المقالات

❓ الجمع بين الرجاء والخوف

📅 2026-06-02 👁 463 مشاهدة

نص السؤال:

ما رأي فضيلتكم فيمن يستمع إلى آيات الرحمة فقط ولا يستمع إلى آيات العذاب؟ ويكتفي بالقليل من الأعمال ويقول: رحمة الله وسعت كلَّ شيء، هل يتساوى بعمله القليل بمن يعمل لينال أعلى الدرجات في الجنَّة؟

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
كيف يستمع آيات الرحمة ولا يسمع آيات العذاب؟ الله تعالى يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ[الحجر: 49، 50]. هل سيقرأ الآية الأولى ويترك الآية الآخِرة! يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ[الرعد: 6]. هل سيقرأ نصف الآية ويترك النصف الآخر؟ يقول: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾[غافر: 3]. هل سيقرأ نصف الآية ويترك النصف الآخر؟ أيقرأ: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾، ويترك:﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ﴾؟
ما معنى أن يستمع إلى هذه الآيات ويترك هذه الآيات؟ الآيات متصلة بعضها ببعض، المغفرة والرحمة مع البطش والعذاب، وهذا التداخل بين التبشير والإنذار يحدث توازنًا في النفس الإنسانية، وهذه طريقة القرآن، ومنهج القرآن، يمزج الرجاء بالخوف، والخوف بالرجاء، يذكر الجنة ويذكر معها النار، أو العكس، حتَّى يرجو العبد رحمة ربه ويخاف عقابه، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًۭا وَقَآئِمًۭا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[الزمر: 9]. كما قال في آية أخرى عن بعض عباده:﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ[الإسراء: 57].
بل قد تجد هذا المزج في الموضع الواحد، الموضع نفسه بشارة ونذارة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ[يس: 11]. لم يقل خشي القهار، أو خشي الجبار. وإنَّما قال: خشي الرحمن. ليكون تخويفًا في تأمين، وتحريكًا في تسكين، الَّذي تخشاه هو الرحمن، فالعبارة الواحدة تجمع الأمرين معًا، تجمع التخويف والترجية، والتحريك والتسكين معا، فليس من الصواب أن يذكر الأخ آيات الرحمة وينسى آيات العذاب، أو يستمع إلى هذه ويغفل تلك.
رحمة الله ليست مطلقة:
أمَّا أن يكتفي الأخ بالقليل من الأعمال ويقول: رحمة ربِّي وسعت كلَّ شيء، فأولًا رحمة الله وسعت كلَّ شيء حقيقة، ولكنَّ الآيات خصَّت هذه الرحمة، حتَّى هذه الآية الَّتي جاءت في سياق الحديث عن سيدنا موسى، ودعائه ربه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ❁ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، فرد الله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: 155 ـ 156]. فقيَّد في العذاب وأطلق في الرحمة، خصص في العذاب وعمَّم في الرحمة. ثم قال بعد هذا مباشرة: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ١٥٦ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ﴾ [الأعراف: 156 ـ 157]. فرحمة الله ليست مطلقة هكذا، مفتوحة على مصراعيها، هي مقيدة، ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾، وكما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].
ولذلك حينما سأل هشام بن عبد الملك الإمام أبا حازم في مقابلة تاريخية ذكرها العلماء، سأله عدة أسئلة، وكان ممَّا سأله أن قال له: يا أبا حازم، ما بالنا نحب الدُّنْيا ونكره الموت؟ فقال له: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، والإنسان يكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب. ثم قال له: فما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله، فقد قال: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍۢ ١٣ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍۢ﴾[الانفطار: 13 ـ 14]. فلو كان عملك عمل الأبرار فأنت في نعيم، وإن كان عملك عمل الفجار تكون في جحيم، قال: فأين رحمة الله؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين، فإذا كنت تبحث عن رحمة الله فإن رحمة الله قريب من المحسنين(1).
حكم الاتكال على رحمة الله مع ترك العمل:
أمَّا أن يعمل الإنسان المعاصي والسيئات ويتكل على رحمة الله ويقول: ربنا رحمته واسعة، فلا يجوز.
ما بالُ قلبِك ترضى أن تدنِّسَه
وثوبُك الدهرَ مغسولٌ من الدَّنَسِ؟
ترجو النَّجاةَ ولم تسلُكْ مسالكَها
إنَّ السَّفينةَ لا تجري على اليَبَسِ(2)!
ترجو النجاة من النَّار ومن عذاب الله وأنت لم تسلك مسالك الناجين؟ السَّفينة لا تجري على اليابسة، لكنَّها تجري في الماء، تريد أن تجعل المركب تمشي على الأرض الجافة؟ هذا غير ممكن!
وما معنى أنَّ الأخ يعمل قليلًا؟ هل يؤدِّي الفرائض؟ إذا كان يؤدِّي الفرائض ويجتنب الكبائر، فهو إلى خير إن شاء الله؛ لأن أهم شيء أن يؤدِّي الإنسان الفرائض، النَّبيّ جاءه أعرابي يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله : «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا، إلَّا أن تطوَّع. وصيام شهر رمضان». فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: «لا، إلَّا أن تطوَّع». وذكر له رسول الله الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلَّا أن تطوَّع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله، لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه. فقال رسول الله : «أفلح إن صدق»(3).
فمعنى هذا أنَّ الإنسان إذا كانت أعماله قليلة، ولكنَّه يحافظ على الفرائض محافظة جيدة، بحيث لا يخرِمها ولا يخدشها، ويحافظ على الامتناع عن المحرمات وخصوصًا الكبائر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا﴾ [النساء: 31]. ثم بعد ذلك الصلاة والصيام وغيرها إذا أداها الإنسان على وجهها تكفر عنه الصغائر، كما جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهنَّ ما لم تُغْش الكبائر»(4).
الاتِّكال على رحمة الله مع قلَّة العمل:
فإذا كان يفعل هذه الأشياء ويتَّكل على عفو الله، فلا بأس بذلك، أما إذا كان يرتكب المحرمات، ويعمل القليل من الحسنات، ويتَّكل على عفو الله؛ فلا.
هناك ميزان سيحكم، الحَكَم هو الميزان، يوم تُنصب الموازين، وتنشر الدواوين، كلّ منَّا يقرأ كتابه،﴿اقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا[الإسراء: 14]. انظر ميزانك، لا أحد يظلمك، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ[غافر: 17]، ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ[الأنبياء: 47]، ﴿إنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ[النساء: 40].
فالميزان هو الحَكَم، كما قال الله 8 ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ شَرًّۭا يَرَهُۥ[الزلزلة: 7 ـ 8]. من ثقُلَتْ ورجحت كفة حسناته ولو بحسنة واحدة؛ فهو من أهل الجنة، أما إذا كانت كِفَّة السّيئات هي الراجحة وهي الثقيلة كان ـ والعياذ بالله ـ من أهل النار، ولو فرض أنَّهما تساويا وتعادلا ـ وهذا نادر ـ فهو إلى الله 8 ، والغالب أنه ينجو إن شاء الله؛ لأنَّه أقرب إلى عفو الله 8 .
المؤمن يترقى بنفسه:
ولكن المفروض أنَّ المسلم يحاول أن يترقى بنفسه، والطالب الكسول هو من يقول: أنجح بتقدير مقبول. يا أخي، أَعْلِ همَّتك، قل: أنجح بتقدير جيِّد. وإذا كانت لديك همة أعلى قل: أنجح بتقدير جيد جدًّا. وإذا كانت الهمَّة أعلى وأعلى قل: أريد أنجح بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.
فالمسلم ينبغي أن يرتقي بنفسه، الله تعالى يقول:﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ [الزمر: 17 ـ 18]. ليس فقط يتبع الحسن، وإنَّما يتبع الأحسن.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا[الملك: 2]. فلا ينبغي أن يكتفي بالفرائض، وإنَّما يحاول أن يؤدِّي السّنن والنوافل، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته، كنتُ سمعَه الَّذي يسمع به، وبصره الَّذي يبصر به، ويده الَّتي يبطش بها، ورجله الَّتي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»(5). أي أنه يصبح ربانيًّا في حركاته وسكناته وأموره كلها.
إذا تقرَّب إلى الله بالفرائض وصل إلى مرتبة القرب، فإذا زاد بالنوافل وصل إلى مرتبة الحبِّ، أحبَّ الله، وأحبَّه الله 8 .
المؤمن يطلب الأفضل:
فعلى المسلم ألَّا يكتفي بأقلِّ الدرجات، بل يحاول أن يصل إلى أعلى الدرجات، النَّبيُّ يقول: «إِذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس؛ فإنَّه أوسط الجنَّة، وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن 8 »(6).
فالمطلوب من المؤمن أن يطلب أعلى الدرجات، ولا يتساوى من يرضى بأدنى الدرجات بمن يطلب أعلى الدرجات، الله تعالى يقول:﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٩٥ دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا[النساء: 95 ـ 96].
← العودة لقسم مباحث قرآنية