المقالات

❓ حديث: «بعثت بين يدي السَّاعة بالسيف»

📅 2026-06-02 👁 755 مشاهدة

نص السؤال:

يستند بعض دعاة العنف من الفصائل المسلحة، الَّتي تنسب نفسها إلى الإسلام، أو ينسبها النَّاس إلى الإسلام ـ في جملة ما يستندون إليه ـ إلى حديث نبوي شريف، يزعمون أنَّه صحيح، وهو الحديث الَّذي يقول فيه الرسول : «بُعثت بين يدي السَّاعة بالسيف، حتَّى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رِزقي تحت ظلِّ رُمحي، وجُعل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمري. ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم».
ونحن نعلم أنَّ علم الحديث ورجاله: بحر واسع عميق، لا يستطيع السِّباحة فيه أو الغوص في أعماقه إلَّا أهله، ولذا وقفنا أمام هذا الحديث لنسأل أهل الذكر: أهذا الحديث صحيح حقيقة أم لا؟ وإن كنَّا من ناحية المعنى ننكره، فإنَّ الرسول الكريم بعث بالحجة والإقناع والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وليس بالسيف والعنف، والله تعالى يقول:﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ[البقرة: 256].
نرجو من سماحتكم إلقاء ضوء كاشف على القيمة العلمية لهذا الحديث الَّذي تمسك به المتشددون، وشنَّع به المشنِّعون من أعداء الإسلام: أنَّ هذا الدين دين السَّيف.
ورأينا انتشار ظاهرة العنف الدموي في عدد من بلادنا الإسلامية، نتيجة لشيوع هذه الثقافة الملغومة، الَّتي تغذي بها عقول الشباب الغض، فينحرفون عن الطريق، ويستبيحون الحرمات، ويسفكون دماء البرآء بغير حقٍّ، بدعوى أنَّ الإسلام «دين السَّيف». وهو يعني عندهم استعمال القوة الماديَّة والعسكرية ـ وليس غيرها ـ في التغيير والإصلاح. سدَّد الله خطاكم، ونفع بكم.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدَّثنا محمَّد بن زيد ـ يعني الواسطي ـ أخبرنا ابن ثوبان، عن حسَّان بن عطيَّة، عن أبي منيبٍ الجُرَشي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله : «بُعثتُ بالسَّيف، حتَّى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رِزقي تحت ظلِّ رُمحي، وجُعل الذُّلُّ والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم»(1).
الحديث رقم (5114، 5115) من المسند بتحقيق شاكر.
نظرة في الحديث من جهة إسناده:
ولنا في هذا الحديث نظرتان: نظرة فيه من جهة الإسناد، ونظرة فيه من جهة المتن.
وإذا نظرنا في إسناده وجدنا عددًا من العلماء المعاصرين خرجوه. فلننظر ماذا قالوا؟
تخريج الشيخ أحمد شاكر:
قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه: إسناده صحيح. ابن ثوبان: هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، سبق الكلام عليه (3281) و(4968). وحسان بن عطية المحاربي الدمشقي: ثقة؛ وثَّقه أحمد وابن معين وغيرهما، وترجمه البخاري في الكبير (2/1/31). وأبو منيب الجُرَشي الدمشقي الأحدب: تابعي ثقة؛ وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات، وترجمه البخاري في الكُنى رقم (658). والجُرَشي (بضم الجيم وفتح الراء، وبالشين المعجمة): نسبة إلى «بني جُرَش» بطن من حمير.
قال: والحديث ذكر البخاري بعضه في الصحيح (6: 72) معلقًا، قال: «باب ما قيل في الرماح، ويُذكر عن ابن عمر، عن النبيِّ : «جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذُّلُّ والصَّغار على من خالف أمري». وخرجه الحافظ في الفتح عن المسند من هذا الوجه، ثم قال: وأخرج أبو داود منه قوله: «من تشبَّه بقومٍ فهو منهم» حسن من هذا الوجه. وأبو منيب لا يُعرف اسمه. وفي الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: مختلف في توثيقه.
وأورد الهيثمي الحديث في (مجمع الزوائد: 6/49) وقال: رواه أحمد، وفيه: عبد الرحمن بن ثابت، وثقه ابن المديني وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
ولما رجعت إلى الحديث رقم (3281)، الَّذي سبق للشيخ شاكر فيه توثيق ابن ثوبان، وجدته قال عنه: قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال أيضًا: لم يكن بالقوي في الحديث.
وقال أيضًا: كان عابد أهل الشام.
وقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأمَّا ابن معين فكان يضعفه، وأمَّا علي ـ يعني: ابن المديني ـ فكان حسن الرأي فيه، قال: ابن ثَوْبَان رجل صدق لا بأس به، وقد حمل عنه الناس. ووثَّقه الفلَّاس ودحيم وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. واختلفت الرواية فيه عن ابن معين، فروي عنه أيضًا أنه قال: صالح.
قال الشيخ شاكر: والظاهر: أنَّهم تكلَّموا فيه من أجل القدر، ومن أنَّه تغيَّر عقله في آخر عمره، ولم يذكره البخاري ولا النَّسائي في الضعفاء، وصحح له التِّرْمِذيّ حديثًا. انتهى.
هذا ما انتهى إليه العلامة الشيخ شاكر 5 ، فقد صحَّح إسناد الحديث، برغم ما في الرجل من خلاف شديد حول توثيقه أو تضعيفه. والشيخ شاكر معروف بتساهله في التصحيح، فلا يكاد يوجد راو مختلف فيه إلَّا ووثقه واعتمده. وقول الإمام أحمد: أحاديثه مناكير يدلُّ على أنه لم يضعفه من أجل القدر كما قال الشيخ.
وقد رأيناه نقل عن حافظين كبيرين ذكرا الحديث ولم يصحِّحاه:
أحدهما: الحافظ نور الدين الهيثمي، «صاحب مجمع الزوائد».
والثاني: الحافظ ابن حجر في «الفتح»(2).
وكلاهما ذكر الحديث، وذكر ما في راويه ابن ثَوْبَان من خلاف. وممَّا يُؤخذ على كلام الشيخ شاكر: أنَّه قال: ذكر البخاري بعضه في الصحيح معلقا، وكان ينبغي أن يقول: بغير صيغة الجزم، بل بصيغة التمريض والتضعيف. لأنَّه قال: ويُذكر عن ابن عمر، إلخ.
تخريج الألباني:
وقد فتح الشيخ شاكر باب تصحيح هذا الحديث للمعاصرين، فنجد الشيخ ناصر الدين الألباني صححه في أكثر من كتاب له.
ففي صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم (2831) ذكر أنَّه صحيح، وأشار بالرجوع إلى كتابه: حجاب المرأة (104) والإرواء (1269).
وبالرجوع إلى «الإرواء» ـ أعني «إرواء الغليل في تخرج أحاديث منار السّبيل»، وقد ذكر صاحب المنار الجزء الأخير من الحديث وهو الَّذي أخرجه أبو داود منه، وهو: «من تشبه بقوم فهو منهم» ـ قال في تخريجه: صحيح. أخرجه أحمد (2/50، 92) وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ق 92/2) وابن أبي شيبة في «المصنف» (1/150/7) وأبو سعيد ابن الأعرابي في «المعجم» (ق 2/110) والهروي في «ذم الكلام» (ق 2/54) عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: ثنا حسَّان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله : «بُعثت بين يدي السَّاعة بالسَّيف حتَّى يُعبد الله وحدَه لا شريك له، وجُعل رِزقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم».
قلتُ[القائل الألباني]وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات غير ابن ثَوْبَان هذا، ففيه خلاف، وقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق، يخطئ، وتغير بآخره».
وقد علق البخاري في «صحيحه» (6/72) الجملة الَّتي قبل الأخيرة، والَّتي قبلها(3)، ولأبي داود منه (4031) الجملة الأخيرة.
ولم يتفرد به ابن ثوبان، فقال الطحاوي في «مشكل الآثار» (1/88): حدّثنا أبو أمية، حدَّثنا محمَّد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن حسَّان بن عطية به.
قلت (الألباني): وهذا إسناد رجاله ثقات، غير أبي أمية واسمه محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي قال الحافظ في «التقريب»: «صدوق، صاحب حديث، يَهِم».
والوليد بن مسلم ثقة محتجٌّ به في الصحيحين، ولكنَّه كان يدلِّس تدليس التسوية، فإن كان محفوظًا عنه، فيخشى أن يكون سواه.
وقد خالفه في إسناده صدقة فقال: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرة، عن النبيِّ به.
أخرجه الهروي (ق 1/54) من طريق عمر بن أبي سلمة، حدَّثنا صدقة به.
وصدقة هذا: هو ابن عبد الله السَّمين الدمشقي، وهو ضعيف.
وخالفهما عيسى بن يونس فقال: عن الأوزاعي، عن سعيد بن جبلة، عن طاوس: أنَّ النَّبيَّ قال، فذكره.
أخرجه ابن أبي شيبة (1/150/7).
قلت (الألباني): وهذا مرسل، وقد ذكره الحافظ في «الفتح» (6/72) من رواية ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبلة مرسلًا، لم يذكر فيه طاوسًا وقال: «إسناده حسن».
كذا قال، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن جبلة، وقد أورده ابن أبي حاتم (10/1/2) من رواية الأوزاعي عنه وقال عن أبيه: «هو شامي». ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وهو على شرط ابن عساكر في «تاريخه» ولم يورده فيه.
ثم أخرجه الهروي (1/54 ـ 2) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/129) من طريق بشر بن الحسين الأصبهاني ثنا الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعًا به.
قلت (الألباني): وبشر هذا متروك متَّهم، فلا يفرح بحديثه. انتهى من إرواء الغليل.
وبهذا تبيَّن لنا أنَّ الحديث لم يأتِ من طريق واحدة صحيحة متصلة، سالمة من النقد، وإنَّما صححه مَنْ صححه بطرقه، وكلها لا تسلم من مقال، ولم تكثر إلى درجة يُقال: يقوي بعضُها بعضًا. على أنَّ التصحيح بكثرة الطرق ـ وإن لم يكن معروفًا عند المتقدمين من أئمَّة الحديث ـ إنَّما يعمل به في القضايا اليسيرة، والأمور الجزئية البسيطة، لا في مثل هذا الأمر الَّذي يعبر عن عنوان الإسلام واتَّجاهه: هل بُعث رسوله بالرحمة أو بُعث بالسيف؟!
تخريج الشيخ شعيب:
وأمَّا الشيخ شعيب الأرناؤوط، فله تخريجان للحديث: قديم وحديث.
فأمَّا القديم ففي تخريج أحاديث «زاد المعاد» عندما حقَّقه منذ سنين، وكان فيه مقلِّدًا أكثر منه محقِّقًا ومستقلًّا، فحسَّن إسناده.
وأمَّا الجديد، ففي تخريجه للمسند، حيث أصبح أكثر نضجًا واستقلالًا من ناحية، وحيث غدا يشاركه خمسة آخرون من العلماء، فهو عمل جماعي له قيمته.
ففي تخريج الزاد بعد أن ذكر ابن القيِّم الحديث مستشهدًا به على أن الذُّلَّ والصَّغار على من خالف أمر محمَّد ، قال شعيب: أخرجه أحمد في «المسند»: (2/50، 92) وسندُه حسن، وجوَّد ابن تيمية إسناده في «الاقتضاء» ص29، وصححه الحافظ العراقي في «الإحياء» وحسنه الحافظ في «الفتح» (10/230) وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو داود (4031)، وعلَّق طرفًا منه البخاري في «صحيحه» (6/72)، وله شاهد مرسل بسند حسن، أخرجه ابن شيبة من طريق الأوزاعي (حاشية «زاد المعاد» (1/35) طبعة الرسالة).
ويلاحظ هنا: أنَّ الحافظ في «الفتح» لم يحسنه، بل ذكر الاختلاف في توثيق ابن ثوبان، وإنَّما حسَّن الشاهد المرسل له(4)، كما يلاحظ أنَّ الشيخ شعيب قلَّد الشيخ أحمد شاكر حين ذكر أن البخاري علَّق طرفًا منه، ولم يُشِر إلى أنه بصيغة التضعيف.
وفي تخريج المسند: في الجزء السَّابع الَّذي اشترك فيه مع الشيخ شعيب: محمَّد نعيم العرقسوس وإبراهيم الزئبق، قالوا: إسناده ضعيف، على نكارة في بعض ألفاظه. ابن ثوبان: اختلفت فيه أقوال المجرِّحين والمعدِّلين، فمنهم من قوَّى أمره، ومنهم من ضعَّفه، وقد تغيَّر بآخره. وخلاصة القول فيه: أنَّه حسنُ الحديث إذا لم يتفرَّد بما ينكر، فقد أشار الإمام أحمد إلى أن له أحاديث منكرة، وهذا منها(5).
وذكروا ممَّن أخرجه: عبد بن حميد، والطبراني في مسند الشاميين، وابن الأعرابي في معجمه. والبيهقي في الشعب: أربعتهم عن ابن ثوبان، وزادوا فيه بعد قوله: «بعثت بالسيف»: «بين يدي السَّاعة». وعلَّق البخاري (6/98 الفتح) بعضه بصيغة التمريض.
وأخرجه الطحـاوي في «شرح مشكل الآثار» بإسناده، وفيه ثلاث علل، بينوها بتفصيل. ثم قالوا: فهذه العلل الثلاث مجتمعة لا يمكن معها تقوية الحديث المرفوع بمتابعة الأوزاعي لابن ثوبان. والله تعالى أعلم(6).
وأزيد هنا فأقول: إنَّ الإمام أحمد لم يقل: إنَّ له أحاديث منكرة، بل قال: أحاديثه مناكير. وهذه العبارة أشدُّ من الأولى.
ما قاله رجال الجرح والتعديل عن ابن ثوبان:
ويحسن بنا هنا استكمالًا للبحث أنَّ نضع بين يدي القارئ المهتمِّ أقوالَ أئمَّة الجرح والتعديل في عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، أحد الرواة، الَّذي اختلف في توثيقه، كما رأينا، وهو سبب ضعف هذا الحديث.
ونكتفي هنا بكتاب لعلَّه أهم الكتب في هذا الباب، وهو: كتاب «تهذيب الكمال» للمِزِّي، وهو خاصٌّ برواة الكتب السِّتَّة، وقد تفرع عنه عدَّة كتب، مثل: «تهذيب التهذيب» لابن حجر، و«تقريب التهذيب» له أيضًا، و«تذهيب تهذيب الكمال» للذهبي، و«خلاصة تذهيب تهذيب الكمال» للخزرجي. وأمُّها جميعًا: «تهذيب الكمال» للمِزِّي.
ما نقله المِزِّي في تهذيب الكمال:
أمَّا ما ذكره الحافظ المِزِّي في تهذيب الكمال عن ابن ثوبان، فقد قال في ترجمته برقم (3775): قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير.
وقال محمَّد بن علي الوراق، عن أحمد بن حنبل: لم يكن بالقوي في الحديث.
وقال أبو بكر المروذي، عن أحمد بن حنبل: كان عابد أهل الشام. وذكر من فضله، قال: لما قدم به دخل على ذاك الَّذي يقال له المهدي، وابنته على عنقه.
وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، عن يحيى بن مَعِين: صالح.
وقال في موضع آخر: ضعيف.
وقال عبَّاس الدُّوري، عن يحيى بن مَعِين: ليس به بأس.
وكذلك قال علي بن المَدِيني، وأحمد بن عبد الله العِجْلي، وأبو زُرْعة الرازي.
وقال معاوية بن صالح، وعثمان بن سعيدٍ الدَّارمي، وعبد الله بن شعيب الصابوني، عن يحيى بن مَعِين: ضعيف.
زاد معاوية: فقلتُ: يُكتب حديثُه؟ قال: نعم على ضعفه، وكان رجلًا صالحًا.
وقال أبو بكر بن أبي خَيْثمة، عن يحيى بن مَعِين: لا شيء.
وقال يعقوب بن شَيْبة السَّدُوسي: اختلف أصحابنا فيه، فأمَّا يحيى بن مَعِين، فكان يُضَعِّفه، وأمَّا عليُّ بن المَدِيني فكان حسنَ الرأي فيه، وقال: كان ابن ثَوْبان رجلَ صِدْق، لا بأسَ به، استعمله أبو جعفرٍ والمهديُّ بعدَه على بيت المال، وقد حمل النَّاس عنه.
وقال عمرو بن عليٍّ: حديث الشاميِّين كلُّهم ضعيف إلَّا نفرًا، منهم: الأوزاعي وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. وذكر آخرين.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن دُحَيم: ثقة، يُرمَى بالقدر، كتب إليه الأوزاعيُّ، فلا أدري أي شيء ردَّ عليه.
وقال أبو حاتم: ثقة.
وقال في موضع آخر: يشوبه شيء من القدر.
وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وكان مجاب الدعوة، وليس به بأس، وكان على المظالم ببغداد.
وقال النَّسائي: ضعيف.
وقال في موضع آخر: ليس بالقويِّ.
وقال في موضع آخر: ليس بثقة.
وقال صالح بن محمَّد البغدادي: شاميٌّ صدوق، إلَّا أنَّ مذهبه مذهب القدر، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول مُسندةً، وحديث الشاميِّ لا يُضمُّ إلى غيره، معروف خطؤه من صوابه.
وقال في موضعٍ آخر: لم يسمع من بكر بن عبد الله شيئًا، وإنَّما يروي عن أبيه، وعن الشاميِّين.
وقال ابن خِرَاش: في حديثه لِين.
وقال أبو أحمد بن عديٍّ: له أحاديث صالحة، يحدث عنه عثمان الطرائفي بنسخة. ويحدث عنه يزيد بن مرشل بنسخة، ويحدث عنه الفريابي بأحاديث، وغيرهم، وقد كتبت حديثه عن ابن جُوصى وابن أبي عَرُوبة من جمعيهما، ويبلغ أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه، وأبوه ثقة.
وذكره ابن حِبَّان في كتاب «الثقات».
وقال أبو بكر الخطيب: كان ممَّن يُذكر بالزهد والعبادة والصدق في الرواية. انتهى
وبهذا يتبيَّن لنا أنَّ مجرحيه أكثر، وأن موثقيه ـ وهم قلَّة ـ لم يوثِّقوه بإطلاق. فدحيم الَّذي وثقه قال: يُرمى بالقدر، كتب إليه الأوزاعي، فلا أدري أي شيء رد عليه. وأبو حاتم الَّذي وثقه قال عنه أيضًا: يشوبه شيء من القدر. وتغير عقله في آخر حياته.
وكما رُمي بالقدر، رُمي بالخروج، وقد ذكر الذهبي في «الميزان» عن الوليد بن فريد أنه روى عن الأوزاعي، أنه كتب إلى ابن ثَوْبَان يقول له: وقد كنتَ ترى قبل وفاة أبيك تركَ الجمعة حرام، وقد أصبحت ترى تركَ الجمعة والجماعة حلالًا.
ومعنى هذا: أنَّه رجل لديه استعداد للغلوِّ، ومثله يروج عنده حديث مثل «بُعِثْتُ بين يدي السَّاعة بالسَّيف».
ونقل الذهبي عن العُقَيْلي أنه قال: لا يتابع ابن ثَوْبَان إلَّا من هو دونه أو مثله(7).
وذكره ابن الجوزي في جملة الضعفاء.
وقال الذهبي في «أعلام النبلاء»: لم يكن بالمُكثر، ولا هو بالحجَّة، بل صالح الحديث(8).
وقال ابن حجر في «التقريب»: صدوقٌ يخطئ، ورُمِيَ بالقدر، وتغيَّر بآخره(9). انتهى.
ومثل هذا الراوي لا يؤخذ منه حديث يحمل مثل هذا المضمون الخطير: الإسلام دين السَّيف! وأنَّ الرسول يرتزق من رمحه!
نظرة أخرى في الحديث من جهة متنه ومضمونه:
وإذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا في متنه ومضمونه، وجدناه منكرًا، لا يتَّفق مع ما قرَّره القرآن بخصوص ما بُعث به محمَّد .
فالقرآن لم يقرِّر في آية واحدة من آياته أن محمدًا رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرَّر في آيات شتَّى أنَّ الله بعثه بالهُدى ودين الحقِّ، والرحمة والشفاء، والموعظة للنَّاس.
وهذا ثابت بوضوح في القرآن المكيِّ، وفي القرآن المدنيِّ، على سواء.
يقول تعالى في سورة الأنبياء وهي مكية:﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ[الأنبياء: 107].
وعبر عن هذا النَّبيّ فقال: «إنَّما أنا رحمةٌ مهداة»(10).
وقال تعالى في سورة النحل، وهي مكية:﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ[النحل: 89].
وقال تعالى في سورة يونس وهي مكية:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ[يونس: 57].
وقال تعالى في سورة التَّوبة، وهي مدنية:﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ[التوبة: 33].
وقد تكرَّرت بلفظها في (سورة الصف: 9)، وهي مدنية.
وفي سورة الفتح، وهي مدنية، نقرأ قوله تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا[الفتح: 28].
وفي ختام سورة التَّوبة أيضًا:﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢٨ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ[التوبة: 128، 129].
وفي سورة آل عمران، وهي مدنية:﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ[آل عمران: 20].
وفي سورة النور، وهي مدنية:﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ[النور: 54].
وهذه الآيات كلها قد اتَّفقت على أنَّ محمدًا إنَّما بُعث بالرحمة والهدى ودين الحق، وتبيان كلِّ شيء، وإقامة الحجة على النَّاس، ولم يبعث شاهرا سيفه على النَّاس، حتَّى في حالة تولي النَّاس عنه: لم يؤمر بأن يشهر في وجوههم السّيف، إنَّما قيل له: إنَّما عليك البلاغ، وإنَّما عليه ما حمل، وعليهم ما حملوا، وقل: حسْبي الله.
والمبشرون والمستشرقون، وغيرهم من خصوم الإسلام يشيعون: أنَّ الإسلام إنَّما انتشر بالسيف ويستند كثيرون منهم إلى هذا الحديث وأمثاله.
والحقيقة أنَّ الإسلام إنَّما شهر السَّيف في وجه الَّذي صدوا عن سبيله، وقاوموه بالقوة، ورفعوا السّيف في وجهه، كما قال تعالى:﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ١٩٠ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ ١٩١ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٩٢ وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ[البقرة: 190 ـ 193].
فهذا هو منطق القرآن، بيِّنٌ كلّ البيان، لا لبس فيه ولا غموض، فإذا عارضه حديث مثل حديث: «بُعِثتُ بالسَّيْف»، فلا شكَّ أنَّ القرآن هو المقدَّم، فهو المصدر الأول، والدليل الأول، الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولو بُعث الرسول بالسيف، لظهر ذلك طوال ثلاثة عشر عامًا، قضاها في مكة، وأصحابه يأتون إليه بين مضروبٍ ومشجوجٍ ومُعتدًى عليه، يستأذنونه في أن يدافعوا عن أنفسهم بالسلاح، فيقول لهم: كفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة. حتَّى هاجروا إلى المدينة فأذن الله لهم أن يدافعوا عن أنفسهم وحرماتهم ودعوتهم. كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 39، 40].
والخلاصة: أنَّ هذا الحديث «بُعثتُ بالسيف»، سواء نظرنا إلى إسناده أم نظرنا إلى متنه، فهو مردود غير مقبول، في ضوء موازين العلم وقواعده الضابطة.
والحمد لله رب العالمين.
← العودة لقسم أحاديث أسيء فهمها