المقالات

❓ السجع في القرآن

📅 2026-06-03 👁 509 مشاهدة

نص السؤال:

البعض يقول: نرى السَّجع المتكلَّف أو شبه المتكلَّف في القرآن والسُّنَّة، فما رأيكم في هذا؟

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يوجد في القرآن ولا في السُّنَّة سجع متكلَّف، بالعكس القرآن يقول مثلًا: ﴿ٱلرَّحْمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ ٤ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ ٥ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ٧ أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ[الرحمن: 1 ـ 9]، لو كان السَّجع هنا ـ أو الفاصلة القرآنية، وهو التعبير الأولى ـ متكلَّفًا ما كرَّر كلمة الميزان؛ لأنَّ السَّاجع الَّذي يتكلَّف السَّجع لا يُكرِّر الكلمة الواحدة.
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠ فِيهَا فَٰكِهَةٌۭ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: 10 ـ 11]، فعدل عن الألف والنون إلى الألف والميم، وبعد ذلك قال: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: 17]، فعدل عن الألف والميم إلى الياء والنون.
وهذه الفواصل أحيانًا يكون المقصود منها الإيقاع، مثلًا: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًۭا ١ فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًۭا ٢ فَٱلْجَٰرِيَٰتِ يُسْرًۭا ٣ فَٱلْمُقَسِّمَٰتِ أَمْرًا[الذاريات: 1 ـ 4]، ذروا ويسرا هذه ليست سجعًا، إنَّما إيقاع واحد، وبعدها: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌۭ ٥ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌۭ[الذاريات: 5 ـ 6]، الإيقاع واحد ولكن لم يلتزم السَّجع.
أحيانًا يكون السَّجع ماضيًا كما في قوله تعالى مثلًا: ﴿وَٱلطُّورِ ١ وَكِتَٰبٍۢ مَّسْطُورٍۢ ٢ فِى رَقٍّۢ مَّنشُورٍۢ ٣ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ[الطور: 1 ـ 4]، ثم يقول: ﴿وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ ٥ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ[الطور: 5 ـ 6]، فلو كان السَّجع متكلَّفًا لالتزم أن يأتي بدلًا من كلمة «المرفوع» بكلمة فيها واو وراء، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌۭ ٧ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ[الطور: 7 ـ 8].
فالقرآن لا يمكن أن يتكلَّف السَّجع، فهو كتاب معجِز، هل يتكلَّف الله 4 ؟! هل هذا معقول؟ فالقرآن له هذا النظم العجيب الغريب المتميَّز، ويؤثر في الإنسان، وكلُّ سورة لها إيقاعها ولحنها وموسيقاها الخاصَّة، فمثلًا: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًۭا ١ فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًۭا ٢ فَٱلْجَٰرِيَٰتِ يُسْرًۭا، هذا إيقاع، بعدها: ﴿وَٱلطُّورِ ١ وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ[الطور: 1، 2]، إيقاع آخر.
بعدها:﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ[النجم: 1 ـ 4]، إيقاع آخر، وله تأثير في النَّفْس غير تأثير غيره، وكلُّ إيقاع يؤثِّر بصيغةٍ وبطريقةٍ وبأسلوب معين.
بعدها: ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ١ وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةًۭ يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌۭ مُّسْتَمِرٌّۭ ٢ وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍۢ مُّسْتَقِرٌّۭ[القمر: 1 ـ 3]. بعدها: ﴿ٱلرَّحْمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ[الرحمن: 1 ـ 4].
بعدها: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ١ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢ خَافِضَةٌۭ رَّافِعَةٌ[الواقعة: 1 ـ 3]، وهكذا، بعدها سورة الحديد بفاصلة أخرى، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٢ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ[الحديد: 1 ـ 3].
السجع في السُّنَّة:
والأحاديث النَّبَويَّة ـ أيضًا ـ ما جاء فيها من سجعٍ فليس فيه أيُّ تكلُّف، أدعية وتعوُّذات في غاية السُّهولة واليسر والسلاسة، مثلًا دعاء النَّبيِّ : «اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها»(1).
كذلك دعاؤه : «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الجوع؛ فإنَّه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنَّها بئست البطانة»(2). ما أجمل هذا السَّجع!
أو قوله  : «تعوَّذوا بالله من جهْد البلاء، ودَرَك الشقاء، وسُوء القضاء، وشماتة الأعداء»(3). وقوله: «ربِّ أعنِّي ولا تعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصرْ عليَّ، وامكرْ لي ولا تمكرْ عليَّ، واهدِني ويسِّر الهدى إليَّ، وانصرني على من بغى عليَّ، اللهمَّ اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مِطْواعًا، إليك مُخبِتًا ـ أو مُنيبًا ـ ربِّ تقبَّلْ توبتي، واغسلْ حَوْبَتي، وأجِبْ دعوتي، وثبِّت حُجَّتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسلُل سَخِيمةَ قلبي»(4).
ومعظم أحاديث النَّبيِّ مرسلة لا سجع فيها، فلا يلتزم النَّبيُّ السَّجع كما كان الخطباء والكُتَّاب في قرون التخلُّف، حينما التزموا السَّجع البارد، إنَّما هو سجع جميل في غاية الروعة، فالسجع الَّذي في القرآن والسُّنَّة ليس سجعًا متكلَّفًا.
← العودة لقسم مباحث قرآنية