2026-06-02
819
حديث: قاطع السِّدر في النار
كنَّا في مجلس علم فجاء ذكر الحديث الَّذي رواه أبو داود مرفوعًا: «من قطع سِدْرة صَوَّبَ على رأسه في النار».
وتوقَّف بعضنا في معناه وقالوا: إنَّ بعض العلماء حمله على من قطع سدر الحرم؛ لأنَّ من المقرَّر شرعًا أن شجره لا يقطع وقطعه محرم، فهل هذا التفسير صحيح، أو إن لفضيلتكم رأيًا في معنى الحديث؟ فكتبت إليكم راجيًا أنْ تفيدونا بما عندكم من علم، ولا سيَّما عند الاختلاف ومسيس الحاجة إلى البيان والمعرفة.
شكر الله لكم وجزاكم عن العلم وطلابه، وعن الدين وأهله خيرًا.
عبد العزيز إسماعيل
الجامعة الإسلامية في إسلام آباد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد روى أبو داود في سننه هذا الحديث بسنده في كتاب «الأدب» برقم (5239) عن عبد الله بن حُبْشي، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من قطع سِدْرة صوَّب الله رأسَه في النَّار». وسكت عنه هو والمُنْذري، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (4364)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (6476)، كما صحَّحه في السِّلسلة الصحيحة برقم (614)، كذا روى الحافظ البيهقي في سننه الكبرى (6/141)، بسنده عن معاوية بن حيدة مرفوعًا: «قاطع السِّدر يصوِّب الله رأسه في النَّار». وصحَّحه الألباني أيضًا في صحيح الجامع الصغير برقم (4299)، وهو أيضًا في سلسلته الصحيحة برقم (614، 615)، والسدرة: شجرة السّدر، وهو الَّذي يسميه العامَّة النبق، وجمعها: سدر.
وفي القرآن في الحديث عن الجنَّة وما فيها:﴿فِى سِدْرٍۢ مَّخْضُودٍۢ﴾[الواقعة: 28].
والمعروف: أنَّ السِّدر من أشجار البوادي والصحاري، وهو معروف عند العرب، ينتفعون بثمره، كما ينتفعون بظله.
وقد كتب علامة المصريين في زمنه الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي رسالة لطيفة سمَّاها «رفع الخِدْر عن قطع السِّدر» ضمنها كتابه «الحاوي للفتاوي»(1).
وذكر ممَّن أخرجه الطبراني في الأوسط(2) عن عبد الله بن حُبْشي بلفظ أبي داود إلَّا أنه قال: يعني: من سِدْر الحرم.
ولا أدري من صاحب هذا التفسير من الرواة؛ وكأنَّهم استكثروا هذا الوعيد على مجرّد قطع السّدر: أن يصوِّب الله رأسه في النار، أو يصبَّ على رأسه العذاب صبًّا، كما في حديث آخر.
وأخرج البيهقي من طريق جعفر بن محمَّد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : «اخرُجْ فأذِّنْ في النَّاس (أي أعلمهم) من الله لا من رسوله: لعن الله قاطع السّدر»(3).
قال السُّيوطي: والأولى عندي في تأويل الحديث: أنه محمول على سدر الحرم، كما في رواية الطبراني. وقال ابن الأثير في «النهاية»: أراد به سدر مكَّة لأنَّها حرم، وقيل: سدر المدينة، نهى عن قطعه ليكون أُنسًا وظلًّا لمن يهاجر إليها. وقيل: أراد: السِّدر الَّذي يكون في الفلاة، يستظل به أبناء السّبيل والحيوان، أو في ملك الإنسان فيتحامل عليه ظالم فيقطعه بغير حقٍّ(4) اهـ .
وأولى الأقوال عندي بالصواب: ما فسَّر الحديث به الإمام أبو داود مُخرج الحديث وراويه، فقد قال بعد أن روى الحديث بنصه: يعني من قطع سِدْرة في فَلاة؛ يستظلُّ بها ابن السَّبيل والبهائم، عبثا وظلما، بغير حقٍّ يكون له فيها؛ صوَّب الله رأسَه في النَّار(5).
وهذا توجيه سليم، وهو يتطابق مع التوجهات العالمية المعاصرة في تشديد الحرص على سلامة البيئة، والمحافظة على مكوناتها الحيوانية والنباتية، ومنها أشجار البرية، وأشجار الغابات، وإن كانت لا تثمر، فما بالك إذا كانت تثمر مثل السِّدر؟ وذلك لما فيها من حفظ التوازن البيئي، فضلًا عمَّا فيها من نفع كبير للإنسان والحيوان، ولا سيَّما المسافرين وأبناء السَّبيل، فلا يجوز أن تقطع هذه الأشجار عبثًا أو عدوانًا، بل لا تقطع إلَّا بقدر وحساب، بحيث يغرس مكانها غيرها ممَّا يقوم بوظيفتها(6).
ومثل هذا: حديث: «مَنْ قتل عصفورًا عبثًا، عجَّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا ربِّ، إن فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلْني منفعةً»(7).
والحديث يدلُّ دلالة قوية على احترام كلِّ ذي رُوح من الطير والحيوان، ومنع قتله لغير منفعة أو حاجة معتبرة، كما يرشد إلى المحافظة على مكونات البيئة وموارد الثروة، وعدم تبديدها باللهو والعبث، أي لغير منفعة اقتصاديَّة.
فهذا كله داخل في بؤرة الاهتمام العالمي بالبيئة ومفرداتها المختلفة، وإن كانت تبدو هينة في نظرنا، ولكن القليل يجر الكثير.
والحمد لله رب العالمين.
1. انظر: الحاوي للفتاوي للسيوطي (2/64)، نشر دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1424هـ ـ 2004م.
2. رواه الطبراني في الأوسط (2441)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5698): رجاله ثقات.
3. رواه البيهقي في المزارعة (6/140).
4. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير مادة (س. د. ر)، والحاوي للفتاوي للسيوطي (2/68).
5. انظر: سنن أبى داود (5239).
6. انظر كتابنا: رعاية البيئة في شريعة الإسلام صـ 99، 100، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 1، 2001م.
7. رواه أحمد (19470)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والنسائي في الضحايا (4446)، وابن حبان في الذبائح (5894)، وضعَّفه الألباني في تخريج الحلال والحرام (46)، عن الشريد بن سويد.