المقالات

❓ حول صحَّة بعض الأحاديث

📅 2026-06-03 👁 641 مشاهدة

نص السؤال:

نرجو من فضيلتكم إفادتنا عن مدى صحَّة الأحاديث النبوية الآتية الَّتي تدور على الألسنة:
1 ـ «لا يُلدغ المؤمن من جُحْر مرَّتين».
2 ـ «ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلبُ عبدي المؤمن».
3 ـ «ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل».
4 ـ «ليس الخبرُ كالعِيَان».
5 ـ «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس».
6 ـ «المؤمن مرآة أخيه».
7 ـ «لو توكَّلْتم على الله حقَّ التوكُّل لرزقكم كما يرزقُ الطير، تغدو خِماصًا وتروح بطانًا».
الجواب / الاستشارة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.

(وبعد)
«لا يلدغ المؤمنُ من جُحْر مرَّتين»:
حديث صحيح مرفوع متَّفق عليه، رواه البخاري ومسلم، وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هُرَيْرة(1)، ورواه أحمد وابن ماجه عن ابن عمر(2).
«ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»:
ذكره الغزالي في الإحياء بلفظ: قال الله: «لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع»(3)، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أرَ له أصلًا(4). ووافقه السُّيوطي في الدرر(5) تبعا للزركشي(6)، وكذا قال ابن حجر.
وقال ابن تيمية: هو مذكور في الإسرائيليات، وليس له إسناد معروف عن النبيِّ (7). قال السّخاوي في «المقاصد الحسنة»: وكأنه أشار بما في الإسرائيليات إلى ما أخرجه أحمد في «الزهد» عن وهب بن مُنَبِّه قال: «إنَّ الله فتح السَّماوات لحزقيل حتَّى نظر إلى العرش، فقال: سبحانك، ما أعظمك يا رب! فقال: إنَّ السَّماوات والأرض ضعفن عن أن يسعنَنِي ووسعني قلب عبدي المؤمن الوادع اللين»(8).
وذكر الزركشي أنه من وضع الملاحدة(9). وإذا ثبت بطلان الحديث فلا معنى لتأويله، ولا حاجة إليه، لأن التأويل فرع عن الثبوت، وهو معدوم.
فمن قال من العلماء: إن معناه: وسع قلبه الإيمان بي ومحبتي ومعرفتي، لا مسوغ له، وبخاصَّة أن المنحرفين يتخذون من هذه الأحاديث الباطلة سندًا لهم في كفرياتهم الَّتي أربت على ما يقوله النَّصارى.
«ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل»:
لم يروه أحد من أصحاب الكتب السِّتَّة، أو المسانيد المشهورة، وإنَّما رواه ابن النَّجَّار والدَّيلمي في الفردوس، وقال العلائي: حديث منكر، تفرَّد به عبد السَّلام بن صالح العابد. قال النَّسائي: متروك. وقال ابن عديّ: مُجمَع على ضعفه، وقد روي معناه بسند جيد عن الحسن البصري من قوله. وهو الصحيح(10) اهـ
«ليس الخبر كالعيان»:
حديث صحيح مرفوع، رواه ثلاثة من الصحابة: أنس، وأبو هُرَيْرة، وابن عبَّاس(11)، بلفظ: «ليس الخبر كالمعاينة» فرواه الطبراني في الأوسط عن أنس(12)، والخطيب في تاريخه عن أبي هُرَيْرة(13)، ورمز السّيوطي لحسنه في الجامع الصغير، وقال شارحه المناوي: وهو كما قال أو أعلى(14). فقد قال الهيثمي: رجاله ثقات، ورواه أيضًا ابن منيع والعسكري، وعُدَّ من جوامع الكلم والحكم. قال الزركشي: ظنَّ أكثر الشراح أنه ليس بحديث وهو حديث حسن، خرجه أحمد وابن حبان والحاكم من طرق، ورواه الطبراني... وقال في موضع آخر: رواه الحاكم وابن حِبَّان وإسناده صحيح(15).
وأمَّا حديث ابن عبَّاس، فرواه أحمد والطبراني في الأوسط والحاكم، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح(16)، وصحَّحه ابن حِبَّان، وتمام حديث ابن عبَّاس: «إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يُلقِ الألواح، فلمَّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت».
«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس»:
قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: رواه البيهقي(17) بسند ضعيف عن جابر(18)، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر، بلفظ: «قدم النَّبيّ من غزاة، فقال  : «قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «هو مجاهدة العبد هواه»(19).
وقال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس: هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عيلة(20) اهـ .
«المؤمن مرآة أخيه»:
رواه الطبراني في الأوسط، والضياء في المختارة، عن أنس بإسناد حسن، كما قال المناوي بلفظ: «المؤمن مرآة المؤمن»(21). ورواه أيضًا أحمد وأبو داود، عن أبي هُرَيْرة، وتمامه عندهما: «المؤمن أخو المؤمن، يَكُفُّ عليه ضيعته (أي يجمع عليه معيشته)، ويحوطه من ورائه»(22). (أي يحفظه ويذب عنه في غيبته) وإسناده حسن(23).
ومعنى أنَّ المؤمن مرآة المؤمن أنه ينصح له، ويريه عيب نفسه، بغير تحريف ولا تزييف، كما تريه المرآة عيب وجهه كذلك.
«لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير»(24):
الحديث صحيح: رواه أحمد والتِّرْمِذيُّ والنسائي، وابن ماجه والحاكم، عن عمر بن الخطاب، وقال التِّرْمِذيّ: حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي.
وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح(25)، وقبل ذلك صححه المناوي في شرح الجامع الصغير(26).
وليس في الحديث ما يدلُّ لأهل التبطل والتعطل، بدعوى التجرد والتوكل، كما ظنَّ بعض المتصوفة، بل فيه ما يرد إلى أن حق التوكل، لا بدَّ فيه من التوصل بنوع من السّبب، لأن الطير إنَّما ترزق بعد الطلب والسعي والغدو. ولهذا قال الإمام أحمد: ليس في الحديث ما يدلُّ على ترك الكسب، بل فيه ما يدلُّ على طلب الرزق(27).
← العودة لقسم الحكم على الأحاديث