه، وقد يستجيب بعض النَّاس فيشفَى، بينما آخرون لا يؤثر فيهم هذا العلاج، فما حقيقة هذا الأمر؟ وما وجهة نظركم فيه من الناحية الشرعيَّة؟ نرجو بيان الرأي الصحيح بالأدلَّة الموثقة، نفع الله بكم وجزاكم خيرًا.

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا شكَّ أن هذه ظاهرة قد شاعت في كثير من البلدان، وتحدث عنها الخطباء في خطبهم، والكتَّاب في مقالاتهم، وعرضت لها الإذاعات والتليفزيونات، بل عرضت لها القنوات الفضائية في بعض البرامج. هذه الظاهرة هي ظاهرة العلاج بالقرآن.
فهناك أُناس زعموا أنَّهم متخصصون في العلاج بالقرآن، بل فتحوا عيادات علنية للعلاج بالقرآن، يذهب النَّاس إليهم في هذه العيادات كي يعالجوهم بالقرآن الكريم.
ونحن نؤمن بأنَّ القرآن هدى وشفاء كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ[فصلت: 44]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا[الإسراء: 82].
ولكن، ما معنى الشفاء هنا؟ هل هو الشفاء العضوي، على معنى أن الإنسان إذا أوجعه بطنه، أو أوجعته عينه، أو أحس بألم في جسده، فماذا عليه أن يفعل؟ هل يذهب إلى عيادة القرآن، أم يذهب إلى الطبيب المختص الخبير في شأن هذا النوع من المرض؟
الذي رأيناه من سيرة النَّبيّ وهديه، أنَّه شرع الطب والدواء(1)، كما قال  : «إنَّما الشفاء في ثلاث: في شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة بنار»(2). فذكر الأنواع الثلاثة للدواء: الَّذي يتناول عن طريق الفم، والجراحة، وهي شرطة المحجم أو المشرط، والكي، وذلك هو العلاج الطبيعي، والنبي تداوى وأمر أصحابه بالتداوي، وكان يقول لبعض أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين: «اذهبوا إلى الحارث بن كِلْدَةَ الثَّقَفي»(3)، وهو طبيب مشهور منذ الجاهلية عرفه العرب، فكان النَّبيّ ينصحهم بالذهاب إليه، بل جاءه رجلان يعرفان الطب من بني أنمار فقال لهما: «أيُّكما أطبُّ؟»(4)، يعني أيكما أحذق وأمهر في صنعة الطب؟ فأشاروا إلى أحدهما، فأمره أن يتولى هو علاج المريض، يعني أن المسلم ينبغي أن يبحث عن أمهر الأطباء وأفضلهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
وقال أيضًا : «ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله»(5). وهذا أعطى كلّ مريض أملاً في أن يجد لدائه علاجًا، وأعطى الأطباء أنفسهم أملًا في أن يجدوا لكلّ داء دواء. فليس هناك داء عضال بمعنى أنه لا علاج له، لا في الحال ولا في الاستقبال، بل كلّ مريض له علاج موجود، ولكن لم نعثر عليه بعد، فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله.
ولما سُئل : يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها وتُقاة نتقيها؟ هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله»(6). يعني أن الأمراض من قدر الله، والأدوية من قدر الله. لماذا إذن نعتبر المرض من قدر الله، ولا نعتبر الدواء من قدر الله؟ هذا من قدر الله، وهذا من قدر الله، فنحن ندفع قدرًا بقدر، ونرد قدرًا بقدر. هذه سنة الله، أن تدفع الأقدار بعضها البعض.. ندفع قدر الجوع بقدر الغذاء، وقدر العطش بقدر الشرب، وقدر الداء بقدر الدواء.
هذه هي السُّنَّة الإسلامية، ومن أجل هذا شاع الطب بين المسلمين، وتقدم الطب تقدمًا هائلًا في الحضارة الإسلامية، وكان المسلمون أئمَّة العالم وأساتذته في الطب، وعُرف منهم أسماء لامعة على مستوى العالم، مثل أبي بكر الرازي، وابن سينا، وابن رشد، والزهراوي، وغيرهم من المسلمين، وانتشرت كُتب هؤلاء في العالم مثل «الحاوي» للرازي، و«القانون» لابن سينا، و«الكليات» لابن رشد، و«التصريف لمن عجز عن التأليف» للزهراوي، بل وجدنا من علماء المسلمين الفقهاء مَن يجيد الطب، فابن رشد نفسه كان فقيهًا، ألَّف كتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» في الفقه المقارن، وفخر الدين الرازي صاحب الكتب الشهيرة في التفسير والأصول وعلم الكلام وغيرها. قالوا: كانت شهرته في علم الطب لا تقل عن شهرته في علوم الدين، وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، يُعدُّ من فقهاء الشافعية، وترجم له تاج الدين السُّبكي في كتاب «طبقات الشافعية» على أنَّه أحد فقهاء هذا المذهب.
ولأنَّ المسلمين اعتمدوا سُنَّة الله في الكون، فقد اعتمدوا الطب، ولم يعتمدوا على الشعوذات الَّتي انتشرت بين الأمم من قبلهم، ولم يعتمدوا على الأحجبة والتمائم وغيرها، الَّتي اعتبرها النَّبيّ ضربًا من الشرك.
صحيح أنَّ الإسلام شرع لنا الأدوية الروحيَّة، مثل الاستعاذة بالله والرُّقى والدعاء، فالإنسان يرقي نفسه أو يرقي مريضه بقول: «اللهمَّ رب النَّاس أذهب البأس، اشف أنتَ الشافي، لا شفاء إلَّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا»(7). أو «باسم الله أرقيك، والله يشفيك»(8)، أو كما كان ! يرقي الأطفال الصغار مثل الحسن والحسين: «أعيذُك بكلماتِ الله التامَّة، من كلِّ شيطانٍ وهَامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة»(9). فالرُّقى والتعاويذ والأذكار والأدعية مشروعة، ولكنْ بجوار الأسباب الماديَّة الَّتي تكملها وتقويها الأسباب الرُّوحية.
ولكنْ، لا يكفي المسلم أن يذهب إلى شخص يقول له: أقرأُ عليك القرآن، أو المعوِّذات، أو آية الكرسي، ويكتفي بهذا. كيف ذلك إذا كان يعاني من مرض عضوي؟ فلا بدَّ من علاج هذا المرض العضوي، وإذا كان مصابًا بفيروس، لا بدَّ من علاج هذا الفيروس، فهذا هو الَّذي شرعه الإسلام وعاشه المسلمون، فنحن لم نرَ في الصحابة مَن فتح بيته، وقال: أنا متخصِّصٌ في العلاج بالقرآن، حتَّى النَّبيُّ لم يفعل هذا، وإنَّما شرع الطب وشرع التداوي بما يعهده الناس.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أنَّ بعض الأغذية فيها شفاء ودواء، مثل عسل النحل، بقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ[النحل: 69]. أمَّا هؤلاء الَّذين فتحوا عيادات، كما سمعنا في القاهرة مثلًا، أنَّ فلان الفلاني يعالج بالقرآن، ويذهب المغفَّلون والذين يصدِّقون كلَّ ما يُقال، ولا يمتحنون الأمور بعقولهم، أرى هؤلاء يذهبون إليهم زَرَافاتٍ ووُحدانًا، ويدفعون النقود للشيخ، الَّذي يزعم علاج هؤلاء بالقرآن، أو إخراج الجنِّ من أجسادهم، وأحيانًا رأيت مناظرَ فظيعة، مثل شخص يُضرب ضربًا مبرحًا، أو أشياء من هذا النوع.
وقد نشرت الصحف ووكالات الأنباء أن بعضهم مات من الضرب في يد واحد من هؤلاء وقدم للمحاكمة، كلُّ هذا لا أعتبر أنه من الإسلام الصحيح في شيء، إنَّما يمكن إذا سحر الإنسان أو نحو ذلك أن نعالجه بالاستعاذة والأذكار والرُّقى، وهذه الأشياء، على أن تكون معروفة ومفهومة؛ ولذلك اشترطوا في الرقية أن تكون باللغة العربية، لا بلغات غير مفهومة، أو بحروف مقطعة لا نعرف ماذا فيها، وبذكر الله تعالى وصفاته، وألَّا تشتمل على شيء من الشِّرْكيات، فهذا هو الَّذي شرعه الإسلام.
أمَّا هذه الظواهر الَّتي ابتدعها النَّاس، فليس هذا من هدي الإسلام، ولا من عمل الصحابة ولا من عمل سلف الأمة في خير قرونها، وإنَّما هي بدعة اخترعها النَّاس في هذا العصر، وكلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالةٍ في النار.
إنَّ الإسلام شرع لنا أن نذهب في كلِّ أمر إلى خبرائه نسألهم عنه، ونستفتيهم فيه، سواء أكان في أمور الدين أم أمور الدنيا، كما قال تعالى:﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ[فاطر: 14].
وقال عز وجل:﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[النحل: 43].
ففي أمور الهندسة نرجع إلى الخبراء من المهندسين، وفي أمور الطب والدواء نرجع إلى الصيادلة والأطباء، وإلى كلِّ طبيب في اختصاصه، وفي أمور الدين نرجع إلى علماء الدين الثِّقات.
القرآن شفاء:
إذن، فما معنى أن القرآن شفاء؟ وهنا نقول: إنَّ القرآن نفسه قد بيَّن معنى الشفاء المذكور بإطلاق في بعض الآيات، فقد قيدته آية أخرى، يقول الله تعالى فيها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]. بيَّنت الآية أنَّ القرآن شفاء لما في الصدور، من الشك والحيرة والعمى، وما فيها من الهم والحزن، والخوف والقلق؛ ولذا كان من أدعية النَّبيّ  : «اللهمَّ اجعلِ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونور صدري، وجلاء حُزني، وذهاب همِّي وغمِّي»(10). وكلُّ هذه الأمور المدعوِّ بها أمورٌ معنويَّة لا ماديَّة، تتعلَّق بالقلب والصدر، لا بالجسد والأعضاء.
إنَّ القرآن الكريم لم يُنـزله الله تعالى ليعالج الأمراض العضوية، وإنَّما يعالج النَّاس أمراضهم بحسَب السُّنَن الَّتي وضعها الله في الكون، والَّتي بيَّن القرآن أنَّها سنن لا تتبدَّل ولا تتحوَّل.
← العودة لقسم علوم القرآن وأحكامه