2026-06-02
835
حديث: «الأئمَّة من قريش»
ما هو رأي فضيلتكم في الأحاديث الَّتي تقتضي بأنَّ «الأئمَّة من قريش»، أولًا: من حيث السَّند، وثانيًا: من حيث المتن؟ وهل القرشيَّة شرط في الإمامة؟ ونحن نرى معظم أمراء عصرنا من غير قريش، فهل إمارة هؤلاء باطلة، وإن اختارهم الشعب بإرادته الحُرَّة؟
نرجو من فضيلتكم البيان الَّذي عهدناه منكم، وجزاكم الله خيرًا.
(ع. أ. ع)
مدينة حلب الشهباء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فهذا الحديث ورد مرفوعًا عن جماعة من الصحابة منهم: أنس بن مالك، وأبو هُرَيْرة، وعلي بن أبي طالب، وأبو بَرْزة الأسلمي وغيرهم، حتَّى قال الحافظ ابن حجر: قد جمعت طرقه في جزء ضخم، عن نحو أربعين صحابيًّا(1).
ألفاظ الحديث وطرقه ومدى صحته:
وقد روي بألفاظ عدة منها: «الأئمَّة من قريش»، و«الأمراء من قريش»، و«الخلافة في قريش»، و«الملك في قريش»، و«لا يزال هذا الأمر في قريشٍ ما بقي في النَّاس اثنان».
وبعض طرق الحديث صحيحة الإسناد لا مطعن فيها، وبعضها حسنة لذاتها، وبعضها صحيحة لغيرها، وبعضها روي مرفوعًا وموقوفًا، ورجح الموقوف.
فإذا أخذنا حديث: «الأئمَّة من قريش» بهذا اللفظ: وجدناه قد ورد من طريق أنس، وعلي، وأبي برزة، من عدة طرق منها:
ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (2247) والبزار في الزوائد (1578) وأبو يعلى (3644) وأبو نعيم في الحلية (3/171) والبيهقي في السّنن (8/144) وقال الألباني في (الإرواء: 520): إسناده صحيح على شرط السِّتَّة.
ومنها ما رواه الحاكم (4/501) والبيهقي (8/144) عن طريق الصعق بن الحزن عن علي بن الحكم عن أنس. وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: إنَّما هو على شرط مسلم، فإنَّ الصَّعق لم يُخرِّج له البخاري إلَّا خارج الصحيح(2).
قال مخرِّجو المسند: إسناده حسن، ورواه أحمد برقم (12307، 12900) من طريق بكير بن وهب، وقد وثقه جماعة، واعتبره الأكثرون مجهولًا فالإسناد ضعيف، ولكن الحديث صحيح بشواهده وطرقه، ذكر ذلك مخرِّجو المسند (الشيخ شعيب ورفقاؤه).
وانظر هذا الحديث في مسند أبي هُرَيْرة: (7653 و7861) وبعضها بلفظ: «إنَّ لي على قريش حقًّا، وإنَّ لقريش عليكم حقَّا، ما حكموا فعدلوا، وأْتمنوا فأدُّوا، واسترحموا فرحموا». قال مخرِّجو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخَيْن. ولكن ليس فيه إلزام أن يكون الأئمَّة أو الأمراء منهم. وإنَّما لهم الحقُّ إذا حكموا فوفوا بالشروط.
وانظر: السُّنة لابن أبي عاصم بتحقيق الألباني، ففيه عن عمرو بن العاص مرفوعًا: «قريش ولاة النَّاس في الخير والشرِّ إلى يوم القيامة» الحديث (1110) إسناده صحيح على شرط مسلم(3)، وعن معاوية: «هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلَّا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدِّين». الحديث (1112)، وقد رواه البخاري (3500) كما روى الشيخان عن ابن عمر: «لا يزال هذا الأمرُ في قريش ما بقي منهم اثنان»(4).
الموقف من الحديث:
موقف العلماء من هذا الحديث: فمن النَّاس من رده، ولم يقبله بإطلاق، بغير منطق علمي، أو بحث في الأسانيد، ومدى قوَّتها وضعفها؛ إلَّا استبعاد ذلك.
ومنهم من حاول أن يضعِّف أسانيده، مع أنَّ فيها ما هو صحيح، وما ورد في صحيحي البخاري ومسلم، واستند إلى ما جاء عن عمر: «إن أدركني أجلي وأبو عُبَيدة حيٌّ استخلفته، فإن أدركني أجلي بعده استخلفت معاذ بن جبل»(5). ومعاذ أنصاري من الخزرج، وليس من قريش(6).
ومنهم من مال إلى أنَّ النَّصَّ النبوي في غير التعبديَّات، لا بدَّ أن يُبحث عن المقصود منه، وعما يحمل من علَّة هي سبب الحكم، يبقى ببقائها، ويزول بعدمها. وهو ما فعله حكيم المؤرخين: ابن خلدون، فقد فسر الحديث في مقدمته بأنَّه ﷺ ، راعى ما كان لقريش في عصره من القوة والعصبيَّة، الَّتي يرى ابن خلدون أن عليها تقوم الخلافة أو الملك، قال: فإذا ثبت أنَّ اشتراط القرشية إنَّما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبيَّة والغلب، علمنا أنَّ ذلك إنَّما هو من الكفاية، فرددناه إليها، وطردنا العلَّة المشتملة على المقصود من القرشية، وهي وجود العصبيَّة، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قومٍ أولي عصبيَّة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية، إلخ(7).
وقد تغيَّرت فكرة «العصبيَّة» الَّتي يستند إليها الخليفة أو رئيس الدولة في عصرنا إلى فكرة «المساندة الشعبيَّة» الَّتي تمثَّلها «الأغلبيَّة» الَّتي تختار قائدها بانتخاب حرٍّ نزيه.
وأنا مع ابن خلدون في تأويل هذا الحديث، وأنَّ النَّصَّ فيه على قريش لما كان لها من المكانة والمنزلة في العرب، كما قال سيدنا أبو بكر للأنصار: إنَّ العرب لا تَدِين إلَّا لهذا الحي من قريش(8). ولكنَّ الأوضاع تغيَّرت، وأُمَّة الإسلام قد اتَّسعت، وأصبحت هناك عوامل أخرى مؤثرة في اختيار من يجتمع عليه النَّاس، أهمُّها أنْ ترتضيه الأغلبية باختيار حرٍّ، لا أثر فيه لتزييف ولا تدليس، وهذا ما يتَّفق مع مبدأ الشورى، ومبدأ البيعة والاختيار بالتراضي. ولا يمنع الإسلام من اتخاذ الانتخاب وسيلة لهذا الغرض. ولهذا أصل في السُّنة، وهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ وكَلَ إلى كلِّ جماعة: أن تختار نقيبها الَّذي ينوب عنها، ويتحدث باسمها.
وبالله التوفيق.
1. فتح الباري (7/32).
2. انظر: إرواء الغليل تخريج أحاديث منار السبيل للألباني (2/298 ـ 301)، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1405هـ ـ 1985م.
3. رواه أحمد (17808)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح.
4. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المناقب (3501)، ومسلم في الإمارة (1820).
5. رواه أحمد (108)، وقال مخرجوه: حسن لغيره. وقال الهيثمي المجمع (14912): هو مرسل، راشد وشريح لم يدركا عمر. وقال ابن حجر في فتح الباري (13/119): إسناده رجاله ثقات.
6. انظر: فيض القدير (3/190).
7. انظر: مقدمة ابن خلدون (1/371)، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، نشر دار يعرب، دمشق، ط 1، 1425هـ ـ 2004م.
8. رواه البخاري في الحدود (6830).