2026-06-02
637
تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾
أرجو أن توضِّحوا لنا معنى هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[النمل: 34].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
بعض النَّاس يفهمون هذه الآية خطأ. فهم يفهمون منها أنَّ أي ملك يدخل بلدًا حتَّى ولو من مملكته يفسدها، ويجعل أعزة أهلها أذلة، وهذا خطأ، وليس هو المراد.
هذه الآية جاءت في قصَّة بلقيس ملكة سبأ، الَّتي ذكرها القرآن في سورة النمل، وهذه الملكة، حينما جاء الهدهد، وأخبر سليمان عن أمرها: ﴿إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ﴾ [النمل: 23]. فأرسل إليها سيدنا سليمان رسالة بدأها بقوله: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ❁ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 30، 31]. وجمعت هذه الملكة قومها لتشاورهم وقالت لهم: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ❁ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ❁ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 32 ـ 34].
فهذه الكلمة حكاها القرآن على لسان ملكة سبأ، تحكي لقومها عن أثر دخول الملوك الأجانب الفاتحين المتغلبين في بلد ما، حيث تكون النتيجة أنَّهم يفسدونها ويذلون أهلها.
وفي الواقع، هذا تلخيص لما يفعله أي استعمار في أي بلد: إفساد البلاد، وإذلال العباد، وذلك شأنهم باستمرار، ﴿وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[النمل: 34].
وليس معنى هذا أنَّ أي ملك يدخل بلدًا يفسدها، فإنَّ بلقيس نفسها ملكة، وإنَّما المقصود كما بينا، إذا دخلوها للدنيا متغلبين مستعمرين.
والـمُلك قد يكون خيرًا وقد يكون شرًّا، فإذا كان بيد الأخيار والمصلحين كان أداة خير وإصلاح، وإذا كان في يد الأشرار والمفسدين كان أداة شرّ وإفساد، والقرآن ذكر لنا بعض الملوك الصالحين، وذكر لنا في مقابلهم المفسدين الظالمين.
ذكر لنا طالوت: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ﴾[البقرة: 247].
وذكر لنا ملك داود: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ﴾[البقرة: 251].
وذكر لنا ملك سليمان، الَّذي قال في دعائه لله: ﴿رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾[ص: 35].
وذكر لنا يوسف الَّذي قال: ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾[يوسف: 101].
وذكر لنا ذا القرنين في سورة الكهف: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾[الكهف: 84، 85]، وهذا الملك الَّذي فتح الفتوح في المغرب والمشرق وبنى السّد وقال: ﴿مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾[الكهف: 95]. فلما أنجز بناءه قال: ﴿هَٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ﴾[الكهف: 98].
فقد يكون الملك أو رئيس الدولة صالحًا، فيكون من أفضل النَّاس فقد جاء في الحديث: «ليومٌ من إمامٍ عادلٍ خيرٌ من عبادةٍ ستِّين سنة»(1)؛ فإنَّه يقضي من المصالح ويفرِّج من الكربات ويزيل من المظالم ما لا يفعله في عبادة ستِّين سنة.
يقابل هذا في القرآن ذكر ملوك ظالمين، كالنمروذ: ﴿ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[البقرة: 258].
ومثله فرعون الَّذي طغى وبغى، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣ فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾[النازعات: 23، 24]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى﴾[القصص: 38]، وسبب هذا الطغيان غروره بالملك، قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[الزخرف: 51].
ومثله ذلك الملك الَّذي ذكره القرآن الكريم في سورة الكهف، وقد كان يغتصب أموال النَّاس بغير حق، ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًۭا﴾[الكهف: 79]. فهؤلاء هم المذمومون.
أمَّا الملك في ذاته والحكم في ذاته، فليس شرًّا، إنَّما قد يكون صالحًا للرجل الصالح كما قال النَّبيّ ﷺ في المال: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ»(2).
كذلك نعم الحُكْم الصالح للرجل الصالح.
وهو شرٌّ في يد الرجل الفاسد؛ لأنَّه سيكون في يده أداة شرّ وفساد في الحياة كلها.
هذا ما تيسر بيانه في تفسير الآية الكريمة الَّتي وردت في السّؤال.
والله أعلم.
1. رواه الطبراني (11/337)، والبيهقي في شعب الإيمان (6995)، وحسن إسناده العراقي في تخريج الإحياء صـ 205، عن ابن عباس.
2. رواه أحمد (17763)، وقال مخرجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم. والحاكم في البيوع (2/2)، وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في غاية المرام (454)، عن عمرو بن العاص.