2026-06-02
213
التفسير العلمي للقرآن
انتشرت ـ في العصر الحديث ـ دعوى التفسير العلمي للقرآن الكريم، وبخاصَّة لدى علماء الطبيعة، الَّذين يريدون التدليل على معظم نظرياتهم من القرآن الكريم، فما حقيقة هذا التفسير؟ وما ضوابطه؟ وما موقف العلماء والمفسرين قديمًا وحديثًا منه؟ وما رأيكم في هذا اللون من التفسير؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
اشتهر في عصرنا لون جديد من التفسير، أطلق عليه «التفسير العلمي للقرآن». ويقصد به: التفسير الَّذي تستخدم فيه العلوم الكونية الحديثة: حقائقها ونظرياتها لبيان مراميه، وتوضيح معانيه.
ويُراد بالعلوم الكونية: علوم الطبيعة والفلك وعلوم الأرض (الجيولوجيا) والكيمياء، وعلوم الحياة (البيولوجيا) من النبات والحيوان، وعلوم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء (الفسيولوجيا)، وعلوم الرياضيات ونحوها.
وقد يدخل فيها بعض العلوم الإنسانية والاجتماعيَّة، مثل علوم «النفس» و«الاجتماع» و«الاقتصاد» و«الجغرافيا» وغيرها.
بين المعارضين والمؤيِّدين من المعاصرين:
والذين يعنون بهذا اللون من التفسير في الغالب ويتحمسون له، هم علماء الكون والطبيعة، وليسوا من علماء الدين والشَّريعة.
وعلماء الدين والشَّريعة يختلفون فيما بينهم حول جواز هذا اللون من التفسير، ومدى شرعيته.
وفي الخمسينيَّات من هذا القرن «العشرين» ثارت معركة جدلية على صفحات الصحف المصرية، بين فريقين من علماء الدين حول هذه القضية، وأحسب أن الخلاف فيها لم يزل إلى يومنا هذا، بين منتصر لهذا الرأي، ومنتصر لمخالفه.
وقبل ذلك وجدنا من كبار العلماء الباحثين المحدَثين: المؤيدين والمعارضين، وإن كان المعارضون أكثر، وأوفر.
معارضة الشيخ شلتوت:
وجدنا من المعارضين الإمام الأكبر محمود شلتوت رحمه الله تعالي، الَّذي أنكر في مقدمة تفسيره على طائفة من المثقفين أخذوا بطرف من العلم الحديث، وتلقنوا، أو تلقفوا شيئًا من النظريات العلمية والفلسفية وغيرها، وأخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة، ويفسرون آيات القرآن على مقتضاها. قال الشيخ عن هؤلاء:
«نظروا في القرآن، فوجدوا الله 4 يقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ﴾ [الأنعام: 38]، فتأولوها على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحًا جديدًا، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة، وطبقوا آياته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية، وظنوا أنَّهم بذلك يخدمون القرآن، ويرفعون من شأن الإسلام، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية والثقافية.نظروا في القرآن على هذا الأساس، فأفسد ذلك عليهم أمر علاقتهم بالقرآن، وأفضى بهم إلى صورة من التفكير لا يريدها القرآن، ولا تتفق مع الغرض الَّذي من أجله أنزله الله!هذه النظرة للقرآن خاطئة من غير شكٍّ، لأنَّ الله لم يُنزل القرآنَ ليكون كتابًا يتحدَّث فيه إلى النَّاس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون وأنواع المعارف.وهي خاطئة من غير شكٍّ، لأنَّها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلًا متكلَّفًا يتنافى مع الإعجاز، ولا يسيغه الذَّوق السَّليم.وهي خاطئة، لأنَّها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كلّ زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير. فقد يصح اليوم في نظر العلم ما يصبح غدا من الخرافات.فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة، لعرضناه للتقلب معها، وتحمل تبعات الخطأ فيها، ولأوقفنا أنفسنا بذلك موقفًا حرجًا في الدفاع عنه.فلندع للقرآن عظمته وجلالته، ولنحفظ عليه قدسيته ومهابته، ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارة إلى أسرار الخلق وظواهر الطبيعة، إنَّما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر، ليزداد النَّاس إيمانًا مع إيمانهم.وحسبنا أن القرآن لم يصادم الفطرة، ولم يصادم ـ ولن يصادم ـ حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول.قيل: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتَّى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتَّى يعود كما كان، لا يكون على حالة واحدة؟ فنزل قوله تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[البقرة: 189].وإنَّك لتجد هذا في سؤالهم عن الروح حيث يقول الله ﷻ :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾[الإسراء: 85]. أليس في هذا دلالة واضحة على أنَّ القرآن ليس كتابًا يريد الله به شرح حقائق الكون، وإنَّما هو كتاب هداية وإصلاح وتشريع؟»(1).
معارضة الشيخ أمين الخولي وآخرين:
ووجدنا من المعارضين الأستاذ الشيخ أمين الخولي في بحثه المركز «التفسير: معالم حياته، منهجه اليوم»، وقد نقل فيه رأي الشاطبي، واعتراضه على الَّذين أرادوا أن يخرجوا بالقرآن عن نهجه في مخاطبة العرب بما يفهمون، وفي إطار ما يعهدون من علوم ومعارف، ورد على الَّذين زعموا أنَّ في القرآن علوم الأولين والآخرين، دينية ودنيوية، شرعيَّة وعقليَّة!
وهو رأي الأستاذ الأكبر الشيخ محمَّد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق، قاله في تقديمه لكتاب د. عبد العزيز باشا إسماعيل «الإسلام والطب الحديث»(2).
وهو رأي د. عبد الحليم محمود، والشيخ عبد الله المشد، والشيخ أبو بكر ذكري، أعلنوه في مقدمة تفسيرهم الموجز للقرآن، الَّذي كان ينشر في مجلة «نور الإسلام» لسان علماء الوعظ والإرشاد في الأزهر.
معارضة سيد قطب:
وينحو صاحب «الظلال» سيد قطب رحمه الله تعاليهذا المنحى في تفسيره لآية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ﴾. إذ يقول بقلمه البليغ: «وإنِّي لأعجب لسذاجة المتحمِّسين لهذا القرآن، الَّذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيَّات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها، كأنَّما ليعظِّموه بهذا ويكبِّروه!إنَّ القرآن كتاب كامل في موضوعه، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها... والبحث والتجريب والتطبيق من خواص العقل في الإنسان. والقرآن يعالج بناء هذا الإنسان نفسه ـ بناء شخصيته وضميره، وعقله وتفكيره ـ كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الَّذي يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه. وبعد أن يوجد الإنسان السَّليم التصوُّر والتفكير والشعور، ويوجد المجتمع الَّذي يسمح له بالنشاط، يتركه القرآن يبحث ويجرب، ويخطئ ويصيب، في مجال العلم والبحث والتجريب. وقد ضمن له موازين التصور والتدبر والتفكير الصحيح.كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية الَّتي يذكرها القرآن أحيانًا عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه، وطبيعة التناسق بين أجزائه.. لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية الَّتي يذكرها القرآن، بفروض العقل البشري ونظرياته، ولا حتَّى بما نسميه «حقائق علميَّة» ممَّا ينتهي إليه بطريق التجربة القاطعة في نظره.
إنَّ الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة، أمَّا ما يصل إليه البحث الإنساني ـ أيًّا كانت الأدوات المتاحة له ـ فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها.. فمن الخطأ المنهجي ـ بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته ـ أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية. وهي كلّ ما يصل إليه العلم البشري!
هذا بالقياس إلى «الحقائق العلمية»... والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض الَّتي تسمَّى «علمية». ومن هذه النظريات والفروض كلّ النظريات الفلكية، وكل النظريات الخاصَّة بنشأة الإنسان وأطواره، وكل النظريات الخاصَّة بنفس الإنسان وسلوكه، وكل النظريات الخاصَّة بنشأة المجتمعات وأطوارها، فهذه كلها ليست «حقائق علمية» حتَّى بالقياس الإنساني. وإنَّما هي نظريات وفروض. كلّ قيمتها أنَّها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعيَّة، إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق! ومن ثم فهي قابلة للتغير والتعديل، والنقص والإضافة، بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة!
وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامَّة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة ـ أو حتَّى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا ـ تحتوي أولًا على خطأ منهجي أساسي. كما أنَّها تنطوي على معانٍ ثلاثة كلها لا يليق بالقرآن الكريم.
الأول: هو الهزيمة الداخلية الَّتي تخيل لبعض النَّاس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع. ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم. على حين أنَّ القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه، والعلم لا يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق، لأنَّه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.
والثاني: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته. وهي أنَّه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتَّفق ـ بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية ـ مع طبيعة هذا الوجود وناموسها الإلهي، حتَّى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته. نواميسه الَّتي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات الماديَّة جاهزة!
والثالث: هو التأويل المستمرُّ ـ مع التمحُّل والتكلُّف ـ لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات الَّتي لا تثبت ولا تستقر. وكل يوم يوجد فيها جديد. وكل أولئك لا يتَّفق وجلال القرآن، كما أنَّه يحتوي على خطأ منهجي، كما أسلفنا»(3).
الإمام الغزالي والتفسير العلمي:
والموضوع قد أثير من قديم، ويبدو أن أوَّل من أثاره هو الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالي. فقد ذكر في «الإحياء» قول ابن مسعود: من أراد علم الأوَّلين والآخرين فليتدبَّر القرآن(4). ونحو ذلك من الأقوال، ثم قال: «وبالجملة، فالعلوم كلُّها داخلة في أفعال الله ﷻ وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته(5)، وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها. وفي القرآن إشارة إلى مجامعها»(6).
وفي كتابه «جواهر القرآن» وهو مؤلَّف بعد «الإحياء» عاد إلى الموضوع وتوسَّع فيه. وفيه ذكر أن جميع العلوم «مغترفة من بحرٍ واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنَّه بحرٌ لا ساحلَ له»(7).
ثم ذكر من أفعال الله تعالى: الشفاء والمرض، كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. قال: وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلَّا من عرف الطب بكماله؛ إذ لا معنى للطب إلَّا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه... إلى أن قال: «لا يعرف كمال معنى قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٦ ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِىٓ أَىِّ صُورَةٍۢ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6 ـ 8]، إلَّا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرًا وباطنًا، وعددها وأنواعها، وحكمتها ومنافعها...» إلخ. فهذان مثالان لتخريج الغزالي العلوم المختلفة من القرآن. ومن هنا نفهم معنى قول الغزالي: إنَّ علوم الأولين والآخرين ليست خارجة عن القرآن، فكأنه يقول: إنَّ العلوم كلها خادمة لحسن فهم القرآن، كما أن القرآن نفسه يشير إليها، ويدل عليها، بصورة من الصور الضمنيَّة أو الكليَّة.
وقد قال في الإحياء: «بل كلُّ ما أشكل فهمه على النُّظَّار (علماء المعقول) واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات، ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه، يختصُّ أهل الفهم بدركها»(8).
ابن أبي الفضل المرسي والسُّيوطي:
وجاء بعد الغزالي ابن أبي الفضل المرسي، الَّذي سجل السُّيوطي رأيه في «الإتقان»(9)، وهو أشبه برأي الغزالي، فقد ذكر ـ فيما ذكر ـ أن أصول الصنائع مذكورة في القرآن كالخياطة في قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾[الأعراف: 22]، والحدادة:﴿ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ﴾[الكهف: 96]، والبناء في آيات(10)، والنجارة: ﴿وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[هود: 37]، والغزل:﴿كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾[النحل: 92]، والملاحة:﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَٰكِينَ﴾[الكهف: 79]، والفخارة:﴿فَأَوْقِدْ لِى يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ﴾[القصص: 38]، وهكذا.
فبهذه الإشارات القرآنية اعتبر أصول الصنائع موجودة في القرآن.
وقد أيَّد السُّيوطي في «الإتقان» وفي كتابه: «إكليل التأويل في استنباط التنزيل» هذا التوجُّه. واستدلَّ له بالقرآن والحديث، وبقول ابن مسعود والحسن والشافعي وغيرهم.
أبو إسحاق الشَّاطبيّ والتفسير العلمي:
ولقد رأينا الإمام أبا إسحاق الشَّاطبيّ رحمه الله تعالي، قد عارض هذا التوجه في كتابه «الموافقات» معتمدًا على أنَّ الشَّريعة نزلت في الأساس لقوم أميين، فهي ـ على حد تعبيره ـ شريعة أمية، فلا ينبغي أن نخرجها إلى حد التكلف والتعقيد والتفلسف، وإن بالغ في ذلك، حتَّى تعقبه العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور في مقدمة تفسيره «التحرير والتنوير»(11). كما تعقَّب بعضُه العلامة الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على الموافقات(12).
بين الشَّاطبيُّ أنَّ الشَّريعة الإسلامية شريعة أمية، لأن الله بعث بها رسولًا أميًّا إلى قوم أميين كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ﴾[الجمعة: 2]. وقوله ! : «نحن أُمَّة أُمِّيَّة، لا نكتُب ولا نحسُب»(13). فيلزم أن تكون الشَّريعة على معهودهم وفي مستواهم.
ثم بعد هذا البيان أوضح الشَّاطبيُّ أنَّ الشَّريعة ـ في تصحيح ما صحَّحت، وإبطال ما أبطلت ـ قد عرضت من ذلك إلى ما تعرفه العرب من العلوم، ولم تخرج عمَّا ألفوه، ثم يتوجه باللوم إلى قوم أضافوا للقرآن كلّ علوم الأولين والآخرين! مفندًا هذه الدعوى قائلًا:
ما تقرر من أمية الشَّريعة، وأنَّها جارية على مذاهب أهلها ـ وهم العرب ـ ينبني عليه قواعد، منها: أن كثيرًا من النَّاس تجاوزوا ـ في الدعوى على القرآن ـ الحد، فأضافوا إليه كلّ علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين، من علوم الطبيعيات والتعاليم ـ كالهندسة وغيرها من الرياضيات ـ والمنطق وعلوم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح(14).
ثم يدلِّل الشَّاطبيّ على رأيه هذا ويحتج له بما عرف عن السَّلف من نظرهم في القرآن فيقول: «إن السَّلف الصالح ـ من الصحابة والتابعين ومن يليهم ـ كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك. ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلَّا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير شيء ممَّا زعموا. نعم تضمن علومًا من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها ممَّا يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة، دون الاهتداء بأعلامه، والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا»(15).
ثم شرع الشَّاطبيّ بعد هذا في ذكر الأدلَّة الَّتي استند إليها أرباب هذا «التفسير العلمي» فقال: «وربَّما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ﴾[النحل: 89]، وقوله:﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ﴾[الأنعام: 38]. ونحو ذلك، وبفواتح السّور ـ وهي لم تعهد عند العرب ـ وبما نقل عن النَّاس فيها، وربما حكي من ذلك عن عليِّ بن أبي طالب 3 وغيره أشياء»(16).
بعد ذلك طفق الشَّاطبيّ ينقض هذه الأدلَّة، واحدًا بعد الآخر بمنطقه القوي، فقال رحمه الله تعالي: «فأما الآيات: فالمراد بها عند المفسِّرين ما يتعلَّق بحال التكليف والتعبُّد، أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ﴾[الأنعام: 38]: اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقليَّة. وأما فواتح السُّور: فقد تكلم النَّاس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا، كعدد الجمل الَّذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السّير، أو هي من المتشابهات الَّتي لا يعلم تأويلها إلَّا الله تعالى، وغير ذلك. وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدعه أحد ممَّن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوا، وما ينقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، في الاستعانة على فهمه، على كلّ ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعيَّة، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقوّل على الله ورسوله فيه، والله أعلم، وبه التوفيق»(17).
ومنطق الشَّاطبيّ هنا منطق قوي، وأدلته لا مطعن فيها، إلَّا ما كان من اعتماده على «أُمِّيَّة الشَّريعة» بناء على أُمِّيَّة الأُمَّة. ذلك أن أُمِّيَّة الأُمَّة ليست أمرًا مطلوبًا ولا مرغوبًا فيه، بل بعث الله رسوله في الأميِّين رسولًا ليخرجهم من الأمية إلى باحة العلوم والنور، كما قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [الجمعة: 2]. فهذه مهمَّة الرسول مع الأميِّين: التلاوة والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، ولا عجب أن كانت الآيات الأولى من الوحي تنبئ بذلك: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٢ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٣ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 ـ 5]. وأقسم سبحانه بالقلم فقال: ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].
فالأمية ممدوحة في حقِّه ﷺ : لأنَّها أدل على الإعجاز، وليست ممدوحة في حق الأمة، وعلى الأمة أن تتحرر منها؛ لتتعلم وتتفقه، وتنظر في ملكوت السّماوات والأرض وما خلق الله من شيء، وقد قال تعالى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الزمر: 9].
ولقد كان الرسول الكريم هو أوَّل من حارب الأمية، كما رأينا ذلك حين قبل في أسرى بدر أن يفتدي بعضهم نفسه إذا كان كاتبًا، بأن يعلم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة. ومن أجل هذا لا نقبل فكرة أميَّة الشَّريعة إلَّا إذا حُملت على معنى الفطرية والسهولة، والبعد عن التكلف والتعقيد.
الموقف الَّذي نختاره:
ولقد رأينا الموقف هنا، كما في معظم القضايا العلمية والفكرية المختلف فيها، تتجه ثلاثة اتجاهات: طرفين وواسطة.
ففي طرف نجد الَّذين يرفضون رفضًا مطلقًا إدخال العلوم الكونية في مجال التفسير بُعدًا بالقرآن عن مظنة التغير بتغير نتائج هذه العلوم.
وفي طرف آخر رأينا الَّذين يغالون في استخدام هذه العلوم غلوًّا كبيرًا، ويتكلفون في إظهار القرآن بمظهر المشتمل على كلِّ هذه العلوم، والسابق بنظرياتها وحقائقها! وهم يجتهدون في إبراز ما سمَّوه «الإعجاز العلمي» بكثير من التمحُّل.
وهناك موقف بين هؤلاء وأولئك، هو الموقف العدل الوسط، الَّذي لا يبالغ في النفي، ولا يغلو في الإثبات.
وخلاصة هذا الموقف تتَّضح في جملة أمورٍ، أو مبادئ:
1 ـ ضرورة المعرفة بأوَّليَّات هذه العلوم:
أول هذه المبادئ: أنَّه لا بدَّ لمن يريد تفسير القرآن في عصرنا: أن يكون ملمًّا بمبادئ هذه العلوم الطبيعية والكونية، ليستخدمها فيما لا بدَّ منه من بيان معاني القرآن، وتوضيح مقاصده ودلالاته، وإلا كان التفسير قاصرًا عن اللحاق بالعصر وأهله.
قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾[إبراهيم: 4]. ولا بدَّ لمن يعيش في القرن الخامس عشر الهجري، أن يخاطب النَّاس بلسان هذا القرن، لا بلسان قرون مضت.
وكما أنَّ الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان، فإن تفسير القرآن، وشرح الحديث، وأسلوب الدعوة، كلها تختلف باختلاف الزمان والمكان كذلك.
ولقد رأينا بعض المشايخ الَّذين تعقبوا سيد قطب في «ظلاله» الشهير ينكرون عليه رحمه الله تعاليأشياء غريبة، مثل حديثه عن المجموعة الشمسية وعن المجرات الكونية، وغير ذلك ممَّا يدلُّ على الجهل المطبق للمتعقب بهذه العلوم. وقد قيل قديمًا: من جهل شيئًا عاداه. ويدل لذلك قوله تعالى:﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ﴾[يونس: 39].
2 ـ انتباه المتخصص في العلوم إلى ما لم ينتبه له غيره:
ثم إنَّه من المقرر والمعلوم: أنَّ كلَّ مفسِّر للقرآن يتأثر بثقافته الَّتي أتقنها وتخصص فيها، كما رأينا ذلك في تفاسير علمائنا القدامى. فتفسير الفقيه غير تفسير المتكلم، وهما غير تفسير اللغوي، وتفاسير هؤلاء غير تفسير الصُّوفيّ.
بل إنَّ كلَّ قارئ للقرآن يفهم منه، ويأخذ عنه، بحسب ثقافته وتوجهه، وهذا ما يثبته العلم نفسه.
فقد قرّر علم النفس: أنَّ قوة الانتباه إلى الشيء لها علاقة بما اختمر في نفس الإنسان وبما يهتم به، فالصورة أو اللوحة الفنية قد يراها أكثر من واحد، فمنهم من لا يلتفت إليها أصلًا، ومنهم من ينظر إليها نظرة خاطفة، ومنهم من يتأملها تأملًا مفصلًا عميقًا. فانتباه الرسام إليها ليس كانتباه الشاعر، وانتباه الشاعر ليس كانتباه الرجل العادي.
هذا قانون عام من قوانين النفس أو الحياة، لا يمكن مقاومته ولا المراء فيه.
ومن الطبيعي بعد هذا: أن نجد المفسرين للقرآن ينتبه كلٌّ منهم إلى ما لا ينتبه إليه الآخر، وفق ثقافة كلٍّ منهم وذوقه ومحور اهتمامه.
فرجل البلاغة: يلمح النكات البيانية، والأسرار التعبيرية والبلاغية.
والفقيه: يستنبط الدقائق التشريعية.
والصُّوفيُّ: ينجذب للأذواق الرُّوحية والسلوكية.
والاجتماعيُّ: يلتفت إلى السُّنن الاجتماعيَّة.
والعالم الطبيعيُّ: ينتبه للآيات والظواهر الكونية.
سُئل بعض الصُّوفيَّة: هل تجد في القرآن أنَّ الحبيب لا يُعذِّب حبيبَه؟ فقال: نعم. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾[المائدة: 18]. فهذه اللفتة جديرة بذي التحليق الرُّوحي أن ينتبه إليها.
واستنبط الإمام مالك أن الرِّقَّ لا يجامع البنوَّة، فلا يكون ابن الإنسان عبدًا له، لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۚ بَلْ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ﴾[الأنبياء: 26]. أي: الملائكة. فالعبودية تنافي البنوة. فهذه الدقيقة لا ينتبه لها إلَّا الفقيه.
إذا عرفنا ذلك، فلا ينبغي أن ننكر على العالم ـ من علماء الكون والطبيعة ـ أن ينتبه إذا قرأ الآية من القرآن، إلى ما فيها من معانٍ تتصل بثقافته وتخصصه، لم ينتبه إليها غيره من علماء الدِّين والشرع، أو من فحول علماء البلاغة والكلام والفقه.
فالمتخصِّص في علم الأرض (الجيولوجيا) سينتبه إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًۭا﴾[النبأ: 7]، من معان لم يلتفت غيره إليها.
والمتخصص في علم البحار سينتبه إلى معانٍ في قوله سبحانه: ﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ﴾[الرحمن: 19، 20]، ممَّا لم يلتفت إليه سواه.
والمتخصص في العلوم الرياضية سيجد في قوله تعالى:﴿يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍۢ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾[السجدة: 5]، ما لا يجده غيره.
وكذلك المتخصص في علم الأجنة يجد في قوله 8 : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ❁ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ❁ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12 ـ 14]، ما لا يجده عالم آخر، ناهيك بمن ليس من المتخصصين في هذه العلوم. وهذا لا ينبغي أن يُختلف فيه.
3 ـ شروط استخدام العلوم في التفسير:
ولا بدَّ أن ننبه هنا على الشروط الَّتي يجب أن تُراعى، حين نستخدم العلوم الكونية في التفسير وخدمة القرآن.
أولًا: التعويل على الحقائق لا الفرضيات:
أن نستخدم من نتائج العلوم ما استقر عند أهله، وغدا حقيقة علمية، يرجع إليها، ويعول عليها، ولا نعول على الفرضيات والنظريات الَّتي لم تثبت دعائمها، حتَّى لا نعرض فهمنا للقرآن للتقلب مع هذه الفرضيات. فليكن اعتمادنا على الحقائق المقررة.
ولا يقال: إنَّ العلم ليس فيه حقائق ثابتة إلى الأبد، فكم من قضايا علمية كانت يومًا ما ـ بل ظلت قرونًا وقرونًا ـ حقائق مقدسة، ثم ذهبت قدسيتها العلمية، وأثبت التطوّر العلمي عكسها. وهذا صحيح ومعروف، ولكن حسبنا الثبات النسبي للحقائق. فهذا هو الَّذي في مقدورنا بوصفنا بشرًا. وقد قيل في تعريف التفسير: هو بيان المراد من كلام الله بقدر الطاقة البشرية.
ثانيًا: تجنب التكلف في فهم النص:
ألَّا نتمحَّل ولا نتعسف ولا نتكلَّف، في حمل النَّصِّ على المعنى الَّذي نريد استنباطه، إنَّما نأخذ من المعاني ما ساعدت عليه اللغة، واحتملته العبارة دون قسر، وقَبِله سباق النَّصّ وسياقه.
ومن مراعاة اللغة هنا: ألا نحمل ألفاظ القرآن على المعاني المستحدثة في عصرنا، والَّتي لم تكن مرادة من النَّصّ يقينًا، مثل حمل كلمة «ذرَّة» على المعنى الاصطلاحي في علم الفيزياء وغيرها.
ومن هنا رفض المحققون من علماء الشَّريعة، ومن علماء الطبيعة، ما قاله بعضهم في قوله تعالى: ﴿يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُواْ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍۢ﴾[الرحمن: 33]: إنَّ السُّلطان هنا هو سلطان العلم، وإنَّ هذا يشير إلى غزو الفضاء والصعود إلى القمر... إلخ، لأن سياق الآية الكريمة يبين أن هذا التحدي في الآخرة، كما يدلُّ على ذلك ما قبلها وما بعدها، وأنهم لا يستطيعون الخروج من ملك الله تعالى.
وأين يهربون من ملكه تعالى، وهو الَّذي له ملك السّماوات والأرض؟ ولو افترضنا أنَّ الصعود إلى القمر نفوذ من أقطار الأرض، فهل نفذ من أقطار السّماوات؟ هذا مع أنَّ الَّذين صعدوا إلى القمر أو داروا في الفضاء لا يزالون على صلة بالأرض، فهي الَّتي تحركهم وتراقبهم، وتعطيهم التنبيهات، وترشدهم إلى إصلاح الخلل إن حدث، كما نقرأ ونعلم.
ثالثًا: تجنب اتهام الأمة كلها بالجهل:
ألَّا يحمل هذا الرأي أو التفسير العلمي اتهامًا للأمة كلها طوال تاريخها كله ـ وفيها خير القرون: من الصحابة والتابعين والأتباع والأئمَّة الكبار في كلّ فن ـ بأنَّها لم تفهم القرآن، إلى أن جاء هذا العالم في زماننا، فعلمها ما كانت تجهل من كتاب ربها. فمقتضى هذا الكلام: أن الله أنزل على النَّاس كتابًا لم يفهموه، ولم يعرفوا مراد منزله منه. مع أنه تعالى وصفه بأنَّه «كتاب مبين»، وأنَّه «نور» وأنَّه «هدى للنَّاس».
ولهذا ينبغي أن نقبل من هذا اللون من التفسير: ما كان إضافة إلى القديم، وليس إلغاءً كليًّا له، فلا مانع من إضافة فهم جديد للآية، أو جزء الآية، فالقرآن لا تنقضي عجائبه، ولا تنفد كنوزه وأسراره، والله تعالى يفتح على عباده في فهمه ما يشاء لمن يشاء.
تجاوزات مرفوضة عند علماء الشرع وعلماء الكون:
ولا ريب أنَّ هناك من الباحثين في هذه القضايا ـ وخصوصًا من علماء الكون ـ من لم يراعوا هذه الشروط، وتكلَّفوا وتمحَّلوا، فانتهوا إلى نتائج رفضها المعتدلون من علماء الكون، وعلماء الشرع جميعًا.
من ذلك ما ذكره العالم المتمكن أ. د. عبد الحافظ حلمي محمد(18) في دراسة له عن «العلوم البيولوجية في خدمة تفسير القرآن الكريم» (19) من شرود بعض الباحثين عن المنهج السَّليم. فمن ذلك أنه عندما ركب الإنسان أوَّل مركب في الفضاء، خَفَّ من يقول لنا: إن هذه المركب هي الدابَّة الَّتي تخرج من الأرض لتكلم النَّاس (إشارة إلى الآية 82 من سورة النمل)(20). ثم تبعه من يقولون: بل إنَّ هذا نفاذ من أقطار السّماوات والأرض بسلطان (إشارة إلى الآية 33 من سورة الرحمن)(21)، وأنَّ هذا السّلطان هو سلطان العلم! وغنيٌّ عن البيان أنَّ هذا وذاك مخالفان للعلم والتفسير والمنطق وسياق القرآن جميعًا! فالمنزلق جاء هنا من عدم الإلمام بما جاء في كتب التفسير عن هذه الآية الكريمة، أو حتَّى من عدم الحس الفطري بالمعنى البلاغي لهذا التحدِّي الشديد للإنس والجنِّ أن يخرجوا من ملك الله ويفرُّوا من قضائه «وإلى أين؟!»، فهذا فضلًا عن أن العلم لم يزعم على الإطلاق أنَّ تلك «القفزات القصار» الَّتي قفزها الإنسان خارج نطاق جاذبية الأرض، تعتبر خروجًا من أيِّ شيء إلَّا في ذلك النطاق شديد التواضع أمام ملك الله الَّذي لا يُحد. وكأني بمن يقول بهذا يعني أنَّ الإنس والجنَّ قد قبلوا التحدِّي ونجحوا في الانتصار عليه! وقد بلغ من خلابة المعنى أن تقبَّله بعض علماء الشَّريعة، ولكنَّني أشهد أنَّه بالحوار المقنع قد عدل عن هذا القول كثيرون.
وشبيه بهذا قول القائلين بأن ذكر الذرة وما هو أصغر منها (إشارة إلى الآية 61 من سورة يونس، ومواضع أخرى)(22) دليل من القرآن الكريم على أنَّ الذرَّة ـ بمعناها الفيزيائي الكيميائي الاصطلاحي الحديث ـ ليست أصغر الجسيمات في تكوين المادة، وأنَّ القرآن الكريم قد سبق العلم الحديث في هذا بكذا مئات من السِّنين (واعجبوا معي إلى هذا الحرص الشديد على وضع القرآن الكريم والعلوم الحديثة في سباق!) وهنا أيضًا يتضح أن الفهم الخاطئ لمعاني الألفاظ (وأبرز معنى للفظ الذرَّة في اللغة هو الهباءة)، وللمعنى البياني المقصود وهو التصغير والتهوين والتقليل، كالقطمير وحبة الخردل والورقة، في مواضع أخرى. هذا فضلًا عن إدراك أن لفظ الذرة بالمعنى الاصطلاحي الحديث، لم يدخل اللغة العربية إلَّا في وقت متأخر، وعلى سبيل ترجمة غير حرفية ولا دقيقة (وإن شاعت وكانت مقبولة لطيفة) للمصطلح الأجنبي (Atom)، أي غير المنقسم أو غير القابل للانقسام.
وثمة مثال ثالث لا يقل غرابة ومجافاة للحقيقة عن سابقيه، وهو قول من رأوا بأنَّ المقصود من إنقاص الله الأرض من أطرافها (الرعد: 41، الأنبياء: 44)(23)(24) إشارة إلى النقصان البطيء المستمر للمحور الطولي للأرض نتيجة دورانها كما تدلُّ عليه القياسات العلمية، وأنَّ هذا أيضًا «سبق» و«إعجاز علمي» للقرآن الكريم. والعجيب أنَّ هذا الرأي يتقبَّلُه بعض المتحفِّظين، مع أنَّه مخالف تمامًا للسياق القرآني في الموضعين، إذ إنَّه إشارة إلى انتقاص أرض الكفَّار بما يفتحه الله للمؤمنين منها نشرًا لدعوة الحق. وقراءة الآيات السّابقة واللاحقة مباشرة للآيتين المشار إليهما كفيلة بالإقناع لمن يريد أن يقتنع!
هذا فضلًا عن أنَّ هذا الرأي مثال لتأويل حديث يحتم أن المعنى الصحيح للآيتين الكريمتين ظلَّ خافيًا على المسلمين هذه القرون الطوال منذ نزل القرآن. وليس من البلاغة في شيء الإشارة إلى أمر خافٍ تمامًا عن المخاطبين، بل إنَّه حتَّى في هذا الزمان لا تكشف عنه إلَّا القياسات العلمية، ولا شأن له واضحًا في حياة البشر، وليس فيه عبرة لمن يعتبر.
وأعتقد أنَّ في هذه الأمثلة الثلاثة الغناء عن ذكر كثير غيرها(25).
مجالات لاستخدام العلوم الكونية في التفسير لا ينبغي الخلاف عليها:
وأريد أن أبيِّن هنا أن هناك مجالات لاستخدام العلوم الكونية في تفسير القرآن لا ينبغي أن يكون فيها خلاف بين المثبتين والنافين في هذه القضية:
أ ـ تعميق مدلول النص:
من هذه المجالات الَّتي لا يختلف عليها اثنان: تعميق مدلول النَّصّ القرآني، وتوسيع فهمه ومداه للإنسان المعاصر، وذلك بما تقدمه العلوم الكونية من بيانات ومعلومات تزيدنا معرفة بمفهوم الآية، وتوضحه بالشواهد والأمثلة، الَّتي توافرت في ضوء العلم الحديث.
خذ مثلًا قوله تعالى:﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل: 68، 69].
إنَّ كلَّ من يقرأ هاتين الآيتين يفهم معناهما بإجمال، ولا يخفى مغزاهما عليه. والمفسرون القدامى فسروهما بمقتضى ما علموه في زمانهم، وأحسنوا جزاهم الله خيرًا.
ولكن المتخصص في علم الحيوان، أو علم الحشرات خاصة، أو علم النحل على وجه أخص، يرى في الآية ما لا يراه القارئ العادي، ويستنبط من ألفاظها من المعاني والأفكار والمقاصد؛ ما لا يخطر لأمثالنا ببال. وكذلك المتخصص في علم الأغذية أو علم العسل، أو الطب بالأعشاب، أو الأدوية الطبيعية، يأخذ من قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ﴾ ما لا نستطيع نحن أن نستخرجه من العبارة.
ولهذا وجدنا رسائل وأطروحات علمية تقدم للجامعات حول هذه الآية، أو هاتين الآيتين، ورأينا بحوثًا ودراسات نشرت عنهما.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾[لقمان: 10]، وقوله تعالى: ﴿وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًۭا﴾[النبأ: 7]، ونحوهما من الآيات، نفهم نحن معناها إذا قرأناها الفهم الإجمالي، وكذلك مرَّ عليها المفسرون الأولون. ولكن العالم المتخصص في الأرض، يفهم منها ثبات الجبال، وحفظها للأرض، ومنعها من الميدان! ما يجلي معناها أعظم التجلية، ويشرحها أبلغ الشرح.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَسْكَنَّٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ﴾[المؤمنون: 18]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍۢ﴾[القمر: 49]، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا﴾[الفرقان: 2]، ونحوها من الآيات. نقرؤها نحن فنفهمها فهمًا إجماليًّا فطريًّا، وكذلك فعل المفسرون قديمًا. ولكن العلم الكوني الحديث بين لنا من عجائب هذا التقدير في الكون ودقائقه، ما يبهر العقول، وينير القلوب، ويجلي أمام أبصارنا وبصائرنا: واسع علم الله تعالى، وبالغ حكمته، وعظيم قدرته، ورائع تدبيره، كما قرأنا ذلك في كتاب «كريس موريسون» الَّذي ترجم بعنوان «العلم يدعو للإيمان». فحجم الكرة الأرضية وموقعها من الشمس، وسرعة دورانها حول نفسها وحول الشمس، وموقع القمر منها، وكمية الماء، والغازات فيها، إلخ، لو كانت على غير ما هي عليه، أو اختل ناموسها قليلًا، لهلكت الحياة على ظهر الأرض، أو ما قامت أصلًا.
ومثل ذلك: ما كشفه العلم من أسرار قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ ٣ بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ [القيامة: 3، 4]، ولماذا ذكر البنان خاصَّة دون غيره من الأعضاء؟ فلقد بين لنا العلم الحديث ما يتميز به جلد البنان من خواصَّ؛ بحيث لا يتشابه بنانان لشخصين وإن كانا شقيقين، أو توءمين. وعلى أساس هذا التمايز قام ما عرف باسم «البصمة» وأسست عليه إدارات «تحقيق الشخصية».
وهذا ما فهمه المعتدلون من علماء الكونيات، الَّذين عرفوا ما هو المطلوب منهم في خدمة تفسير القرآن، فالتزموه ولم يحيدوا عنه.
يقول أحدهم(26) شكر الله له: ما المطلوب منَّا إذن؟ المطلوب عندي هو أنَّنا إذا قرأنا، مثلًا، قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾[الغاشية: 17]، استجبنا إلى هذه الدعوة الربانية، بما لا ينافي الفطرة السّليمة ويعارض تفسيرًا تقليديًّا، وأظهرنا مالا تزال تكشفه الدراسات الحديثة عن معجزات بيولوجية رائعة في ذلك المخلوق الفريد، الَّذي نستطيع أن نثبت أنَّه خصَّ بالذكر، من بين ما لا يُحصى من مخلوقات الله، نموذجًا يتدبر في دراسته المتدبرون، وأنَّه ليس صحيحًا ما يقوله البعض من أن الإبل ذكرت لمجرَّد مناسبتها لخطاب البدو والأعراب. فالمعجز حقًّا أن هذا صحيح، ولكنَّه ليس الحقّ كله، فالجمل ـ والجمل بالذات ـ هو الآن نموذج فريد تشير إليه كتب علم الأحياء الحديثة في أوربا وأمريكا!
ومطلوب أيضًا أنه إذا ذكر لحم الخنزير بين اللحوم المحرمة، وجب علينا ـ بعد الامتثال والطاعة لحكم التحريم ـ أن نلتفت إلى أن التحريم هنا هو تحريم معلل(27)، وإلى أن لحم الخنزير ينفرد من بين الأنواع الأخرى من اللحوم المذكورة بأنَّه حرام لذاته، أي لعلة مستقرة فيه أو غالبة اللصوق به، لا لعلة عارضة عليه كما هي الحال في أنواع اللحوم الأخرى المحرمة، أي أنه ينبغي علينا أن نبحث هذه العلة بحثًا علميًّا دقيقًا، لا أن نردد ما تتناقله بعض التفاسير ما يسهل دحضه وتفنيده.
وينبغي علينا، أيضًا، أن نعمق فهمنا لقوله تعالى، في سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾[الأنبياء: 30]، فنبين البلاغة الكاملة في استعمال اللفظ (جعلنا من)، ونضيف إلى ما هو معروف متناقل ما يزيده تأييدًا. وكذلك عن (إحياء العظم)، و(النار من الشجر الأخضر) في ختام سورة يس، وخروج الحيّ من الميت وخروج الميت من الحيّ، إلخ. وجدير بنا أن نشرح للناس عظمة القسم بمواقع النجوم، والإعجاز في تنوّع الخلائق، كما ورد في سورة فاطر، وإيلاج الليل في النهار، وسبح الأجرام السّماوية في أفلاكها، وكيف يمسك الرحمن الطيور في جو السَّماء، وكيف تتفجر الأنهار من الحجارة، وكيف يكون شرب الهيم، إلخ.
ومطلوب منَّا أيضًا أن نجتهد في تحديد المسميات الواردة في القرآن الكريم، كحوت يونس، والسدر واليقطين، والطلح والفوم، والمن والسلوى، فضلًا عن أن نزيد النَّاس معرفة بمناسبة الأعناب والتين والزيتون والرطب، وتوضيح معاني هذه المفردات، خدمة كبرى اجتهد فيها السّابقون، وبذلتها الأمم الأخرى لكتبهم، وأذكر أن الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل، قد دعا في جامعة الكويت منذ سنوات إلى تصنيف معجم عصري شامل يشمل مفردات من قبيل ما ذكرت، وكذلك مواقع البلدان وأسماء الأشخاص والأقوام السّابقين، وما إلى ذلك ممَّا ذكر في القرآن (أو كتب التفسير).
وجميع ما ذكرت ليس فيه تكلف أو افتعال أو تهجم بالكلام في تفسير كتاب الله العزيز بغير علم، وليس فيه عارضة لتفسير سلفيٍّ معتمد، برأيٍ عصريٍّ مبتدع. وهذا شرط أساسي. اهـ .
ب ـ تصحيح معلومات بعض المفسرين القدامى:
ومن الحالات الَّتي لا خلاف عليها هنا للعلوم الكونية: القيام بتصحيح بعض المعلومات الخاطئة الَّتي اعتمد عليها بعض المفسرين القدامى، وأخرجوا منها بعض آيات القرآن الكريم عن ظاهرها البين، محاولين تأويلها، وإخراجها عن معناها المتبادر منها، لتوافق ما هو مألوف عندهم، ومتفق مع معارفهم.
من ذلك: قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌۭ﴾[الشورى: 29]. فقد ذهب بعض المفسرين إلى أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾، يرجع إلى الأرض وحدها، وإنَّما ذكر ضمير التثنية [فيهما]؛ لأن ما في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة(28)!
وهذا بلا شكٍّ خروج عن الظاهر المتبادر، بلا بينة. وما دفعهم إلى هذا إلَّا اعتقاد أن العوالم العلوية [السماوات] لا توجد فيها كائنات حية تدب عليها، وخصوصًا مع قوله تعالى عن الأرض: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ﴾[البقرة: 164]، فإنَّه يدلُّ ـ كما قالوا ـ على اختصاص الدواب بالأرض. ولكن العلم الحديث اليوم يتصور وجود حياة في الكواكب الأخرى، ويجهد جهده في محاولة اكتشافها، وينبغي أن نقول لهم: إن هذا هو ظاهر ما يقرره القرآن.
ولا يجوز أن يقال: إنَّ المراد بقوله [من دابة]: الملائكة الَّتي تسكن السّماوات كما زعم بعض المفسرين، فإنَّ هذه لا تدبُّ، بل تطيَّر، كما قال تعالى:﴿جَاعِلِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾[فاطر: 1].
كما أنَّ آية سورة النحل ترد على ذلك بوضوح، وهو قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾[النحل: 49]، فعطف الملائكة على ما يسجد من دابة، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.
ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الرحمن:﴿مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ ٢٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ﴾[الرحمن: 19 ـ 22].
فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ﴾، من باب حذف المضاف، والتقدير: يخرج من أحدهما، أو يقال: إنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرج منهما، وقد ينسب إلى الاثنين ما هو لأحدهما(29)؛ لأن اللؤلؤ والمرجان، يخرجان من أحد البحرين، وهو البحر المالح، وليس البحر العذب، وحملوا هذه الآيات على الآية الأخرى في سورة الفرقان، حيث يقول تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًۭا وَحِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا﴾[الفرقان: 53].
ولا ضرورة لهذا الحمل، فلكل آية مجالها. فآية الفرقان فيما نصت عليه من البحر العذب الفرات، والبحر الملح الأجاج. أما آيات الرحمن، فظاهرها يتحدَّث عن بحرين من نوع واحد، وهو الملح، فلا عجب أن يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، حسب سنن الله تعالى.
فإذا كانت آية الفرقان تدلُّ على البرزخ أو الحاجز الإلهي الَّذي جعله الله بين الأنهار العذبة والبحر، بحيث بقي لكلّ منهما خواصه، كما بين النيل والبحر المتوسط عند دمياط ورشيد في مصر، فإن آيات الرحمن دلت على أن بين البحار الملحة نفسها، بعضها وبعض، حواجز من صنع الله، فلكل بحر منها كثافته ودرجة حرارته، وحيواناته المائية، وتياراته البحرية، حتَّى إن أسماك وحيوانات هذا البحر لا تنتقل إلى البحر الآخر رغم أنَّ الطريق مفتوح لها.
ومثل ذلك يقال في قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الذاريات: 49]. فقد قال بعض المفسرين: هذه الكلية أغلبية، وليست عامَّة ولا مطلقة، كما هو ظاهر لفظ الآية الكريمة:﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ﴾. وقال بعضهم: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ﴾، أي كلّ جنس من الحيوان نوعين: ذكر وأنثى(30). فخصوها بأجناس الحيوان.
وإنَّما قالوا ذلك، لأن الَّذي يعلمونه أن الازدواج ظاهر في الإنسان والحيوان وبعض أنواع النبات كالنخل، ولكن لم يعرف في جميع أنواع النباتات، ولا في الجمادات.
حتى جاء العلم الحديث فكشف النقاب عن هذه الحقيقة، وأثبت لنا أنَّ جميع النباتات، بل جميع المخلوقات قائمة على قاعدة «الزوجية»، حتَّى «الذرَّة» تحتوي على شحنة كهربائية موجبة، وشحنة كهربائية سالبة. وحق قول الله تعالى:﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[يس: 36].
ج ـ تقريب الحقائق الدينية لعقول البشر
ومن المجالات الَّتي لا خلاف على استخدام العلم فيها لخدمة القرآن خاصة، والدين عامَّة: تقريب الحقائق الدينية والغيبية الَّتي جاء بها القرآن إلى عقول البشر، الَّتي قد تستبعد هذه الأشياء، أو تكابر فيها.
ولقد عرضت لهذه القضية من قديم في كتاب «ثقافة الداعية» في فصل «الثقافة العلمية» للداعية وما يمكن أن يؤديه العلم من دور(31). وكان ممَّا ذكرته من وظائف العلم في عصرنا: أن من الحقائق العلمية ما يمكن استخدامه في تأييد الدين وتوضيح مفاهيمه، ونصرة قضاياه، والذب عنه، بدفع شبهات خصومه ومفتريات أعدائه، وذلك يبدو في عدة صور، منها:
أ ـ تقريب بعض المعتقدات والحقائق الدينية من أفهام أهل العصر، وتأييدها بمنطق العلم التجريبي نفسه، حتَّى إن أولى قضايا الدين وكبراها، وهي: إثبات وجود الله تعالى، يستطيع هذا العلم أن يقوم فيها بدور بناء، في مواجهة الماديين والملاحدة، فيقيم الأدلَّة ويدحض الشبهات، بواسطة فروعه المتعددة من رياضيات وفلك وفيزياء وكيمياء، وجيولوجيا وأحياء وطب وغيرها. كما رأينا ذلك في مثل كتاب: أ. كريسي موريسون: «الإنسان لا يقوم وحده» المترجم إلى العربية تحت عنوان «العلم يدعو إلى الإيمان» وكتاب «الله يتجلَّى في عصر العلم» لثلاثين عالمًا أمريكيًّا معاصرًا، وكتاب «مع الله في السَّماء» للدكتور أحمد زكي.
ورأينا مفكري المسلمين ينتفعون بذلك في نصرة العقائد الدينية كما في كتاب «قصة الإيمان بين الدين والعلم والفلسفة» للشيخ نديم الجسر، وكتاب «الإسلام يتحدَّى» للمفكر الهندي وحيد الدين خان، وقد جعل له مراجعه ومقدمه د. عبد الصبور شاهين عنوانًا فرعيًّا هو «مدخل علمي للإيمان».
لقد كان المشتغلون بالفلسفة والكلام قديما يستبعدون ـ بل ينفون ـ أن يرى الإنسان عمله في الآخرة بعد أن فرغ منه في الدنيا، لأن الأعمال أعراض، والعرض لا يبقى زمانين! وعلى هذا يؤولون مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍۢ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًۭا لِّيُرَوْاْ أَعْمَٰلَهُمْ﴾[الزلزلة: 6]، وقوله: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًۭا﴾[الكهف: 49]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ﴾[آل عمران: 30]، وما شابهها من آيات، بأن المراد بالأعمال جزاؤها، أي ليروا جزاء أعمالهم!
فجاء العلم الحديث يثبت أنَّ أقوال الإنسان وأعماله كلها موجودة في الفضاء، وأنها يمكن أن تسجل وتصور وتبقى، ولو بعد حدوثها بزمن طويل، وإن لم يوفق الإنسان لاختراع آلة تقوم بهذه المهمة حتَّى الآن، ولكن العلم لا ينفي إمكانها. ومعنى هذا: أن كلَّ إنسان يمكن أن يواجه بقوله وعمله طيلة حياته في صورة أشبه ما تكون بـ «فيلم» تسجيلي ناطق، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، وبهذا يرى عمله حقيقة لا مجازًا.
وما يثار اليوم عن قضية «الاستنساخ» وإمكان تخليق صورة «طبق الأصل» من إنسان معين، بواسطة خلية واحدة منه، يقرب لنا عقيدة البعث، وإحياء إنسان جديد هو نسخة من الإنسان القديم، بواسطة ما عرف في الشرع باسم «عَجْب الذَّنَب» الَّذي لا يبلى من الإنسان!
ب ـ ويستطيع العلم بمكتشفاته ومقرراته أن يؤيِّد كثيرًا من الأحكام الشرعيَّة ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، وبذلك يزداد الَّذين آمنوا إيمانًا، ويضعف جانب المرتابين والمشككين في كمال الشَّريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكلّ زمان ومكان.
يستطيع علم الطب وغيره أن يعطينا صورة واضحة لما تجنيه «أمُّ الخبائث» الخمر على شاربيها ومدمنيها من أضرار جسيمة على الأفراد، وعلى الأسر، وعلى المجتمعات، ماديًّا ومعنويًّا، وبهذا تتبين حكمة الإسلام في تحريم الخمر، ولعن كلّ من شارك في صنعها، أو الاتِّجار بها أو تقديمها من قريبٍ أو بعيد.
ومثل ذلك المخدَّرات والتدخين، وكل ما يعتاد النَّاس تناوله من مأكول أو مشروب أو مشموم أو غيره، يضر متناوله عاجلًا أو آجلًا، فضلًا عن الأضرار الأخلاقية والنفسية والاجتماعيَّة الأخرى.
وكذلك ما يسببه انتشار الزِّنَى من أمراض تناسلية وغيرها للرجال والنساء، وخصوصًا ما عرف اليوم باسم «الإيدز» بالإضافة إلى آثاره السّيئة على الأنساب والأخلاق والأسر والمجتمع كله. ممَّا يؤكد معنى قوله تعالى:﴿وَلَا تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا﴾[الإسراء: 32].
وتستطيع علوم الأحياء، ووظائف الأعضاء، والطب وغيرها: أن تبين لنا حقيقة الفوارق الفطرية بين الذكر والأنثى ـ وبعبارة أخرى: بين الرجل والمرأة ـ وأنَّ هذا التفاوت لم يكن عبثًا، وأن تجاهله في التشريع والتربية والتعليم والتوجيه، لا يعقب إلَّا أسوأ النتائج، وأن من الخير لكلا الجنسين، وللجماعة كلها: أن يكون لكلّ منهما عمله اللائق به، وثقافته الملائمة لوظيفته في الحياة، وبهذا يتلاقى منطق العلم مع منطق الدين، الَّذي هو منطق الفطرة السّليمة.
وحسبي هنا أن أنقل الكلمات التالية عن رجل يعد من أقطاب العلم التجريبي في عصرنا وهو د. ألكسيس كاريل في كتابه: «الإنسان ذلك المجهول» يقول: «إنَّ ما بين الرجل والمرأة من فروق ليست ناشئة عن اختلاف الأعضاء الجنسية وعن وجود الرحم والحمل، أو عن اختلاف طريقة التربية. وإنَّما تنشأ عن سبب جد عميق، وهو تأثر العضوية بكاملها بالمواد الكيماوية ومفرزات الغدد التناسلية. وإن جهل هذه الوقائع الأساسية هو الَّذي جعل رواد الحركة النَّسائية يأخذون بالرأي القائل بأن كلا الجنسين الذكور والإناث يمكن أن يتلقوا ثقافة واحدة، وأن يمارسوا أعمالًا متماثلة. والحقيقة أن المرأة مختلفة اختلافًا عميقًا عن الرجل، فكل حجيرة في جسمها تحمل طابع جنسها، وكذلك الحال بالنسبة إلى أجهزتها العضوية ـ ولا سيَّما الجهاز العصبي ـ وإن القوانين العضوية (الفسيولوجية) كقوانين العالم الفلكي لا سبيل إلى خرقها! ومن المستحيل أن نستبدل بها الرغبات الإنسانية، ونحن مضطرون لقبولها كما هي. فالنساء يجب أن ينمين استعدادهن في اتجاه طبيعتهن الخاصَّة دون أن يحاولن تقليد الذكور، فدورهن في تقدم المدنية أعلى من دور الرجال، فلا ينبغي لهن أن يتخلين عنه».
وقال أيضًا: «يغفل النَّاس عادة شأن وظيفة الولادة بالنسبة إلى المرأة مع أنَّ هذه الوظيفة ضرورة لكمال نموها، ولذلك كان من الحمق والسخف صرف المرأة عن الأمومة، فلا ينبغي أن يتلقى الفتيات والفتيان ثقافة واحدة، ولا أن يكون لهم أسلوب واحد في الحياة، ولا مثل أعلى واحد، وعلى المربين أن يعتبروا الفروق الجسمية والعقليَّة بين الذكر والأنثى، وما بين دوريهما الطبيعيين، فبين الجنسين فروق لا يمكن أن تزول، ومن الواجب اعتبارها في بناء العالم المتمدن»(32) اهـ .
كلمة منصفة للعقاد:
وأختم هذا المبحث بكلمة معتدلة للكاتب المعروف الأستاذ عبَّاس العقاد، قالها بمناسبة الحديث عن «الإنسان» في كتابه: «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» معقِّبًا على التعريف الجديد الَّذي زيد في العصر الأخير عن حقيقة الإنسان، وهو تعريف العلماء النشوئيِّين القائلين بمذهب التطوُّر ـ أو مذهب النشوء والارتقاء ـ ومعظمهم يُعرِّفون الإنسان بأنَّه حيوان راق، فيضعون هذا التعريف مقابلًا لقول القائلين: إن الإنسان روح منكوس أو ملك ساقط من السَّماء.
ما قول المسلم في هذا المذهب الجديد؟ أتراه يصدقه؟ أتراه يكذبه؟ وهل في نصوص دينه ما يفسر هذا المذهب تفسير الموافقة والقبول؟ وهل في نصوص دينه ما يفسر تفسيرًا يوجب عليه رفضه والإعراض عنه؟
يقول الأستاذ العقاد في كتابه «حقائق الإسلام»: «نحن لا نحب أن نقحم الكتاب في تفسير المذاهب العلمية والنظريات الطبيعية، كلَّما ظهر منها مذهب قابل للمناقشة والتعديل، أو ظهرت منها نظرية يقول بها أناس ويرفضها آخرون. ومهما يكن من ثبوت النظريات المنسوبة إلى العلم، فهو ثبوت إلى حين، لا يلبث أن يتطرَّق إليه الشك، ويتحيَّفه التعديل والتصحيح، وقريبًا رأينا من فضلائنا من يفسر السّماوات السّبع بالسيارات السّبع في المنظومة الشمسية، ثم تبين أن السّيارات أكثر من عشر، وأنَّ الصغار منها تعد بالمئات، ولا يحصرها الإحصاء! فليس من الصواب إذن أن نقحم العقيدة في تفسير أقوال وآراء، ليست من الأصول في علومها، ولا يصح أن تتوقف عليها الأصول، وحسب الدين من سلامة المعتقد وموافقته للعقل: أنَّه لا يحول بين صاحبه وبين البحث في العلم، وقبول الرأي الَّذي تأتي به فتوح الكشف والاستنباط. وعلى هذه السّنة يرجع المسلم إلى آيات كتابه وأحاديث نبيه، فلا يرى فيها مانعًا يمنعه أن يدرس التطوّر ويسترسل في مباحثه العلمية إلى حيث يلهمه الفكر وتقوده التجربة.قال تعالى:﴿ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍۢ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ٨ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ﴾[السجدة: 6 ـ 9]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ﴾[المؤمنون: 12].وإذا اعتقد المسلم أنَّ خلق الإنسان الأول مبدوء من الأرض، وأنَّه مخلوق من سلالة أرضية، فلا عليه بعد ذلك أن يسفر مذهب التطوّر عن نتيجته المقررة كيف كانت على الوجه القاطع المتفق عليه، فما يكون في هذه النتيجة نقض لعقيدة المسلم في أصل الإنسان: أنه جسد من الأرض، وروح من عند الله، وليس في وسع العالم النشوئي أن يدحض هذه العقيدة برأي قاطع أحق منها بالتطبيق والإيمان»(33) اهـ .
بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي للقرآن:
وأودُّ أن أشير هنا إلى قضية لها أهميتها ودلالتها، وهي قضية ما سُمِّي «الإعجاز العلمي» للقرآن، وعلاقته بـ «التفسير العلمي»، فإنَّ هناك خلطًا بينهما، حتَّى كاد بعض النَّاس يجعل كلّ تفسير علمي إعجازًا علميًّا. وهذا ليس بصحيح.
إنَّ مجال التفسير العلمي ما ذكرناه في الصحائف السّابقة، وهو مجال فسيح. أما مجال الإعجاز العلمي، فهو أخص وأضيق من ذلك بكثير.
وكثير من القضايا الَّتي يذكرها إخواننا المفسرون في الحماسة للإعجاز العلمي، نراها قابلة للجدل، ولا تقبل عند الخصم.
فإنك إذا قلت له: من علم محمدًا الأمي في أمة أمية: أن الحديد أنزل من السَّماء، كما يقول إخواننا الكونيون؟ فقد يقول لك قائلهم: وما يدريك أن القرآن قصد ذلك حين قال هذه الجملة: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ﴾[الحديد: 25]؟ فقد يكون المراد: إنا خلقناه بتدبير علوي سماوي، كما في نظائره في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ﴾[الزمر: 6]. وقوله: ﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا﴾[الأعراف: 26].
وهذا ما قلته من قديم، ولا أزال أقوله لإخواننا العلميين المعنيين بهذا اللون من الإعجاز، مثل صديقنا الشيخ عبد المجيد الزنداني، الَّذي عني أبلغ العناية بهذا الإعجاز، وله فيه بحوث معجبة، وجهود طيبة، والَّذي سعى ووفق لإنشاء (هيئة علمية عالمية لإعجاز القرآن) في رابطة العالم الإسلامي، وكذلك صديقنا أ. د. زغلول النجار، أستاذ علوم الأرض، الَّذي له باع رحب ومجهود رائع في هذا الميدان.
ولهذا يجب أن يكون عمدتنا في إثبات هذا الإعجاز، هو القضايا الواضحة المحكمة، الَّتي لا مجال للشك أو للتشكيك في سبق القرآن بها، مثل أطوار الجنين، المذكورة في سورة المؤمنون، وسورة الحج، ومثل قاعدة (الزوجية) في جميع المخلوقات: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾[الذاريات: 49]، ومثل تقرير أن الماء أصل الحياة:﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾[الأنبياء: 30].
ثم إنَّ الإعجاز لا بدَّ أن يسبقه تحد واضح، ودعوة إلى المعارضة بمثل ما يتحدى به، وأن تتوافر الدواعي إلى قبول التحدي، وتنتفي الموانع عن المعارضة، ثم يعجز المعارضون جميعًا.
وفي الإعجاز العلمي لم يحدث هذا التحدي، إذ التحدي القديم كان بالبيان والبلاغة والنظم، كما هو معروف، وإن وجدت أشياء أخرى أضيفت إلى ذلك، مثل الإخبار بالغيوب، وما تضمنه القرآن من هداية وإصلاح وتشريع، ولكن الأساس هو التحدي البياني.
الإعجاز العلمي في حقيقته إعجاز بياني:
بل أقول: إنَّ الَّذي يتبيَّن لي في هذه القضية المهمة، هو: أن ما يُسمَّى الآن «الإعجاز العلمي» هو عند التأمل والتحليل: لون من «الإعجاز البياني» للقرآن. فالإعجاز هنا يكمن في الصياغة القرآنية العجيبة للآيات، أو أجزاء الآيات، الَّتي تتناول هذه الشؤون الَّتي لها صلة بالعلم، أو بالآفاق والأنفس، كما أشار إلى ذلك القرآن حيث قال:﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾[فصلت: 53].
ذلك أنَّ العبارة القرآنية أو الجملة القرآنية، قد جعل الله فيها من المرونة والسعة بحيث يفهمها العقل العربي العادي في عصر نزول القرآن، ويجد فيها المسلم ما يشبع فكره ووجدانه معًا، بالفهم الفطري السّهل الميسر لكلّ قارئ للقرآن. ومع هذا أودع الله الجملة القرآنية من السَّعة والخصوبة ما يتسع لما يكشف عنه الزمن من حقائق، وما يبلغه العلم من تطوُّر وتقدم، كما نشاهد في عصرنا.
ولو كان القرآن كتابًا من تصنيف البشر وتأليف عقولهم، ما كان يمكن لعباراته أن تتسع لمختلف الأزمان، وتطوّرات الإنسان، بل كان مرور الزمن يكشف عن كثير من القضايا الَّتي ذكرت في الكتاب على أنَّها حقائق مسلمة، فإذا هي أوهام مرفوضة.
تحفُّظ المعتدلين من العلميِّين:
وتحفُّظي على التوسُّع في الإعجاز العلمي يشاركني فيه بعض أساتذة العلوم الكبار، من المتخصصين في العلم، والملتزمين بالدين.
من ذلك ما قاله أ. د. عبد الحافظ حلمي في بحثه الَّذي أشرنا إليه من قبل:
«وثمَّة قضية أخرى خطيرة لا بدَّ من إثارتها، فلقد شاع وذاع بين كثير ممَّن يجمعون بين تفسير القرآن الكريم وقضايا العلوم الحديثة: مسارعتهم في كلِّ موضع إلى القول، بأن القرآن الكريم قد سبق العلم في هذا أو ذاك من تلك القضايا. وهذا منزلق خطير له محاذيره، فإنَّه غالبًا ما يكون قولًا جزافًا غير مستند على أساس علمي أو تاريخي. فالأمر الَّذي يكون موضع التأويل لا يعدو في الغالب أن يكون إشارة لطيفة في القرآن الكريم لظاهرة كونية طبيعية ـ هذا إذا صحَّ تخريج المؤول لمعناها ـ وليس من الصواب في شيء الزج بتلك الإشارة الكريمة إلى تحميلها فوق كلّ ما تحتمله، ووضعها موضع التسابق مع أي مبحث علمي مفصل. هذا فضلًا عن أن المؤول يستحضر بعض فصول التاريخ العلمي الحديثة، منذ ما سمي عصر النهضة وما بعده، غير ملتفت إلى أن المعارف البشرية كانت في عهد القرآن متضمنة ما اهتدت إليه الأمم الأولى في الحضارات السّابقة. والكلام في السّبق التاريخي يفتح بابًا للجدل ليس من اليسير في كثير من الأحيان الانتهاء فيه برأي.ولنتأمل ـ على سبيل القياس ـ المعارك الجدلية الكثيرة الَّتي دارت حول تحديد ما حققه المسلمون في إبان نهضتهم الكبرى في عصر حضارتهم الذهبي، ومحاولة المكابرين رده كله أو جله إلى الإغريق.فإذا جاز، مثلًا، أن نشرح للناس ما وصل إليه العلم عن القوى الَّتي تجذب الأجرام السّماوية بعضها إلى بعض، ثم تحفظها متباعدة عن بعضها البعض دون أن تتداعى، وأن نقول: إن هذه القوى كأنَّها المعنية بالعمد الَّتي لا نراها في قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا﴾[الرعد: 2]، فإنَّه لا يجوز أن نقول: إن القرآن الكريم قد سبق إلى ذكر قانون الجذب العام في الرياضة الفلكية النيوتونية.كذلك إذا قرأنا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾[الأنعام: 38]، جاز لنا أن نقول: «تنتظم الكائنات الحية في مجموعات، يختص كلّ منها بصفات تكوينية ووظيفية وطباع معينة. وفي الآية الكريمة تنبيه إلى تباين صور المخلوقات وطرائق معيشتها. فكما أن الإنسان نوع له خصائصه فكذلك سائر أنواع الأحياء. هذا ما يكشفه علم التصنيف كلَّما تعمق دراسة نوع منها»(34).
ولكن لا يجوز أن نعلق قائلين بأنَّ هذا يدلُّ على أن القرآن الكريم قد سبق كارلوس لينيوس في وضع علم التصنيف. فالآية أولًا ليس فيها تصنيف، لا وفقًا لنظام لينيوس ولا غيره من المصنفين، ثم إن محاولات التصنيف ضاربة في التاريخ قبل لينيوس، وإن كان هو واضع أسس المنهاج الَّذي يتبعه البيولوجيون حتَّى وقتنا الحاضر.
ومن قبيل هذا الَّذي قيل عن سبق القرآن الكريم إلى قوانين الجاذبية وعلم التصنيف: ما قيل أيضًا عن انشطار الذرة، وارتياد الفضاء، وقصر المحور القطبي للأرض، في الأمثلة الثلاثة الَّتي سبق ذكرها، وفي كثير غيرها ممَّا يضيق المجال عن حصره وذكره. ولكن لعل أعجب ما قرأت هو رأي كاتب فاضل من علماء الدين يقول: إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾[التكوير: 4]. تنبُّؤ باختراع وسائل الانتقال الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات واستخدامها بدلًا من الإبل (والعشار من النوق ونحوها ما مضى على حملها عشرة أشهر) مع أنَّ السِّياق كله في تعداد أحداث يوم القيامة، ومع بعد المعنى المذكور لأكثر من سبب!
إنَّ القرآن الكريم كتاب منزل من خالق الكون العليم بأسراره ونواميسه، بل إنَّه 4 هو مبدع هذه الأسرار، وفاطر تلك النواميس. فمن العبث أن نعقد سباقًا لا محل ولا معنى له بين كتاب الله العزيز ـ تنزَّهت كلماته ـ وبين علوم البشر، فهي ـ حتَّى وإن بلغت في هذا الزمان شأوًا عظيمًا ـ ليست إلَّا لمحات من علم الله الشامل الكامل.
إنَّ الأقوال الواهية عن «السبق العلمي» للقرآن الكريم لن تقنع غير المؤمن بأن القرآن الكريم كتاب منزل من عند الله، وليس من قول محمَّد النَّبيّ الأمي، صلوات الله وسلامه عليه، فإنَّنا إذا أردنا أن نقنع غير المؤمنين بهذا وجب علينا أن نلجأ إلى أسلوب أكثر إحكامًا.
إنَّ موريس بوكاي، الطبيب والباحث الفرنسي، يقول في كتابه عن «دراسة الكتب المقدَّسة في ضوء المعارف الحديثة»: «لقد أثارت هذه الجوانب العلمية الَّتي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية، فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدعاوي الخاصَّة بموضوعات شديدة التنوّع، ومطابقته تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نصٍّ كُتِبَ منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا».
ثم إنَّ بوكاي، عندما يقارن نصوص القرآن الكريم، بمقابلاتها في الكتب المقدسة الأخرى يقول(35): «إن تصريحات القرآن ـ على العكس ـ مطبوعة بالإيجاز في القول والاتفاق مع المعطيات الحديثة للعلم». وقد تعرض بوكاي لبعض التعليقات العلمية على مواضع متعددة في القرآن الكريم، قد نوافقه على بعضها، وقد نختلف معه ـ من حيث المنهاج والموضوع ـ في بعضها الآخر، ولكنَّه لا يفتأ يؤكد هذا الَّذي ذكره في الاقتباس الأخير، وهو دليل سلبي ولكنَّه قوي، من أنه لم يجد في القرآن الكريم ما ينافي العلوم الحديثة في شيء.
هذا الصدق المطلق الَّذي يجده العلماء في القرآن الكريم هو مصداق لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾[النساء: 82]. ويتضح ممَّا يقوله الإمام البيضاوي: أن الاختلاف المشار إليه في الآية الكريمة ليس مقصورًا على «تناقض المعنى وتفاوت النظم» ـ أي بين آيات القرآن نفسها ـ وإنَّما يشمل أيضًا «مطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض»(36).
وهذا المعنى هو الَّذي استشعره سير جيمس جينس الفلكي العظيم، الَّذي اشتهر بيننا بكتابه الَّذي ترجم إلى العربية بعنوان: «الكون الغامض» عندما قرأ عليه العالم الهندي عناية الله مشرقي معنى الآيتين (27، 28) من سورة فاطر(37)، فصرخ قائلاً: «ما قلت؟ إنَّما يخشى الله من عباده العلماء؟ مدهش، وغريب، وعجيب جدًّا.. إنَّه الأمر الَّذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة (أي بحوث سير جيمس نفسه) من أنبأ محمدًا به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟ لو كان الأمر كذلك، فاكتب شهادة منِّي أن القرآن كتاب مُوحى من عند الله. لقد كان محمَّد أميًّا، ولا يمكنه أن يكشف عن هذا السِّرّ بنفسه، ولكن «الله» هو الَّذي أخبره بهذا السّر.. مدهش وغريب، وعجيب جدًّا»(38).
وتفاصيل هذه الرواية ممتعة وذات مغزى، ويمكن الرجوع إليها في مصدرها.
وكتاب الله العزيز كله معجز، ويستطيع العلماء أن يتلمسوا دلائل إعجازه في شتَّى المجالات. فإذا كنَّا بصدد «إعجازه العلمي» تحتَّم علينا أن نتوخَّى الدقَّة التامَّة، فلا نفتعل مناسبة أن نتشبث بلفظ، أو نحمله فوق كلّ ما يحتمل، أو نجهل أو نتجاهل حقائق التاريخ.
وينبغي أن يكون لنا في الأئمَّة السّابقين أسوة حسنة، حين نرى دقة مناهجهم العلمية عندما تناولوا القرآن الكريم، من نواحيه اللغوية والبلاغية والتشريعية(39).
تكوين العقليَّة العلمية في القرآن:
وأحب أن أشير هنا إلى قضية أراها في غاية الأهمية، وهي لم تأخذ حقها من اهتمام الباحثين في الدراسات القرآنية، وفي رأيي أنَّها أهم من إشارات الإعجاز العلمي، وهي: ما جاء به القرآن من «تكوين العقليَّة العلمية» الَّتي ترفض الظن والخرص، واتباع الأهواء والعواطف والتقليد الأعمى للأجداد والآباء، والطاعة العمياء للسادة والكبراء، وتنظر في ملكوت السَّماء والأرض، وما خلق الله من شيء، وتتعبد لله تعالى بالتفكر في الآفاق والأنفس، مثنى وفرادى، وتعتمد البرهان في العقليات، والتوثيق في النقليات، والمشاهدة في الحسيَّات، إلى آخر ما ذكرناه في فصل كامل في كتابنا: «العقل والعلم في القرآن»(40).
وهذه العقليَّة الَّتي ينشئها القرآن بوصاياه، وتوجيهاته وأحكامه، هي الَّتي تحقق الازدهار العلمي، وتهيئ المناخ لظهور علماء يبحثون ويبتكرون في كلّ مجال، وهو ما حدث في الحضارة الإسلامية، الَّتي جمعت بين العلم والإيمان، بل الَّتي اعتبرت العلم دينًا والدين علمًا، وكان علماؤها أساتذة العالم، وكتبها مراجعهم، وجامعاتها موئلهم، لعدة قرون، وذلك كله بفضل الإسلام الَّذي جعل منهم خير أمة أخرجت للناس.
1. مقدمة تفسير الشيخ شلتوت صـ 11 ـ 14، نشر دار الشروق، مصر.
2. ذكر ذلك د. محمد حسين الذهبي في التفسير والمفسرون (2/495، 496)، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، 1985م.
3. في ظلال القرآن لسيد قطب (1/180 ـ 182)، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 17، 1412هـ .
4. ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (1/90)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1426هـ ـ 2005م.
5. أعتقد أن القرآن لم يتعرض لشرح الذات، إلا من باب نفي الشبيه والنِّدِّ والشريك ونحوها.
6. إحياء علوم الدين (1/289).
7. جواهر القرآن للغزالي صـ 45، نشر دار إحياء العلوم، بيروت، ط 2، 1406هـ ـ 1986م.
8. إحياء علوم الدين (1/289).
9. الإتقان (4/30).
10. أي في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ﴾ [البقرة: 127].
11. انظر: مقدمة التحرير والتنوير (1/44، 45)، نشر الدار التونسية، 1984م .
12. انظر: الموافقات وتعليقات د. عبد الله دراز (2/69) وما بعدها.
13. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري (1913)، ومسلم (1080)، كلاهما في الصيام، عن ابن عمر.
14. الموافقات (2/79).
15. المرجع السابق (2/79، 80).
16. الموافقات (2/80).
17. الموافقات (2/80 ـ 82).
18. أستاذ العلوم البيولوجية في مصر والكويت، وعميد كلية العلوم سابقا بمصر، وأحد كبار المتخصصين المعروفين.
19. نشرتها مجلة عالم الفكر في الكويت صـ 61 ـ 152، العدد (4)، المجلد (12)، سنة 1982م.
20. قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82].
21. قال تعالى: ﴿يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُواْ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍۢ﴾ [الرحمن: 33].
22. ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ﴾ [يونس: 61].
23. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [الرعد: 41].
24. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ۚ أَفَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ﴾ [الأنبياء: 44].
25. بحث بعنوان: العلوم البيولوجية في خدمة تفسير القرآن لمحمد عبد الحافظ حلمي (12/70، 71)، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد (4)، 1402هـ ـ 1982م.
26. هو أ. د. محمد عبد الحافظ حلمي في دراسته التي أشرنا إليها قبل.
27. يشير إلى قوله تعالى في بيان المحرمات في سورة الأنعام: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145].
28. نقله الألوسي في روح المعاني (25/41) ورَدَّ عليه.
29. نقل ذلك الألوسي في روح المعاني (27/106، 107).
30. روح المعاني (27/17، 18).
31. ثقافة الداعية صـ 127 ـ 133، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 15، 1430هـ ـ 2009م.
32. طبيب ومفكر فرنسي، منح جائزة نوبل عام 1912م لأبحاثه الطبية.
33. حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للعقاد صـ 100، 101، نشر دار نهضة مصر، القاهرة، ط 2، 1975م..
34. المنتخب في تفسير القرآن صـ 178، نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر، ط 18، 1416هـ ـ 1995م.
35. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة لموريس بوكاي صـ 144، 1978م.
36. أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (2/86)، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1418هـ .
37. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ ٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُاْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27، 28].
38. مقال وحيد خان، مجلة نقوش الباكستانية صـ 132 ـ 134، 1973م.
39. انظر: العلوم البيولوجية في خدمة تفسير القرآن (12/70 ـ 73).
40. العقل والعلم في القرآن صـ 247 ـ 282، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 4، 1430هـ ـ 2009م.