المقالات

❓ العدالة الإلهيَّة والتفاضل في الأرزاق

📅 2026-06-03 👁 815 مشاهدة

نص السؤال:

أعرض عليكم مشكلة حدثت لي منذ أيام. فقد وسوس الشَّيطان في نفسي، وصار يعرض في أفكاري صورًا شتَّى تدور حول الشَّكِّ في العدالة الإلهية، وتساءلت: لماذا يغني الله بعض النَّاس ويفقر بعضهم الآخر؟ ممَّا جعلني أتردَّد في ضلال وحيرة، وتركت الصلاة، وأخيرًا أفقت إلى نفسي، وعذَّبني ضميري. ولا زلت في ألم نفسي وريب، خلَّفته تلك الوساوس والأفكار.
فما حيلتي لاسترداد الثقة واليقين، وطرد همزات الشيطان اللعين؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المؤمن قد تعرض له وساوس، وقد تهجس في نفسه هواجس، ولكنَّه إذا كان صاحبَ إيمانٍ ويقين، وكان موفَّقًا من الله عز وجل، سرعان ما تزول تلك الوساوس وتختفي هذه الهواجس، ويعود إليه منطق الإيمان، ونور العقيدة القويمة والاطمئنان.
هذا الشابُّ، حين عرضت له تلك الوساوس، بناها على خطأيْن كبيرين:
الأول: هو اعتقاده أنَّ الغنى الماديَّ هو كلُّ شيء أو أعظم شيء في هذه الحياة، وأن العدل يقتضي أن يسوي الله بين النَّاس، في الفقر والغنى، وفي المال والثروة، وهذا هو الخطأ الأول.
وليعلمْ ذلك الأخُ أن المال ليس هو كلَّ شيء في هذه الحياة، كلَّا، فكم من الأغنياء يعوزهم الذكاء، أو تعوزهم الحكمة، أو تعوزهم الصحة والعافية، أو تعوزهم الأسرة الهنيئة، أو يعوزهم الولد، وإذا كان عندهم الولد يعوزهم الولد البارُّ، والزوجة الصالحة. يعوزهم أشياء كثيرة.
كثير من الأغنياء أصحاب الملايين، يشتهون أن يأكلوا كما يأكل فقير لا يملك إلَّا دريهمات معدودة، قد حرَّم عليهم الأطباء أن يأكلوا الدهنيات أو السكريات، أو غير ذلك، وعنده الخزائن تموج بالذهب والفضة. ماذا يصنع بهذه الخزائن؟ وهب أنه كان صحيحًا، هل يملك أن يأكل أكثر من ملء بطنه؟ وما البطن؟ وما المعدة؟ شبر في شبر، أو أقل.
هبْ أنَّ الإنسان عنده كنزٍ من النُّضار ـ الذهب الخالص ـ فهل يأكل الإنسان النُّضار؟ وهل يأخذه معه إلى القبر؟ كلَّا، إنَّ المال وسيلة للإنسان.
الذي يملك منه الكثير، يزيد على غيره أنه حمل مسؤولية أكبر، وسيكون حسابه يوم القيامة أعظم، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ[الشعراء: 88، 89]، يوم لا تزول قدماه حتَّى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به(1)؟
ليس مِلك المال ـ إذن ـ هو كلَّ شيء، قد يملك الإنسان أشياءَ أخرى كثيرة غير المال، وهي أغلى منه وأثمن، والإنسان المتعجِّل المتسرِّع السطحي ينسى النعم الَّتي أنعم الله بها عليه، لو عد الإنسان ما يملك لأعياه ذلك وما استطاع أن يحصيه: نعمة البصر، كم تقدرها؟ لو قيل لك: خذ كذا ألفًا أو مليونًا وتفقد بصرك، هل ترضى؟!
والسمع، والشم، والذوق، والأنامل، والأسنان، والأجهزة الَّتي في داخل جسمك، فضلًا عن الذكاء والنطق، والقدرة على التعبير، والعمل والتصرُّف، وغير ذلك.
لو حَسَب الإنسان هذه الأشياء والنِّعم الَّتي يملكها في جسمه وحده وأمكنه تقديرها وإحصاؤها لبلغت مئات الملايين.
والحقيقة أنَّ تلك النعم لا تُقدَّر ولا تُحصى،﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ[إبراهيم: 34].
ولكنَّ النظر في المادة وحدها هو الَّذي يجعل الإنسان يخطئ الخطأ الكبير، فتنتابه الوساوس والهواجس المؤلمة.
ثم هل يعتقد هذا الأخ السائل أن الحكمة في التسوية بين الناس؟ هل الحكمة أن يكون النَّاس سواء؟!
لا والله، ليست هذه هي الحكمة.
ليس من الحكمة في شيء أن يستوي النَّاس كلهم.
إنَّما الحكمة في هذا التباين، ليظهر الابتلاء، ويتحقَّق الامتحان. ليتميز من يشكر ممَّن يكفر، ومن يجزع ممَّن يصبر، ومن يعمل صالحًا ممَّن يعمل غير ذلك.
هذه هي البوتقة الَّتي تصهر فيها نفس الإنسان. هذه هي الحياة؛ ميدان للجهاد وللكفاح.
لو شاء الله لخلق النَّاس أجسادًا بلا طعام. لا تحتاج إلى أكل ولا شرب، ولا تحتاج إلى المال، ولكن الله ركَّب في الإنسان الغرائز والدوافع، فجعله يحتاج إلى الطعام والشراب، والتناسل والاجتماع، وغير ذلك، فسبحان الله الَّذي خلق الإنسان على هذه الكيفية، ولو كان النَّاس كلهم سواسية، لما كان للحياة طعم، ولا كانت لها حكمة. من أجل أن يعرف الصبر لا بدَّ أن يكون هناك ما يصبر عليه، ولكي يعرف الإيثار والإحسان لا بدَّ أن يكون هناك من يحسن إليه.
فهذه الفضائل الإنسانية لا يمكن أن تظهر إلَّا إذا كان هناك تفاوت وتفاضل في الحياة.
لو كانت الحياة كلها ضياء ونهارًا، لما كان هذا الليل الَّذي يسكن النَّاس فيه، وقد جعله الله لباسًا.
لا بدَّ من النور والظلمة، لا بدَّ من الليل والنهار. لا بدَّ من ذلك كلِّه.
والخطأ الثاني الَّذي أخطأه الأخ، هو تصوُّره حكمة الله خطأً، وتصوُّره عدل الله خطأ.
تصوَّر العدل والحكمة على حسَب عقله القاصر.
هل نستطيع نحن البشر أن نحدِّد لله مفهوم الحكمة؟ وأن تكون حكمته تعالى على أهوائنا،﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ[المؤمنون: 71].
كلُّ واحد يظنُّ أنَّ الحكمة ينبغي أن توافق هواه، ولو حدث ذلك بالفعل، لما تأتَّى للحياة أن تستقيم.
فالشابُّ الَّذي يدخل على عَروسه في ليلته الأولى يقول: يا ربِّ، أطل هذا الليل!
بينما المريض يستغيث ويدعو قائلًا: يا ربِّ، متى يطلُع الصباح؟!
فلمن يستجيب الله فيهما؟! إنَّ الله عز وجلليس على هوى هذا ولا على هوى ذاك! إنَّما له حكمة، قد نعرفها وقد لا نعرفها.
وكم لله من سِرٍّ خَفِيِّ
يَدِقُّ خفاه عن فهْمِ الذَّكيِّ(2)!
أضرب مثلًا لهذا الشابِّ:
حكَوْا أنَّ رجلًا وابنه كانا تحت نخلة في بستان، فأراد الولد أن يجادل أباه، فقال له: يا أبتِ، انظر هذا التفاوت الَّذي نراه، أين الحكمة الَّتي تقول لي عنها؟ وأنَّ الله حكيم عليم؟ انظر إلى هذه النبتة الصغيرة، نبتة البطيخ، تثمر ثمرة كبيرة جدًّا، بينما هذه النَّخلة على طولها وعظمها، فإنَّ ثمرتها صغيرة، ولا نسبة بينها وبين البطيخة؛ وكان المفروض أو المعقول أن تكون ثمرة النَّخلة في عظم البطيخة، لتتناسب مع حجم الشجرة، بينما تكون ثمرة نبات البِطِّيخ في حجم التَّمرة.
فقال له: يا بُنيَّ، لعلَّ لله حكمة لا نعرفُها.
ثم استلقى الفتى على ظهره ليستريح، واستلقى أبوه إلى جواره. وما إن أغفت عين الفتى قليلًا، حتَّى سقطت من أعلى النَّخلة تمرة، فأصابت وجهه وآلمته، وصاح من أثر ذلك. فقال له أبوه: ماذا بك؟ قال: تمرة من فوق النَّخلة أصابتني قال: يا بُنَيَّ، احمَد الله أنَّها لم تكن بطِّيخة!
هذا مثل لبيان حكمة الله 8 ، وأنَّ الإنسان قاصرٌ وعاجز دون إدراك هذه الحكمة والإحاطة بها كلِّها. وما عليه إلَّا أن يقول كما قالت الملائكة: ﴿سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ[البقرة: 32]. أو يقول ما قال أولو الألباب الَّذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا، وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلْق السماوات والأرض:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ[آل عمران: 191].
على هذا الشابِّ الَّذي راوده الشكُّ، وفعل ما فعل يومًا ما: أن يستغفر الله، ويتوب إليه، ويجدِّد إيمانه وثقته بالله، ويعود إلى الصلاة، ويتَّصل بأهل العلم والدين، لعلَّ الله يتقبَّله، ويجعله من الشباب الصالحين. والله وليُّ التوفيق.
← العودة لقسم الإلهيات