2026-06-03
731
حديث: «لا رهبانية في الإسلام»
ما مدى صحَّة الحديث المنسوب إلى النَّبيِّ ﷺ ، والَّذي يقول: «لا رهبانية في الإسلام»، وهل ينكر الإسلام التفرغ لعبادة الله تعالى، والبعد عن زخارف الدنيا؟
أرجو من فضيلتكم بيان هذا الموضوع، في ضوء الأدلَّة الشرعيَّة من القرآن والسُّنَّة. نفع الله بكم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحديث بهذا اللفظ: «لا رهبانية في الإسلام». غير وارد. وإن ذكره بعض المصنِّفين الكبار في كتبهم، ولذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: لم أره بهذا اللفظ(1).
ولكن هناك عدة أحاديث في هذا المعنى.
منها ما رواه أحمد في المسند، عن أنس: «لكلِّ نبيٍّ رهبانية، ورهبانيَّة هذه الأُمَّة الجهاد في سبيل الله ﷻ »(2).
قال الحافظ ابن كثير: ورواه الحافظ أبو يعلى من طريق ابن المبارك، ولفظه: «لكلِّ أُمَّة رهبانية، ورهبانيَّة هذه الأُمَّة الجهاد في سبيل الله»(3).
وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري: «أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنَّه رأس كلّ شيء، وعليك بالجهاد، فإنَّه رهبانية الإسلام...» الحديث(4).
وروى البيهقي من حديث أبي أُمامة: «تزوَّجوا، فإنِّي مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النَّصارى»(5).
وروى أحمد وأبو داود والحاكم في صحيحه، عن ابن عبَّاس رفعه: «لا صرورة في الإسلام»(6)، والصرورة: من لم يتزوَّج. وقيل: من لم يحُجَّ.
وروى الطبراني عن سعيد بن العاص: «إنَّ الله أبدلنا بالرهبانيَّة: الحنيفيَّة السّمحة»(7).
وروى أحمد عن عائشة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعثمان بن مظعون: «يا عثمان، إنَّ الرهبانيَّة لم تكتب علينا، أفما لك في أسوة؟ فوالله إنِّي أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده»(8).
وهذا يؤكد لنا أن معنى الحديث صحيح، إذ «الرهبانيَّة» تتضمَّن عدَّة عناصر أساسية، كلها يرفضها الإسلام، وهذه العناصر هي:
1 ـ الانقطاع الكامل للتعبُّد.
2 ـ الامتناع الدائم عن الزواج.
3 ـ الإعراض عن عمارة الأرض، والعمل للدنيا والمعيشة.
والإسلام يرفض هذه المعاني، لأنَّه يقوم على فكرة التوازن بين الروحيَّة والماديَّة، وبين الدُّنْيا والآخرة، وبين حق الرب وحظ النفس، وبين المثالية والواقعية.
1 ـ فأمَّا الانقطاع الكامل للعبادة، فقد رفضه الإسلام، وقال للثلاثة الَّذين قال أحدهم: أمَّا أنا فأقوم الليل ولا أرقد، وقال الثاني: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج: قال لهم: «إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنِّي أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي»(9).
وقال لعبد الله بن عمرو، حين واصل صيام النهار وقيام الليل: «إن لجسدك عليك حقًّا، ولعينك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرك (زوارك) عليك حقًّا»(10)، وأمره أن يخفِّف من صيامه وقيامه، حتَّى يقوم بالحقوق الأخرى.
وقال نحو ذلك لعثمان بن مظعون.
ويكفي المسلم أن يؤدِّي فرائض الله في العبادات، ويزيد عليها من السّنن والنوافل، وهذه تستغرق زمنا محدودا من اليوم، ثم يستطيع أن يجعل أعماله كلها عبادة، من خدمة المجتمع، وكسب المعيشة، حتَّى الأكل والشرب، والاستمتاع بالزوجة، تصبح بالنيَّة الصالحة قُربة إلى الله تعالى.
2 ـ وأمَّا الامتناع عن الزواج بصورة دائمة، فهو ضد المنهج الإسلامي، الَّذي يرى أن الزواج آية من آيات الله في الكون:﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الروم: 21].
ويقول القرآن:﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلْأَيَٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾[النور: 32].
وقد استأذن بعض الصحابة النَّبيّ ﷺ أن يتبتلوا ويتركوا النساء، فلم يأذن لهم، كما روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: ردَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا(11).
وقد قال ﷺ : «وأنا أتزوَّج النِّساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مِنِّي»(12).
لا مانع أن ينشغل المسلم عن الزواج بالعلم أو العمل أو الجهاد، أو تربية إخوَّة صغار، أو نحو ذلك، كما رأينا كثيرًا من العلماء ماتوا ولم يتزوَّجوا، مثل الإمام النووي وابن تيمية وغيرهما. وقد ألَّف العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة رحمه الله تعاليكتابًا عن العلماء العزاب (13).
ولكنَّ المسلم لا يترك الزواج تشبُّهًا بالرُّهبان وتحريمًا له.
3 ـ وأمَّا الإعراض عن عمارة الأرض والعمل للمعيشة وتنمية الحياة، فهو ممَّا يقاومه الإسلام، فإن من مقاصد الإسلام الأساسية من خلق البشر: عبادة الله وعمارة الأرض، كما قال تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات: 56]، وقال:﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[هود: 61]، ومعنى «استعمركم» أي طلب إليكم أن تعمروها.
وعمارة الأرض تكون بالزراعة وإحياء الموات، والصناعة والاحتراف والتجارة، وكل ما ينمي الحياة ويرقيها ويجملها، فإن الله جميل يحبُّ الجمال.
والعمل للدنيا مشروع في كلِّ الأيام، حتَّى في يوم الجمعة، فلا يوجد يوم يمتنع فيه المسلم عن العمل الدنيوي، كيوم السّبت عند اليهود. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٩ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الجمعة: 9، 10]، فهذا هو شأن المسلم: قبل الجمعة في عمل وبيع وشراء، حتَّى يسمع النداء، وبعد الجمعة ينتشر في الأرض ويبتغي من فضل الله.
4 ـ وأمَّا البُعد عن طيِّبات الحياة وزينتها، إلى حدِّ تحريمها على النَّفْس، فهو ما أنكره القرآن على أهل الأديان من قبله، وجاء في ذلك قوله تعالى في القرآن المكي: ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُوٓاْ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 31، 32]. وما كان الله تعالى ليخلق هذه الطيبات ثم يُحرِّمها على خلقه، دون أن يكون فيها ضرر لهم. إنَّما يحرِّم اللهُ الخبيث الضارَّ، وهذا ما وصف به رسول الإسلام في كتب أهل الكتاب أنه: ﴿يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157].
صحيح أنَّ بعض الصُّوفيَّة المسلمين غلَوْا في الزهد والتقشف، ولكنَّهم كانوا متأثِّرين بمناهج وفلسفات أخرى مستوردة من خارج الإسلام، فخرجوا عن حدِّ الوسطيَّة الإسلامية، إلَّا من اعتصم بالقرآن والسُّنَّة منهم.
ومنهج الإسلام يتمثل في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾[البقرة: 201]، وفي دعاء الرسول الكريم: «اللهمَّ أصلحْ لي ديني الَّذي هو عِصمة أمري، وأصلحْ لي دنياي الَّتي فيها معاشي، وأصلحْ لي آخرتي الَّتي فيها معادي، واجعلِ الحياة زيادة لي في كلِّ خير، واجعلِ الموت راحةً لي من كلِّ شرٍّ». رواه مسلم عن أبي هُرَيْرة(14).
وفي قول الصحابة @ : اعملْ لدنياك كأنَّك تعيش أبدًا، واعملْ لآخرتك كأنَّك تموت غدا(15).
وقد كان من الصحابة أغنياء كبار مثل عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وهما من العشرة المبشرين بالجنة. ولم ينقص هذا من منزلتهما، المهم أن تملك الدُّنْيا ولا تملكك، وأن تكون في يدك لا في قلبك.
وقد بيَّن القرآن أن النَّصارى قد ابتدعوا الرهبانية من عند أنفسهم، كما قال تعالى:﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾[الحديد: 27].
وجاء في الحديث الَّذي رواه أنس مرفوعًا: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات»:﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ﴾[الحديد: 27]»(16).
وعن سهل بن حنيف مرفوعًا: «لا تشدِّدوا على أنفسكم، فإنَّما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسِهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والدِّيَارات»(17).
إنَّ الرهبانيَّة تمثِّل نوعًا من الغلوِّ في السُّلوك الدِّيني، والإسلام إنَّما قام على التَّوازن والوسطيَّة في كلِّ شيء:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا﴾[البقرة: 143].
1. انظر: فتح الباري (9/111). وأخرج ابن قتيبة في غريب الحديث (1/444)، عن طاوس مرفوعا: «لا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام». وروى عبد الرزاق (15860) من طريق ابن جريج، عن طاوس مرفوعًا: «ولا ترهُّب في الإسلام». قال الحافظ: وهو مرسل.
2. رواه أحمد (13807)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والبزار (7349)، وأبو يعلى (4204)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9431): وفيه زيد العمي، وثقه أحمد وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.
3. رواه ابن المبارك في الجهاد (15)، تحقيق نزيه حماد، نشر الدار التونسية بتونس، 1972م.
4. رواه أحمد (11774)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن المبارك في الزهد والرقائق (840)، وابن أبي عاصم في الجهاد (34)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2543).
5. رواه البيهقي في النكاح (7/125)، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/248) فيه: محمَّد بن ثابت وهو ضعيف. وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (2941).
6. رواه أحمد (2844)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في المناسك (1729)، والحاكم في النكاح (2/159)، وصحَّحه على شرط البخاري ووافقه الذهبي .
7. رواه الطبراني (6/62)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7308): فيه إبراهيم بن زكريا، وهو ضعيف.
8. رواه أحمد (25893)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وابن حبان في المقدمة (9).
9. سبق تخريجه صـ 17.
10. سبق تخريجه صـ 17.
11. سبق تخريجه صـ 34.
12. سبق تخريجه صـ 17.
13. هو العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج.
14. رواه مسلم في الذكر والدعاء (2720)، والبخاري في الأدب المفرد (668).
15. رواه الحارث في مسنده (1093) كما في البغية.
16. رواه أبو داود في الأدب (4904)، وأبو يعلى (3694)، وقال الألباني في الضعيفة (3468): إسناده يحتمل التحسين.
17. رواه الطبراني في الكبير (6/73)، والأوسط (3078)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (220): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثَّقه جماعة، وضعَّفه آخرون.