2026-06-02
693
نقد الحديث بين السَّند والمتن أو بين الشكل والمضمون
كنَّا مجموعة من الجامعيين المثقفين ثقافة «مدنية» كما يطلقون عليها، أعني أنَّنا من خريجي الجامعات الحديثة، لا من خريجي الأزهر الشريف، وكلياته العريقة، وكنا نتحدث في أمور الدين، حيث إنَّ معظمنا من المتدينين، الَّذين يحرصون على أداء الفرائض، واجتناب المحرمات. وانجر الكلام إلى الأحاديث النبوية، وما دخل عليها من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة، الَّتي حُشيت بها بعض الكتب، ونقلها بعض رجال الحديث، فشوهت جمال الإسلام.
وانتهى بحثنا إلى أنَّ على المسلم أن يعمل عقله في معنى أي حديث يجده، فإذا لم ينسجم مع مقتضى العقل رده وأنكره، ولا حرج عليه؛ لأنَّ الإسلام لا يأتي بما يرده العقل، أو يناقض ما يقرره العلم.
وكان معنا بعض الزملاء الَّذين لهم دراية بعلم الدين أكثر منا، فقال: إنَّ الحديث يجب أن ينظر إليه من ناحية سنده، أي سلسلة رواته الَّذين رووه، والنظر في مدى قبوله أو رده، ولا يجوز النظر إلى المعنى، الَّذي قد يخفى على عقولنا القاصرة، فيترتب على ذلك أن نردُّ الحديث الصحيح بغير حُجَّة معتبرة.
أرجو أن تفصل بينَنا في هذه المسألة المهمَّة، حتَّى لا تزلَّ أقدامنا، ونقول في الدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. أثابكم الله.
(ع. ص. ل)
القاهرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جدير بالمسلم أن يهتمَّ بأمر دينه، فالدين هو جوهر الوجود، وروح الكون، والقضية الدينية هي قضية الإنسان الأولى، وهي القضية المصيرية حقًّا، لأنَّها تتعلق بالأزل والأبد، بالخلود في الجنة، أو الخلود في النار.
وجميل بالمثقِّفين من أبناء الإسلام إذا جلسوا، بعضهم إلى بعض أن يتحدَّثوا في أمور الدين، ويبحثوا فيها، فليس الدين حكرًا على أصحاب الثقافة الدينية وحدهم، بل إن فرضًا على كلِّ مسلم أن يعرف من دينه ما يصحِّح عقيدته، ويضبط عبادته، ويقوِّم سلوكه، ويقف به عند حدود الله في أمره ونهيه، وحلاله وحرامه.
ولكن غير الجميل أن يخوض المسلم في خبايا العلم ومشكلاته، دون دليل يهديه من أهل الاختصاص الثقات، فمن المقرَّر المتَّفق عليه بين العقلاء: أنَّ لكلِّ فنٍّ رجاله ولكل علم أهله، الَّذين يرجع إليهم عند الاختلاف، ويحتكم إليهم عند التنازع، وهم الَّذين أشار إليهم القرآن بقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ﴾ [فاطر: 14]، ﴿فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا﴾ [الفرقان: 59]، ﴿فَسْـَٔلُوٓاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
والقضية الَّتي بحث فيها السَّائل وزملاؤه، وهي معرفة صحَّة الحديث أو ضعفه، وهل يُنظر فيها إلى السَّند أو إلى المتن، أو إلى كليهما؟ قضية علمية دقيقة، لا يقدر على الحكم فيها من كان حظه من الثقافة الإسلامية الأصيلة حظًّا متواضعا، بل ليس كلّ من درس علم الدين وحصل على شهادة من كلية دينية، قادرا على ذلك، إنَّما يقدر عليها من رسخت قدمه في علوم الشَّريعة عامَّة، وفي علوم الحديث خاصة، ولم يكن من الحرفيين الجامدين على القديم، ولا المتعجِّلين المبهورين بالجديد.
ولقد عرَّف علماء السُّنة المختصَّون الحديثَ الصحيحَ بتعريفٍ جامعٍ مانع، وهو: ما اتَّصل سندُه بروايةِ عدلٍ تامِّ الضبط، من أوَّل السَّند إلى منتهاه، وسلم من الشُّذوذ والعلَّة.
فأوَّل ما ينبغي النظر فيه ـ بالنسبة لعالم الحديث ـ هو السَّند، ونعني بالسند: سلسلة الرواة من آخر راوٍ إلى الصحابي الَّذي روى الحديث عن النبيِّ ﷺ .
والصحابة في نظر أهل السُّنَّة وجمهور المسلمين كلُّهم عدول عدَّلهم الله تعالى في كتابه، في آيات كريمة متلوَّة إلى ما شاء الله، وعدَّلهم رسول الله ﷺ في أحاديث صحيحة موفورة مشهورة.
فإذا ثبتت الصُّحبة فلا كلام في الصحابي، إنَّما البحث عمن دونه من الرُّواة، فلا بدَّ من معرفة كلِّ واحد منهم: معرفة شخصه وعينه، ومعرفة حياته وسيرته، وشيوخه وتلاميذه، وميلاده ووفاته، ولهذا نشأ ونما «علم الرجال» وعلم «الجرح والتعديل» وأُلِّفت في ذلك كتبٌ جمَّة، لتقويم الرواة توثيقًا أو تضعيفًا.
وضعف حلقة واحدة من سلسلة السَّند، يجعل الحديث كلَّه مردودًا؛ سواء كان هذا الضعف من جهة عدالة الراوي أو أمانته، أم ناحية حفظه وضبطه، ولكي يكون الحديث في مرتبة «الصحيح» لا بدَّ أن يكون حفظ الراوي في درجة «ممتاز» أو «جيد جدًّا» بتعبير عصرنا. فإذا نزل إلى درجة «جيد» أو «مقبول»، فالحديث «حسن» فقط، وهو معتبَر لدى العلماء، ولكنَّه دون الصحيح، وهذا له أهمية عند التعارض.
ولا بدَّ أن يكون السَّند متَّصلًا من مَبدئه إلى مُنتهاه، فلو كان هناك حلقة مفقودة أو منقطعة في أوَّل السّلسلة أو وسطها أو آخرها، فإن الحديث ينزل إلى درجة الضعف، فإذا كان هناك أكثر من حلقة مفقودة فإنَّ الضعف يزداد، و«الانقطاع في السَّند» يعرفه أهل الاختصاص بدلائل كثيرة مبسوطة في مواضعها من كتب العلم المتخصِّصة.
ولا بدَّ لكي يكون الحديث صحيحًا أن يسلم من أمرين هما:
1 ـ الشُّذوذ.
2 ـ والعلَّة.
والمراد بالشُّذوذ: أن يروي الراوي الثِّقة حديثًا يخالف فيه من هو أوثق منه، وهذا يعرف بمقارنة الروايات بعضها ببعض(1).
وهذا أمر يتعلَّق بمعنى الحديث ومتنه في الغالب.
فإذا انفرد الثِّقة بحديث أو بزيادة فيه أو نقص منه، مخالفًا راويًا أوثق منه، أو عددًا من الرواة الثِّقات؛ فإنَّ حديثه يحكم عليه بالضعف من أجل هذا الانفراد، أو الشذوذ(2).
وأمَّا العلَّة: فهي أمرٌ خفيٌّ قد يكون في متن الحديث، أو في سنده لا يطلع عليه إلَّا أهل البصيرة من جهابذة الحديث ونقاده، الَّذين يكتشفون العلل المستورة، كما يكتشف الطبيب الحاذق العلة الكامنة في بدن ظاهره الصحة والسلامة(3).
والظاهر من مسلك علماء الحديث أنَّهم ركزوا على السَّند أكثر من تركيزهم على المتن. وهذا له سببه المعروف.
ولكن ليس معنى هذا أنَّهم أهملوا المتن تمامًا، كما يتوهم بعض الَّذين لم يتعمقوا في علوم الحديث، فكثيرا ما تكلموا عن المتون وردوها لمخالفتها لقواطع القرآن، أو السُّنَّة، أو العقل، أو الحسِّ، أو التاريخ، أو غير ذلك، وقد اعتبروا من علامات وضع الحديث وكذبه، أمورًا تتعلق بالراوي، وأمورًا تتعلق بالمرويِّ، أي بنصِّ الحديث.
فممَّا يتعلَّق بالمرويِّ: أن يكون ركيك اللفظ، غير جارٍ على أساليب العربية وقواعدها.
أو يكون ركيك المعنى، لا يليق أن يصدر مثله من مشكاة النبوة مثل «الباذنجان شفاءٌ من كلِّ داء» أو «قُدِّس العَدَس على لسان سبعين نبيًّا» ونحو ذلك.
أو يكون مناقضًا لصريح العقل.
أو يكون مناقضًا للواقع المُحَسِّ والمشاهدة.
أو يكون مناقضًا لحقائق الدين الثابتة بالقرآن أو بمتواتر السُّنة.
أو يكون منافيًا لحقائق التاريخ الثابتة.
قال ابن الجوزي: «ما أحسن قول القائل: كلّ حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره!»(4). وقد أجاد في ذلك الداعية الفقيه الدكتور مصطفى السّباعي 5 ، في كتابه «السُّنَّة ومكانتها في التشريع».
بل أريد أن أقول: إنَّ البحث في السَّند ليس منفصلًا عن البحث في المتن؛ فإنَّهم كثيرًا ما ينظرون إلى الرواة من خلال مجموع ما يروونه، فإذا وجدوا راويًا ينفرد برواية «الغرائب» من الأحاديث، نزلوا به إلى منزلة «الضعفاء» أو «المتروكين»، وقالوا في مثله: يروي الغرائب، أو لا يتابع على حديثه. وكثيرا ما يسردون هذه الأحاديث الَّتي انفرد بها، تنبيها عليها، وتحذيرًا منها، كما نجد ذلك في كتاب «الكامل» لابن عدي، و«الميزان» للذهبي.
وهناك أنواع من الحديث الضعيف، يكون سبب ضعفها مشتركًا بين المتن والسند، مثل: المضطرب، والمقلوب، والمعلَّل، والشاذَّ، والمنكر، والمصحف، والمحرف.
ومن أنواع علوم الحديث: ما يتعلق بالمتن وحده، مثل معرفة: «المرفوع» و«الموقوف»، و«المقطوع».
ومنها: معرفة الحديث الإلهي أو القدسي.
ومنها معرفة «المدرج»، و«علم غريب الحديث».
وفيه كتب جمَّة، ومثل «علم مختلف الحديث»، وقد برع فيه الإمام الشافعي، وألف فيه الإمام ابن قتيبة كتابه الشهير «تأويل مختلف الحديث»، كما ألَّف الإمام أبو جعفر الطحاوي كتابه الكبير «مشكل الآثار»، وقد طبع في أربع مجلدات، وألف الإمام ابن الجوزي «مشكل الصحيحين» وغيرها كثير.
وقبل ذلك «علم ناسخ الحديث ومنسوخه». ومن أشهر ما ألف فيه كتاب العلامة الحازمي «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار»، ولأبي الفرج ابن الجوزي رسالة لطيفة في ذلك.
ومن هنا نقول: إنَّ البحث في متن الحديث مقبول بل مطلوب، وإنَّ الحديث الَّذي يرفضه العقل مردود بلا شكٍّ.
بيد أنَّ الأمر المهم هنا، هو: من الَّذي ينظر في متن الحديث ليعرف مدى قبوله من عدمه؟ ومن الَّذي يقول: إن هذا الحديث يرفضه العقل، فهو ضعيف؟
إنَّ إعطاء هذا الحقِّ لكلِّ من هبَّ ودبَّ من النَّاس، غير مقبول شرعًا ولا عقلًا، وإنَّما يجب أن يعطى هذا للثقات من أهل الاختصاص، وهم الَّذين جاء في مثلهم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
فكم من حديث ينكر ظاهره لأوَّل وهلة، وله تأويل سائغ عند أهل العلم، ممَّن الواجب مراجعتهم فيه.
ومن المعروف أن اللغة فيها الحقيقة والمجاز، وفيها الصريح والكناية، فلا يحسن ردُّ الحديث بحمله على الحقيقة، مع أنَّه يحتمل المجاز أو الكناية.
وقد وضَّحت ذلك في كتابي «كيف نتعامل مع السّنة» وذكرت له أمثلة غير قليلة.
وبعض النَّاس يتسرَّع في ردِّ الحديث الَّذي ثبتت صحته عند العلماء، بدعوى أنَّه يناقض صريح العقل، أو يناقض مقررات العلم، أو يعارض ثوابت الدين.
فإذا دقَّقت النظر في دعواه لم تجدها تقوم على ساقَين، ووجدتها كلامًا بلا بيِّنة.
وقد تجد ما ادَّعى أنَّه صريح العقل ليس إلَّا وهمًا توهَّمه صاحب الدعوى، فالحديث مناقضٌ لعقله هو، ليس للعقل المجرد، أو العقل العام.
والمدرسة العقليَّة كثيرًا ما تجترئ على رد الأحاديث الثابتة، دون حجة مقنعة، كما فعلت المعتزلة في ردِّ أحاديث الشفاعة، أو أحاديث رؤية الله في الآخرة، ورد بعضهم أحاديث سؤال القبر وما يعقبه من نعيم وعذاب(5). وكثيرًا ما يكون استبعاد وقوع الشيء ـ لاستحالته في العادة ـ سببا في رد الحديث، واستحالة الشيء عادة لا توجب استحالته عقلًا. وأصل الدين قائم على الإيمان بالغيب، فلا ينبغي أن يستبعد شيء صحَّ به النقل عن المعصوم، ما دام في دائرة الإمكان، وهي دائرة رحبة.
ومن النَّاس من ردَّ الحديث الصحيح لظنه أنه مخالف لمقررات العلم، وبالبحث يتبيَّن أن ما ظنه من المقررات العلمية القطعيَّة: ليس إلَّا نظريات ظنيَّة، أو آراء افتراضية، أو تخمينيَّة.
كما تجلَّى ذلك في آراء دارون في «نظريته في النشوء والارتقاء» أو «نظرية التطوُّر».
وكذلك كثير من النظريات الَّتي تفسر بعض الظواهر في علوم النفس والاجتماع.
والعلوم الإنسانية والاجتماعيَّة بصفة عامَّة، فهذه العلوم كلها «علوم ظنيَّة» ولا ترقى إلى مرتبة القطع واليقين، كما أكَّد ذلك أهل الاختصاص المنصفون، ولهذا تتغير النظريات والآراء في هذه العلوم من عصر إلى آخر، بل من بيئة ـ في العصر الواحد ـ إلى أخرى، بل من عالم باحث إلى آخر.
وبعض النَّاس ردَّ الحديث الصحيح؛ لأنَّه في نظره معارض للكتاب ولما ثبت من الدين بنصوص أخرى.
فإذا تأمَّلت ما ذكره لم تجد تعارضًا حقيقيًّا، يستوجب ردَّ الصحيح، وفي السِّتينيات اجترأ أحد الكتاب في إحدى المجلات الذائعة الانتشار على رد حديث في صحيح البخاري؛ لأنَّه رآه ـ في ظنه ـ مخالفا للقرآن، ولم يكن الأمر كما زعم، والحديث صحيح، وإنَّما الخطأ في فهمه.
ابن القيِّم يربط بين السّند والمتن:
وقد ذكر الإمام المحقق ابن القيِّم في كتابه «المنار المنيف في الصحيح والضعيف» أنه سئل: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط، من غير أن ينظر في سنده؟
وأجاب ابن القيِّم عن هذا السُّؤال إجابة مستفيضة مفصَّلة استغرقت جُلَّ كتابه.
قال في مطلعها: «هذا سؤالٌ عظيم القدر، وإنَّما يعلم ذلك من تضلَّع في معرفة السُّنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السُّنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة؛ بحيث كأنَّه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه. فمثل هذا: يعرف من أحوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز: ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كلِّ متَّبع مع متبوعه، فإنَّ للأخصِّ به الحريص على تتبُّع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصحُّ أن يُنسب إليه وما لا يصحُّ: ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلِّدين مع أئمَّتهم، يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم. فمن ذلك: ما روى جعفر بن جَسْر، عن أبيه، عن ثابت عن أنس ـ يرفعه ـ «من قال: سبحان الله وبحمده، غرس الله له ألف ألف نخلة في الجنة، أصلها من ذهب...».
وجعفر هذا: هو جعفر بن جَسْر بن فَرْقَد، أبو سليمان القصَّاب البصري. قال ابن عدي: أحاديثه مناكير. وقال الأزدي: يتكلمون فيه.
وأما أبوه فقال يحيى بن معين: لا شيء، ولا يكتب حديثه. وقال النَّسائي والدارقطني: ضعيف. وقال ابن حِبَّان: خرج من حد العدالة. وقال ابن عديٍّ: عامَّة أحاديثه غير محفوظة.
ومن ذلك: ما رواه ابن مَنْدَهْ من حديث أحمد بن عبد الله الجُوَيْبَاري الكذَّاب، عن شقيقٍ، عن إبراهيم بن أدهم، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن أويسٍ القرني، عن عمر وعليٍّ @ ، عن النبيِّ ﷺ قال: «من دعا بهذه الأسماء: اللهمَّ أنت حيٌّ لا تموت، وغالب لا تُغلب، وبصيرٌ لا ترتاب، وسميعٌ لا تشكُّ، وصادق لا تكذب، وصمد لا تطعم، وعالم لا تعلم... إلى أن قال: فوالَّذي بعثني بالحق، لو دُعِيَ بهذه الدعوات على صفائح الحديد لذابت، وعلى ماء جارٍ لسكن، ومن دعا عند منامه بها بُعث بكلّ حرف منها سبعمائة ألف ملك يسبحون له ويستغفرون له».
وتابعه كذَّاب آخر، وهو الحسين بن داود البَلْخي، عن شَقِيق. وروى جملة منه كذَّاب آخر، هو سليمان بن عيسى، عن الثَّوري، عن إبراهيم بن أدهم. وهذا وأمثاله: ممَّا لا يرتاب من له أدنى معرفة بالرسول ﷺ وكلامه: أنَّه موضوع مختلَق وإفكٌ مفترًى عليه».
وذكر ابن القيِّم جملة من الأحاديث الَّتي تتضمن مبالغات ممجوجة، ثم قال: «وهذا باب واسع جدًّا، وإنَّما ذكرنا منه جزءًا يسيرًا؛ ليعرف به أنَّ هذه الأحاديث وأمثالها، ممَّا فيه هذه المجازفات القبيحة الباردة، كلُّها كذبٌ على رسول الله ﷺ ، فقد اعتنى بها كثير من الجُهَّال بالحديث، من المنتسبين إلى الزُّهد والفقر، وكثير من المنتسبين إلى الفقه!والأحاديث الموضوعة عليها ظُلمة وركاكة، ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلاقها على رسول الله ﷺ ، مثل حديث: «من صلَّى الضحى كذا وكذا ركعة؛ أعطي ثواب سبعين نبيًّا».
وكأنَّ هذا الكذَّاب الخبيث لم يعلم أنَّ غير النَّبيِّ لو صلَّى عمر نوح 0 : ؛ لم يعط ثواب نبي واحد.
وكقوله: «من اغتسل يوم الجمعة بنية وحسبة، كتب الله له بكلّ شعرة نورا يوم القيامة، ورفع له بكلّ قطرة درجة في الجنة من الدر والياقوت والزبرجد، بين كلِّ درجتين مسيرة مائة عام...»(6).
ضوابط كليَّة موضوعيَّة لمعرفة الحديث المكذوب:
قال: ونحن ننبه على أمور كلية، يعرف بها كون الحديث موضوعًا:
1 ـ المجازفات والمبالغات:
فمنها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات الَّتي لا يقول مثلها رسول الله ﷺ ، وهي كثيرة جدًّا، كقوله في الحديث المكذوب: «من قال لا إله إلَّا الله: خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكلِّ لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا أُعْطِيَ في الجنَّة سبعين ألف مدينة، في كلّ مدينة سبعون ألف قصر، في كلّ قصر سبعون ألف حوراء».
وأمثال هذه المجازفات الباردة، الَّتي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إمَّا أن يكون في غاية الجهل والحُمق، وإمَّا أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول ﷺ ؛ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه.
2 ـ تكذيب الحس والمشاهدة للحديث:
ومنها: تكذيب الحس له، كحديث: «الباذنجان لِمَا أُكِلَ له»، و«الباذنجان شفاءٌ من كلِّ داء» قبَّح الله واضعهما. فإنَّ هذا لو قاله يوحنَّس أمهر الأطباء، لسخر النَّاس منه، ولو أُكل الباذنجان للحُمَّى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلَّا شدة، ولو أكله فقير ليستغني، لم يفده الغِنى، أو جاهل ليتعلَّم لم يفده العلم.
وكذلك حديث: «إذا عَطِسَ الرجلُ عند الحديث، فهو دليل صدقه». وهذا، وإن صحَّح بعض النَّاس سنده، فالحسُّ يشهد بوضعه، لأنَّا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله! ولو عطس مائةُ ألف رجل عند حديث يُروى عن النبيِّ ﷺ ، لم يُحكم بصحَّته بالعُطاس، ولو عطسوا عند شهادة زُور لم تُصدَّق.
وكذلك حديث: «عليكم بالعَدس، فإنَّه مبارك يرقِّق القلب، ويكثر الدَّمعة، قُدِّس فيه سبعون نبيًّا». وقد سُئل عبد الله بن المبارك عن هذا الحديث؟ وقيل له: إنَّه يروى عنك! فقال: وعنِّي أيضًا؟!
أرفع شيء في العدس أنه شهوة اليهود، ولو قُدِّس فيه نبيٌّ واحد لكان شفاء من الأدواء، فكيف بسبعين نبيًّا؟ وقد سماه الله تعالى:﴿أَدْنَىٰ﴾[البقرة: 61]. ونعى على من اختاره على المن والسلوى، وجعله قرين الثوم والبصل. أفترى أنبياء بني إسرائيل قدسوا فيه لهذه العلة والمضارُّ الَّتي فيه، من تهييج السَّوداء، والنفْخ، والرياح الغليظة، وضيق النفس، والدم الفاسد، وغير ذلك من المضارِّ المحسوسة!
ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الَّذين اختاروه على المنِّ والسلوى أو أشباههم.
ومن ذلك حديث: «إن الله خلق السَّماوات والأرض يوم عاشوراء».
وحديث: «اشربوا على الطعام تشبعوا»؛ فإنَّ الشراب على الطعام يفسده، ويمنع من استقراره في المعدة، ومن كمال نضجه.
ومن ذلك الحديث: «أكذب النَّاسِ الصبَّاغون والصوَّاغون»(7).
والحسُّ يردُّ هذا الحديث؛ فإنَّ الكذب في غيرهم أضعافه فيهم، كالرافضة؛ فإنَّهم أكذب خلق الله، والكُهَّان، والطرائقيِّين، والمنجمين.
3 ـ كونه ممَّا يسخر منه:
ومنها: سماجه الحديث، وكونه ممَّا يسخر منه، كحديث: «لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا، ما أكله جائع إلَّا أشبعه». فهذا من السّمج البارد، الَّذي يُصان عنه كلام العقلاء؛ فضلًا عن كلام سيد الأنبياء.
وحديث: «الجَوْز دواء، والجبنُ داء، فإذا صار في الجوف صار شفاء».
فلعن الله واضعه على رسول الله ﷺ .
وحديث: «لو يعلم النَّاس ما في الحُلْبة ـ هي حب نبت معروف ـ لاشتروها بوزنها ذهبًا».
وحديث: «أحضروا موائدَكم البَقْل، فإنَّه مَطْردة للشيطان».
وحديث: «ما من ورقةِ هَنْدُباء إلَّا وعليها قطرةُ من ماء الجنَّة».
وحديث: «بئست البقلةُ الجرجير، من أكل منها ليلًا بات ونفسُه تنازعه، ويضرب عِرْق الجُذام في أنفه، كلوها نهارًا، وكفُّوا عنها ليلًا».
وحديث: «فضل دهن البنفسج على الأدهان، كفضل أهل البيت على سائر الخلْق»(8) إلخ(9).
4 ـ مناقضة الحديث للصحيح الثابت من السُّنة:
ومنها: مناقضته لما جاءت به السُّنَّة الصريحة مناقضة بينة.
فكلُّ حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك، فرسول الله ﷺ منه بريء.
ومن هذا الباب: أحاديث مدح من اسمه محمَّد أو أحمد، وأن كلّ من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار.
وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ : أن النَّار لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنَّما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة.
ومن هذا الباب: أحاديث كثيرة علَّقت النجاة من النَّار بها، وأنَّها لا تمسَّ من فعل ذلك، وغايتها: أن تكون من صغار الحسنات، والمعلوم من دينه ﷺ خلاف ذلك، وأنَّه إنَّما ضمن النجاة منها لمن حقق التوحيد(10).
5 ـ تكذيب الشواهد له:
ومنها: أن يدَّعى على النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه، كما يزعم أكذب الطوائف: أنَّه ﷺ أخذ بيد علي بن أبي طالب 3 بمحضر من الصحابة كلهم، وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتَّى عرفه الجميع. ثم قال: «هذا وصيي وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا»، ثم اتّفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته، فلعنة الله على الكاذبين.
وكذلك روايتهم: أنَّ الشمس رُدَّت لعليٍّ بعد العصر والنَّاس يشاهدونها، ولا يشتهر ذلك أعظم اشتهار، ولا يعرفه إلَّا أسماءُ بنت عُمَيس!
6 ـ بطلانه في نفسه لمناقضته العقل:
ومنها: أن يكون الحديث باطلًا في نفسه، فيدل بطلانه على أنَّه ليس من كلام الرسول ﷺ .
كحديث: «المجرَّة الَّتي في السَّماء من عَرَق الأفعى الَّتي تحت العرش»(11).
وحديث: «إذا غضب الله تعالى أنزل الوحيَ بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية».
7 ـ ألَّا يشبه كلام النبوَّة وهدايتها:
ومنها: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلًا عن كلام رسول الله ﷺ ، الَّذي هو وحي يُوحَى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ﴾[النجم: 3، 4]، أي وما نطقه إلَّا وحي يُوحى، فيكون الحديث ممَّا لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة.
كحديث: «ثلاثةٌ تزيد في البصر: النَّظر إلى الخُضْرة، والماء الجاري، والوجه الحسن»(12).
وهذا الكلام ممَّا يجِلُّ عنه أبو هُرَيْرة وابن عبَّاس، بل سعيد بن المسيَّب والحسن، بل أحمد ومالك رحمهم الله.
وحديث: «النظر إلى الوجْه الحسنِ يجلو البصر»(13). هذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة.
وحديث: «عليكم بالوجوه المِلاح، والحدق السُّود، فإنَّ الله يستحيي أن يعذِّب مليحًا بالنَّار». فلعنة الله على واضعه الخبيث(14).
وكلُّ حديث فيه ذكر حِسان الوجوه، أو الثناء عليهم، أو الأمر بالنظر إليهم، أو التماس الحوائج منهم، أو أنَّ النَّار لا تمسُّهم: فكذب مختلق، وإفك مفترى.
8 ـ ومنها: أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق.
كحديث: «الهريسة تشدُّ الظهر».
وكحديث: «أكل السَّمك يُوهن الجسد».
وحديث الذي شكا إلى النَّبيِّ ﷺ قلَّة الولد، فأمره أن يأكل البَيْض والبَصَل.
وحديث: «أتاني جبريل بهَرِيسة من الجنَّة، فأكلتها، فأعطيتُ قوة أربعين رجلًا في الجِمَاع»(15).
وحديث: «المؤمن حُلو يحبُّ الحلاوة»(16).
9 ـ اشتماله على تحديد تواريخ معينة:
ومنها: أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا، مثل قوله:
إذا كان سَنَة كذا وكذا؛ وقع كَيْت وكَيْتَ، وإذا كان شهر كذا وكذا: وقع كَيْت وكيت(17).
كقول الكذَّاب الأشرِّ: «إذا انكسف القمر في المحرَّم كان الغلاء والقتال وشغل السّلطان، وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا». واستمرَّ الكذَّاب في الشهور كلِّها، وأحاديث هذا الباب كلُّها كذبٌ مفترًى(18).
10 ـ مخالفته لصريح القرآن:
ومنها: مخالفة الحديث صريح القرآن: كحديث مقدار الدنيا: «وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السّابعة».
وهذا من أبين الكذب، لأنَّه لو كان صحيحًا لكان كلُّ أحد عالمًا أنَّه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مائتان وأحد وخمسون سنة(19). والله تعالى يقول:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: 187]، وقال تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾[لقمان: 34].
وقال النَّبيّ ﷺ : «لا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله»(20).
ومن ذلك: الحديث الَّذي يُروى في الصخرة: «أنَّها عرش الله الأدنى»، تعالى الله عن كذب المفترين.
ولما سمع عروة بن الزبير هذا، قال: سبحان الله، يقول الله تعالى:﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾[البقرة: 255]. وتكون الصخرة عرشه الأدنى؟!
11 ـ سماجه المعاني ومناقضتها لمبادئ الإسلام:
ومنها: ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها، بحيث يمجُّها السَّمع، ويدفعها الطبع، ويسمج معناها للفطن.
كحديث: «أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذنٌ من خبر».
وحديث ذم الحاكَة، والأساكفة، والصوَّاغين، أو صنعة من الصنائع المباحة، كذب على رسول الله ﷺ ، إذ لا يذمُّ الله ورسوله الصنائع المباحة.
وحديث: «إنَّ لله ملكًا من حجارة، يقال له: عمارة، ينزل على حمار من حجارة كلُّ يوم، فيسعِّر الأسعار ثم يعرج».
ومنها: أحاديث ذمِّ الحبشة والسُّودان، كلها كذب.
كحديث: «الزَّنْجي إذا شبع زنى، وإذا جاع سرق»(21).
وحديث: «إيَّاكم والزَّنجْي فإنَّه خلق مشوَّه».
وحديث: «دعوني من السُّودان، إنَّما الأسود لبطنه وفرجه»(22).
وحديث: رأى طعامًا فقال: «لمن هذا؟». قال العباس: للحبشة أطعمهم. قال: «لا تفعل، إنهم إن جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا».
ومنها: أحاديث ذمِّ الترك، وأحاديث ذمِّ الخصيان، وأحاديث ذمِّ المماليك.
كحديث: «لو علم الله في الخصيان خيرًا لأخرج من أصلابهم ذريَّة يعبدون الله».
وحديث: «شرُّ المال في آخر الزمان: المماليك».
أحاديث المبالغات في فضائل الصحابة والأئمَّة والبلدان أو ذمها:
ومما وضعه جهلة المنتسبين إلى السُّنة في فضائل الصديق 3 :
حديث: «إنَّ الله يتجلَّى للنَّاس عامَّة يوم القيامة، ولأبي بكر خاصَّة».
وحديث: «ما صبَّ اللهُ في صدري شيئًا، إلَّا صببتُه في صدر أبي بكر».
وحديث: «كان إذا اشتاق إلى الجنَّة قبَّل شَيْبة أبي بكر».
وحديث: «أنا وأبو بكر كفَرَسَيْ رِهان».
وحديث: «إنَّ الله لما اختار الأرواح، اختار روح أبي بكر».
وحديث عمر: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر يتحدَّثان، وكنت كالزَّنجي بينهما.
وحديث: «لو حدثتكم بفضائلِ عُمَرَ عُمْرَ نوحٍ في قومه، ما فنيت، وإن عُمَر حسنةٌ من حسنات أبي بكر».
وحديث: «ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرة صوم ولا صلاة، وإنَّما سبقكم بشيءٍ وقر في صدره». وهذا من كلام أبي بكر بن عيَّاش.
وأما ما وضعه الرافضة في فضائل عليٍّ، فأكثر من أن يعد. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب «الإرشاد»: وضعت الرافضة في فضائل عليٍّ 3 وأهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث.
ولا تستبعد هذا، فإنَّك لو تتبَّعت ما عندهم من ذلك لوجدتَ الأمر كما قال.
ومن ذلك: ما وضعه بعض جهلة أهل السُّنَّة في فضائل معاوية بن أبي سفيان. قال إسحاق بن راهويه: لا يصحَّ في فضل معاوية بن أبي سفيان عن النبيِّ ﷺ شيء.
قلتُ (أي ابن القيِّم): ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث: إنَّه لم يصحَّ حديث في مناقبه بخصوصه، وإلا فما صحَّ عندهم في مناقب الصحابة على العموم، ومناقب قريش، فمعاوية 3 داخل فيه.
ومن ذلك: ما وضعه الكذَّابون في مناقب أبي حنيفة، والشافعي على التنصيص على اسميهما.
وما وضعه الكذَّابون أيضًا في ذمِّهما عن رسول الله ﷺ . وما يُروى من ذلك كله كذبٌ مختلَق.
ومن ذلك: الأحاديث في ذمِّ معاوية، وكلُّ حديث في ذمِّه فهو كذب.
وكلُّ حديث في ذمِّ عمرو بن العاص، فهو كذب.
وكل ُّحديث في ذمِّ بني أُمَيَّة، فهو كذب.
وكلُّ حديثٍ في مدح المنصور والسفَّاح والرشيد، فهو كذب.
وكلُّ حديث في مدحِ بغداد أو ذمِّها، والبصرة، والكوفة، ومرو، وعسقلان، والإسكندرية، ونَصِيبِين، وأنطاكية: فهو كذب.
وكلُّ حديثٍ في تحريم ولد العباس على النَّار، فهو كذب.
وكذا كلُّ حديثٍ في ذكر الخلافة في ولد العباس، فهو كذب.
وكلُّ حديث في مدح أهل خراسان الخارجين مع عبد الله بن عليٍّ ولد العباس، فهو كذب.
وكلُّ حديثٍ فيه أنَّ مدينة كذا وكذا من مدن الجنة، أو من مدن النار، فهو كذب.
وحديث عدد الخلفاء من ولد العباس كذب.
وكذلك أحاديث ذمِّ الوليد، وذم مَرْوان بن الحَكَم.
وحديث ذمِّ أبي موسى (الأشعريِّ) من أقبح الكذب(23) اهـ .
وبهذا البيان الجامع تسقط المقولة الَّتي تزعم أنَّ علماء السُّنَّة لم يلقوا بالًا لمضمون الحديث، وإنَّما كان كلُّ بحثهم في سند الحديث ورجاله.
ومن كلمات ابن القيِّم في بعض كتبه عندما ضعَّف بعض الأحاديث: لو كان سند هذا الحديث مثل الشمس لوجب ردُّه، وما ذاك إلَّا من جهة المعنى المناقض للعقل أو النقل.
كلُّ ما نؤكِّده هنا أنَّ هذا الحقّ ـ حقُّ النقد للمتون والمضامين ـ لا يمنح لكلِّ مَن هبَّ ودَرَج من النَّاس. فما أكثر الأدعياء المتطاولين! وما أكثر الجرآء بغير حق والمتعالين بغير سلطان مبين!
وقد بلوناهم، فلم نجد عند أحسنهم إلَّا القليل من العلم، والكثير من الادَّعاء والانتفاش، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. هدى الله الجميع.
1. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني (1/58)، تحقيق نور الدين عتر، نشر مطبعة الصباح، دمشق، ط 3، 1421هـ ـ 2000م. وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي (1/401).
2. المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي لابن جماعة صـ 50، تحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان، نشر دار الفكر، دمشق، ط 2، 1406هـ ، والباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث لابن كثير صـ 56، تحقيق أحمد محمد شاكر، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2.
3. المصدر السابق صـ 63 ـ 65.
4. الموضوعات لابن الجوزي (1/106).
5. انظر كتابنا: المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة صـ 132 ـ 154، فصل رد الأحاديث الصحاح، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 4، 1434هـ ـ 2013م.
6. رواه ابن الجوزي في الموضوعات (2/102)، وقال: هذا حديث موضوع. وقد أبدع من وضعه وزاد في حد البرودة. وعمر ابن صبح أهل أن يُنسب إليه وضعه. قال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب. قال يحيى: وبشير بن زاذان ليس بشيء. وقال ابن عدي: ضعيف يحدث عن الضعفاء. ومحمد بن جعفر ليس بشيء.
7. رواه أحمد (8302)، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف. وابن ماجه في التجارات (2152)، وقال ابن حجر في فتح الباري (4/317): حديث مضطرب الإسناد. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (3/9): هذا إسناد فيه فرقد السبخي وهو ضعيف وعمرو بن هارون كذبه ابن معين وغيره.
8. رواه الطبراني (3/130). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8872): وفيه أرطاة بن الأشعث، وهو متهم بالوضع.
9. انظر: المنار المنيف لابن القيم صـ 50 ـ 54.
10. المرجع السابق صـ 57.
11. رواه الطبراني في الكبير (20/67)، والأوسط (6760). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (13383): فيه فضل بن مختار، وهو ضعيف. وقال الشيخ الألباني في الضعيفة (284): موضوع.
12. رواه أبو نعيم الأصفهاني في الطب النبوي (135)، وقال الألباني في الضعيفة (134): موضوع.
13. رواه ابن عساكر في معجمه (576)، وقال الألباني في الضعيفة (132): موضوع.
14. رواه ابن الجوزي في الموضوعات (1/161)، عن أنس.
15. رواه ابن حبان في المجروحين (998) في ترجمة محمد بن الحجاج الواسطي اللخمي، يروي الموضوعات عن الأثبات لا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به.
16. رواه البيهقي في شعب الإيمان (5534)، عن أبي أمامة، ثم قال: متن الحديث منكر وفي إسناده من هو مجهول.
17. قال الخلال: حديث ليس له أصل. انظر: المنتخب من علل الخلال لابن قدامة (198)، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، نشر دار الراية.
18. انظر: المنار المنيف صـ 57 ـ 64.
19. يستفاد من هذا أن الإمام ابن القيم ألف هذا الكتاب في سنة 749هـ ، قبل وفاته سنة 751هـ بنحو ثلاث سنوات، رحمه الله تعالى وأكرمه برضوانه.
20. جزء من حديث رواه البخاري في التوحيد (7379)، عن ابن عمر.
21. أورده ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ (3117)، وقال: فيه عنبسة بن سعيد القطان البصري، وهو ضعيف جدًّا. تحقيق د. عبد الرحمن الفريوائي، نشر دار السلف، الرياض، ط 1، 1416هـ ـ 1996م.
22. رواه الطبراني (11/191)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7205): رواه الطبراني، وفيه محمد بن زكريا الغلابي، وهو ضعيف جدًّا، وقد وثقه ابن حبان وقال: يعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة.
23. المنار المنيف صـ 80 ـ 117.