2026-06-02
577
«لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة»
ما مدى صحَّة الحديث الَّذي يقول: «لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»؟ فإنَّ بعض من يدَّعون نصرة المرأة يردُّون هذا الحديث قائلين: إنَّه يتنافى مع حديث: «خذوا نصفَ دينكم عن الحميراء» يعني عائشة!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الجهل مصيبة كبيرة، فإذا اجتمع إليه الهوى كان الطامَّة الكبرى،﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[القصص: 50].
لهذا لا نعجب ـ وقد توافر الجهل والهوى ـ أن يُرَدَّ الحديث الصحيح، ويصحح الحديث المردود.
فالحديث الأول حديث صحيح، مروي عن أبي بكر 3 قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة». رواه البخاري وأحمد والنسائي والتِّرْمِذيُّ(1). وتلقاه علماء المسلمين في سائر الأعصار بالقبول، وبنوا عليه حكمهم بأنَّ المرأة لا تلي على الرجال ولاية عامَّة.
بينما الحديث الآخر: «خذوا شطرَ دينِكم عن الحميراء». قال فيه الحافظ ابن حجر: لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث؛ إلَّا في النهاية لابن الأثير، ولم يذكر من خرَّجه(2)، وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير: ليس له أصل، ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المِزِّي فقال: لا أصل له(3).
هذا إذا نظرنا إلى الحديث من ناحية سنده ورواته.
فإذا نظرنا إليه من ناحية متنه وموضوعه، وجدنا العقل ينكره، والواقع يرده.
(أ) فكيف يأمرنا النَّبيُّ ! أن نأخذ نصف الدِّين عن الحميراء ـ أي عائشة ـ وحدها؟ وماذا نأخذ عن بقية الصحابة وهم كثير؟ وأي نصف نأخذ؟ وأي نصف ندع؟
(ب) على أن كلمة «الحميراء» وهو تصغير تمليح لكلمة «حمراء» من كلمات التدليل والمباسطة الَّتي يجوز أن يذكرها النَّبيُّ 0 : في أحاديثه الخاصَّة لنسائه، غير أنه يبعد أن يذكرها في مقام التعليم والإرشاد العام للأُمَّة كالمقام الَّذي معنا.
والواقع يدلنا أيضًا أنَّ علماء الإسلام لم يأخذوا عن عائشة نصف الدين، ولا ربعه ولا عُشره، لا من جهة الرواية، ولا من جهة الدراية.
فمن حيث الرواية نرى ألوفًا من الصحابة ـ رجالًا ونساء ـ أسهموا في تبليغ هدي رسولهم أقوالًا وأفعالًا وأحكامًا وتقريرات، وعائشة فرد من هذا العدد الضخم، ومهما تُكثر، فلن تبلغ ما روى أبو هُرَيْرة.
ومن جهة الدراية والفقه والفتوى لا يقبل العقل ولا الواقع التَّاريخي أن تنفرد عائشة بشطر الدين. فأين نصيب الصحابة الكبار من أمثال أبي بكر وعمر، وعلي وابن مسعود، وأبيِّ بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأصحاب هذه الطبقة، ثم من خلفهم من الصحابة أمثال العبادلة الأربعة: ابن عمر وابن عبَّاس، وابن عمرو وابن الزبير وغيرهم؟
إنَّ أحاديث الفضائل يجب أن تُؤخذ بحذر شديد، وقد قرَّر الحفَّاظ أن أوَّل معنى طرقه واضعو الحديث هو فضائل الأشخاص، وبخاصَّة الَّذين كان لهم أنصار مغالون وخصوم متطرِّفون، وعائشة # من هؤلاء.
هذا، وفي آيات الكتاب العزيز من سورة النور وفي السُّنن الصحيحة والحسنة في فضل عائشة ما يغنينا عن حديث يتَّسم بالغلوِّ والإفراط، وينكره العقل والواقع، وقد قال ابن الجوزي في مقدمة كتابه «الموضوعات»: «ما أحسن قول القائل: كلُّ حديثٍ رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلمْ أنَّه موضوع، فلا تتكلَّف اعتباره»(4).
1. رواه البخاري في المغازي (4425)، وأحمد (20402)، والترمذي في الفتن (2262)، والنسائي في آداب القضاة (5388).
2. نقل كلام الحافظ ابن حجر السخاوي في المقاصد الحسنة (432)، تحقيق محمد عثمان الخشت، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1405هـ ـ 1985م.
3. البداية والنهاية لابن كثير (11/339)، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر دار هجر، القاهرة، ط 1، 1418هـ ـ 1997م.
4. الموضوعات لابن الجوزي (1/106)، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط 1، 1389هـ ـ 1966م.