2026-06-02
649
حديث: «اللهمَّ أَعْطِ منفقًا خَلَفًا»
في الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ يقول: «ما من يوم طلعت شمسُه إلَّا وملكان يناديان: اللهمَّ أعطِ منفقًا خلفًا، ومُمْسكًا تلفًا».
هذا، ولكنَّنا نرى عكس الحديث في الحياة! نرى أناسًا ينفقون ويتصدَّقون ويفعلون الخير، وهم في ضِيق من العيش، ونرى غيرهم ممسكين بخلاء لا ينفقون مليمًا واحدًا لوجه الله، وحالتهم المالية في ازدياد، فهل هذا الحديث صحيح أم مكذوب؟ وإذا كان صحيحًا فأين خلف المنفقين، وتلف الممسكين؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحديث المذكور حديث صحيح، متفق عليه، عن أبي هُرَيْرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلَّا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ ممسكًا تلفًا»(1).
وقد ورد في معنى الحديث أحاديث أُخَر، كلها تؤيد هذا المعنى، منها ما رواه مسلم والتِّرْمِذيّ، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: «يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرٌّ لك»(2).
وهل هناك أصدق من كتاب الله الَّذي يقول في الحث على الإنفاق والانتصار على دواعي البخل:﴿الْشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾[البقرة: 268]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾[سبأ: 39].
قال ابن كثير في تفسيرها: أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم الله به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدُّنْيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب. كما ثبت في الحديث، ويقول الله تعالى: «أَنفِقْ أُنفِقْ عليك»(3).
والَّذي أثار اللبس عند السَّائل إنَّما هو حصره للخلف والتلف في دائرة المال. والأمر أعمق من هذا وأوسع، فالخلف هو العوض الَّذي يكافئ به الله الغني الكريم عباده المنفقين، وهو أكرم من أن يجعله مقصورًا على المال فقط، بل قد يكون صلاحًا في الأهل، أو نجابة في الأولاد، أو عافية في البدن أو بركة في القليل، وقد يكون أمرًا معنويًّا خالصًا، كهداية إلى حق، وتوفيق إلى خير، وانشراح في الصدر، وسكينة في القلب، ومحبة في نفوس الخلق، وشعور بحلاوة الإيمان ورضوان الله تعالى، فضلًا عمَّا أعدَّه الله في الآخرة لعباده الصالحين، ممَّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].
إنَّ مكافأة الله المنفقين في سبيله لأعظم من أن تقتصر على الحياة الدُّنْيا، ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ﴾[الأعلى: 17]، وأرفع من أن تقتصر على الرزق المادي وحده، والعارفون يعلمون أنَّ الأرزاق الروحيَّة أنفس وأخلد من كلِّ ما ترنو إليه الأبصار من متاع الدنيا. وموازين الله ورسوله في تقدير الأشياء ليست كموازين أهل الدنيا. اقرأ هذه الآيات: ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس: 58]، ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ﴾[طه: 131]، ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا﴾[الكهف: 46]، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْءَاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾[الشورى: 20].
واقرأ هذه الأحاديث: «ركعتا الفجرِ خيرٌ من الدُّنْيا وما فيها»(4)، «لغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحة خيرٌ من الدُّنْيا وما فيها، وموضع سوطِ أحدِكم من الجنَّة خير من الدُّنْيا وما فيها»(5).
وإذا اتضح لنا معنى دعاء الملك: «اللهمَّ أعطِ مُنفقًا خلفًا» بان لنا معنى دعاء الآخر: «اللهمَّ أعطِ مُمسكًا تلفًا»(6).
فالتلف هو العقوبة الَّتي يجازي الله بها الممسكين، وهو لا ينحصر في خسارة المال أيضًا، ولكنَّه قد يتناول البدن، أو الأهل أو الولد، أو العلاقة بالناس، إلخ. وقد يكون قلق النفس، وشك القلب، وضيق الصدر ممَّا يفسد على المرء حياته، ويحرمه الاستمتاع بماله الوفير، ويحييه في عذاب مقيم. فضلًا عمَّا ادخر الله لمثله في الآخرة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ﴾[الرعد: 34]. وفي بعض الأحاديث ما يفيد أن دعاء الملكين مطابق لما جاء في القرآن من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ٦ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ ٧ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ ٨ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ ٩ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْرَىٰ﴾[الليل: 5 ـ 10]، فالتَّيسير لليسرى هنا مقابل لقول الملك: أعطِ مُنفقا خلفًا، والتَّيسير للعُسرى مقابل لقول الآخر: أعطِ ممسكًا تلفًا. ممَّا يدلُّ على أنَّ الأمر أوسع وأكبر من الخلف في المال والتلف فيه.
1. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري (1442)، ومسلم (1010)، كلاهما في الزكاة، عن أبي هريرة.
2. رواه مسلم في الزكاة (1036)، والترمذي في الزهد (2343).
3. تفسير ابن كثير (6/523). والحديث متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التفسير (4684)، ومسلم في الزكاة (993)، عن أبي هريرة.
4. رواه مسلم في صلاة المسافرين (725)، عن عائشة.
5. رواه البخاري في الرقاق (6415)، عن سهل بن سعد الساعدي. ورواه مختصرا في الجهاد والسير (2792)، ومسلم في الإمارة (1880)، عن أنس.
6. سبق تخريجه صـ 348.