2026-06-03
711
هل حديث: «أكـثر أهل الجنة البُلْـه» صحيح؟
سمعت من بعض الخطباء في إحدى الجمع حديثًا استوقفني كثيرا، ونصه كما ذكره الخطيب أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أكثر أهل الجنة البُلْه» أي الموصوفون بالغباء والبلاهة، لا بالذكاء والنباهة، وقد سألت بعض الأصدقاء ممَّن أعتبرهم أعلم منِّي بأمور الدين، فأكد لي أنه قرأه كذلك في «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي.
فهل هذا الحديث ثابت حقًّا عن النبيِّ ﷺ ؟ وكيف يتَّفق هذا مع ما دعا إليه الإسلام من التنويه بالعقل والعلم، حتَّى كانت أوَّل آية من كتابه أنزلت على رسوله:﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾[العلق: 1].
بينوا لنا الحقّ في ذلك. بارك الله فيكم، ومد في عمركم في خدمة الإسلام.
(س. ص. أ)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
آفة كثير من الخطباء في مساجدنا أنَّهم «حاطبو ليل»، فهم يأخذون الأحاديث من أي كتاب وجدوه، أو من أي مقال قرؤوه، أو من أي متحدث سمعوه، دون أن يكلفوا أنفسهم معرفة مصدر الحديث، ومن أخرجه من أصحاب الكتب المعتمدة؟ ومن رواه من الصحابة؟ وما قيمته من حيث الصحة والضعف، والقبول والرد؟ وهل يصلح الاستشهاد به في هذا الموضع أو لا يصلح؟ وهل يليق ذكره لكلِّ النَّاس بكلِّ مستوياتهم أو هو لا يليق إلَّا بالخاصَّة؟
إنَّ كثيرًا من الخطباء، بل أكثرهم يعتمدون على كُتب الوعظ والتصوُّف، وهي تجمع الغثَّ والسمين، ولا تمحِّص ما تنقله، وكذلك معظم كتب التفسير.
وكثيرًا ما حضرت خطبًا للجمعة في بعض المساجد في بلاد شتَّى، فأصدم بعدد من الأحاديث تنسب إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهي مردودة سندًا، مرفوضة متنًا ومعنى.
وقد ذكر العلَّامة ابن حجر الهيتمي الشافعي 5 في «فتاواه الحديثية» وجوب الإنكار على الخطباء، الَّذين يذكرون الأحاديث دون إضافتها إلى مخرِّجيها، بل والحيلولة بينهم وبين المنابر، حتَّى لا يفسدوا على النَّاس دينهم(1).
على أنَّ نسبة الحديث إلى كتاب من كتب الحديث فيما عدا الصحيحين: لا يعني أنَّ الحديث صحيح أو حسن، ما لم ينصَّ على ذلك إمامٌ معتبر من فرسان الحديث ونقاده، وإلا فقد يوجد فيها الضعيف، والضعيف جدًّا، والموضوع، وقد نبهت على ذلك في أكثر من كتاب، وخصوصًا كتابي «ثقافة الداعية» و«كيف نتعامل مع السّنة النبوية» ومقدمة «المنتقى من الترغيب والترهيب».
وتساهل بعض العلماء في رواية الحديث الضعيف في الترغيب والترهيب والرقائق وفضائل الأعمال، ليس على إطلاقه، فهو مشروط بشروط ذكرها المحققون من العلماء(2)، وهي:
1. ألَّا يكون الحديث ضعيفًا جدًّا.
2. وأن يكون مندرجًا تحت أصل كليٍّ من أصول الشرع.
3. وألَّا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.
4. وألَّا يقول فيه: قال رسول الله بصيغة الجزم، بل يذكر صيغة تدلُّ على التضعيف، مثل رُوي، وحُكي، وذُكر، ونحوها.
وقد أضفت بعض القيود إلى هذه الشروط، في كتبي الثلاثة المذكورة يحسن بالخطباء والدعاة أن يرجعوا إليها.
أما الحديث المذكور «أكثر أهل الجنَّة البُلْه» فقد ذكره الإمام الغزالي في «الإحياء» مستشهدا به في أكثر من موضع، والغزالي وإن كان بحرًا زاخرًا، وإمامًا يُشار إليه بالبنان في العلوم، مثل فقه الشافعي، وأصول الفقه، والفلسفة، وعلم الكلام، والتصوف. ولكنَّه كما قال عن نفسه 3 منصفا: إن بضاعته مزجاة في علوم الحديث، وكان هو طابع المدرسة الفكرية الَّتي نشأ فيها، ولذا تضمن كتابه بل موسوعته «إحياء علوم الدين» كثيرًا من الأحاديث الواهية والمنكرة، بل والموضوعة، والَّتي لا أصل لها.
وقد قال الحافظ زين الدين العراقي الَّذي خدم «الإحياء» بتخريج أحاديثه، قال في تخريج حديث: «أكثر أهل الجنة البله»(3). رواه البزَّار من حديث أنس، وضعَّفه. وصحَّحه القرطبي في التذكرة؛ وليس كذلك؛ فقد قال ابن عدي: إنَّه منكر(4) اهـ .
ومن حقِّ الأخ السَّائل أن يتوقَّف في قبول هذا الحديث من ناحية معناه، فهو يتعارض مع ما دعا إليه الإسلام في كتابه وسنته، من التنويه بالعقل والذكاء، والفكر والعلم، والإشادة بأولي الألباب وأولي النُّهَى، والذين يعقلون ويعلمون ويتفكرون، وقد تكرَّر ذكر «أولي الألباب» في القرآن ست عشرة مرة.
إنَّ القرآن الكريم وصف أهل الجنة في أكثر من موضع بأنَّهم من «أولي الألباب»، أي: أصحاب العقول والذكاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ١٩٠ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾، إلى أن قال في شأن هؤلاء: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾[آل عمران: 190 ـ 195].
وفي سورة أخرى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ ١٩ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ﴾، وبعد سرد جملة أوصاف وفضائل لهؤلاء النَّاس «أولو الألباب» يقول في جزائهم:﴿أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٢٢ جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ﴾[الرعد: 19 ـ 23].
وفي سورة أخرى ذكر القرآن الخاسرين يوم القيامة من أهل الكفر، وما فوقهم وما تحتهم من ظلل من النار، ثم ذكر في مقابلهم أهل الجنة، فقال:﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾[الزمر: 17، 18].
وإذا كان أهل الجنَّة عمومًا هم أولي الألباب؛ فإنَّ أهل النَّار، كما صوَّرهم القرآن هم أهل الغباء والجهل والغفلة، وليس كما يوحي به مفهوم ذلك الحديث. فما دام أكثر أهل الجنَّة البلهاء، فإنَّ أكثر أهل النَّار العقلاء والأذكياء!
الحقُّ أنَّ القرآن يكشف لنا عن الجانب العقلي لأهل النار، بأنَّهم أغبياء عطَّلوا الأجهزة الَّتي منحهم الله إياها من الأفئدة والأسماع والأبصار، ولهذا انحطوا إلى درك صاروا به أضل سبيلا من البهائم العجماوات.
يقول تعالى:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ﴾[الأعراف: 179].
ويحدِّثنا القرآن عن أصحاب جهنَّم حين يُلقَون فيها، فيُسمع لها شهيقٌ وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ على من يدخلها من الملاحدة والمشركين والضالين، يقول القرآن حاكيًا عن أهل النار:﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمْ فَسُحْقًۭا لِّأَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾[الملك: 10، 11].
إنَّ أغبى النَّاس وأجهلهم حقًّا هم من انتهى بهم غباؤهم إلى النَّار وبئس المصير، وأي صفقة أخسر من دخول النَّار؟!
وإن أذكى النَّاس وأعلمهم وأعقلهم حقًّا هم الَّذين انتهى بهم ذكاؤهم إلى الجنة، وأي صفقة أربح من دخول الجنة؟!
على أنَّ الحديث مع ضعفه تعارضه أيضًا أحاديث أخرى، مثل: «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ»(5)، والعجيب أنَّ كلا الحديثين المتعارضَين عن أنس 3 !
والدليل على فطنة المؤمن وحذره: الحديث الصحيح المتَّفق عليه: «لا يُلدغ المؤمن من جُحْر مرَّتين»(6).
بقي أن أذكر أنَّ الغزالي ومن تبعه حين يذكرون هذا الحديث يؤولونه بأنَّ المراد بهؤلاء «البُلْه» الَّذين لا يعنيهم أمر الدنيا، ولا يجعلونها أكبر همهم ولا مبلغ علمهم، فهم في أمر الدُّنْيا بُلهاء، وفي أمر الآخرة أذكياء، وقد قال بعض السَّلف: أدركنا أناسا لو رأيتموهم لقلتم: مجانين! ولو رأوكم لقالوا: شياطين! بخلاف أكثر الخَلَف الَّذين كانوا في أمر الآخرة أغبياء، بل بلهاء، وفي أمر الدُّنْيا في غاية النباهة والذكاء! وفي مثلهم يقول الشاعر:
أبُنَيَّ إنَّ من الرجالِ بهيمةً
في صورةِ الرجلِ السّميعِ المُبْصرِ
فطِنٌ لكلِّ مُصيبةٍ في مالِهِ
وإذا أُصيبَ بدِينِه لم يَشعرِ(7)
وقد وصف الله بعض النَّاس بقوله:﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ❁ يَعْلَمُونَ ظَٰهِرًۭا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْءَاخِرَةِ هُمْ غَٰفِلُونَ﴾[الروم: 6، 7].
فاعتبر علمهم بظاهر الحياة الدُّنْيا دُون النفاذ إلى باطنها وأعماقها، كلا علم، فهو علم أشبه بالجهل.
وقد قال العلَّامة المُناوي في شرح الحديث: «البُلْه الَّذين خلَوا من الدهاء والمكر، وغلبت عليهم سلامة الصدر، وهم عقلاء، أو البليد في أمور الدُّنْيا دون الآخرة»(8)، ولكنَّ هذا التأويل إنَّما يقبل لو صحَّ الحديث، أمَّا وهو غير صحيح ولا حسن، فلا معنى لتأويله.
وقد ضلَّل لفظه كثيرًا من عامَّة المسلمين، فأصبحوا يعتقدون في أن كثيرًا من البلهاء والمجاذيب وأشباه المجانين العاطلين، حول الأضرحة والمزارات أولياء لله! وغدوا ينسجون حولهم أساطير وحكايات، ويضيفـون إليهم خـوارق وكرامـات، جلُّها ـ إن لم يكن كلُّها ـ من نسج الخيال، أو افتراء الدجَّالين.
على أنَّ البلاهة في أمر الدُّنْيا الَّتي ذكرها الإمام المناوي وغيره، مرفوضة في نظرة المنهج الإسلامي، الَّذي يقوم على التوازن بين الدُّنْيا والدين، والمزج بين الروح والمادة، والتوافق بين العقل والقلب، وهذه هي الوسطيَّة الَّتي جاء بها الإسلام الصحيح، وهذا ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان في خير القرون، فقد كانوا أهل دين لا ينعزل عن الدنيا، وأهل دنيا لا تنفصل عن الدين.
والحمـد لله رب العالمين.
1. الفتاوى الحديثية صـ 32، نشر دار الفكر.
2. تدريب الراوي شرح تقريب النواوي للحافظ السيوطي (1/298، 299)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة.
3. رواه البزار (6339)، وضعفه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (13050): فيه سلامة بن روح؛ وثقه ابن حبان وغيره، وضعَّفه أحمد بن صالح وغيره، وروايته عن عقيل وجادة.
4. تخريج الإحياء صـ 894.
5. رواه أبو الشيخ في الأمثال (258)، والقضاعي في مسند الشهاب (128)، وقال الحافظ في فتح الباري (10/530): إسناده ضعيف. وقال العجلوني (2/387): رواه الديلمي والقضاعي عن أنس رفعه وهو ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (760): موضوع.
6. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6133)، ومسلم في الزهد والرقائق (2998)، عن أبي هريرة.
7. عزاه لأبي عمرو بن العلاء كل من ابن عساكر في تاريخ دمشق (67/118)، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (6/2796)، تحقيق د. سهيل زكار، نشر دار الفكر.
8. التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (1/199).