المقالات

❓ حكم قول: بفضل الله ثمَّ جهود المخلصين

📅 2026-06-03 👁 841 مشاهدة

نص السؤال:

شهدت حفلًا كبيرًا حضره جِلَّة من العلماء والباحثين والمفكِّرين وافتتح الحفل بالقرآن الكريم، ثمَّ بعدد من الكلمات الَّتي تُقال في مثل هذه الأحفال والمؤتمرات.
والذي لفت نظري ونظر الكثيرين من الحاضرين أنَّ أحد المتكلِّمين وهو عالمٌ وأديبٌ مرموق، جاء في كلمته عبارة كثيرًا ما تتكرر على ألسنة الخطباء، وأقلام الكتاب، وهي: أنَّ النجاح الَّذي تحقَّق للمؤسسة إنَّما تمَّ بفضل الله تعالى، وجهود العاملين المخلصين وبذلهم ونشاطهم، إلخ.
وهنا قام عالم كبير معقِّبًا على كلمة العالم السابق؛ بأن هذا التعبير «بفضل الله وجهود العاملين» إلخ، لا يجوز؛ لأنَّه ينافي إخلاص التوحيد لله تعالى، ويوهم إشراك الآخرين معه وتسويتهم به 2 ، وأنَّ الواجب دفع هذا الإيهام بأن يقال: بفضل الله تعالى، ثمَّ بجهود العاملين المخلصين.
وانتهى الحفل ولم يعقِّب أحدٌ على التعقيب، ولكن تساءل الكثيرون عن مدى الخطأ في مثل العبارة المنتقدة، وعن مدى الوجوب والإلزام في العبارة المقترحة، وهل هناك دليل على لزوم مثل ذلك؟
نرجو البيان والإيضاح المصحوب بالدليل الشرعي، داعين لكم بالصحة، ودوام التوفيق في خدمة الإسلام ونفع المسلمين.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
العقيدة هي جوهر الإسلام، والإيمان بالله تعالى هو جوهر العقيدة، والتوحيد هو جوهر الإيمان، والتوحيد يعني إفراد الله سبحانه بالعبادة والاستعانة، فلا يُعبد غيره، ولا يُستعان إلَّا به، وهو الَّذي يتجلى في مناجاة المسلم لربه في كلِّ صلواته:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة: 5].
والتوحيد هو المحرِّر الحقيقي للبشر من العبوديَّة لكلِّ ما سوى الله تعالى، فهو يُحرِّرهم من العبوديَّة للطبيعة، ومن العبوديَّة للأشياء، ومن العبوديَّة للأشخاص، ومن العبوديَّة للأوهام، ومن العبوديَّة للأهواء، ومنها هوى الإنسان نفسه، وبهذا يحيا الإنسان سيدًا في الكون، عبدًا لله وحده.
والأديان السماوية كلَّها تدعو النَّاس إلى التوحيد، وكلُّ رسول من عند الله، كان أوَّل ما يوجِه إلى قومه هذا النداء:﴿يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ[هود: 50، 61، 84].
ثم جاء الإسلام ليؤكِّد ما جاءت به الرسالات السابقة من التوحيد وتنقيته ممَّا علق به من خرافات الوثنيَّة، وتحريفات الغلاة والمفرِّطين، وكانت رسالته إلى أهل الكتاب دعوة قويَّة إلى هذا التوحيد النقيِّ الناصع تمثله الآية الكريمة الَّتي ختم بها النَّبيُّ رسائله إلى قيصرَ والنجاشيِّ والمقوقس وغيرهم من أمراء النَّصارى، وهي قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
وقد حرص النَّبيُّ على تثبيت دعائم التوحيد في المجتمع المسلم، حتَّى إنَّ المسلم يستقبل الحياة في أوَّل لحظة بكلمة التوحيد، ويودِّعها في آخر لحظة بكلمة التوحيد، حيث علمنا أن نؤذِّن في أذن الطفل حين يولد لنسمعه «لا إله إلَّا الله»(1)، وأن نلقِّن المحتضر على فراش الموت كلمة «لا إله إلَّا الله»(2)، فهذه الكلمة أوَّل ما يسمعه وآخرُ ما يسمعه.
كما حرص الرسول الكريم على حماية حِمى التوحيد من أي شائبة تشوبه، حتَّى لا يتسرب إلى عقيدة المسلمين ما تسرب إلى أهل الكتاب من قبلهم، حتَّى انتهوا إلى ما انتهوا إليه، من «التشبيه والتجسيم» الَّذي يقول به اليهود، و«التثليث» الَّذي يقول به النَّصارى، وحتى لا يقعوا فيما وقعت فيه الأمم القديمة، مثل قومِ نوحٍ الَّذين وضعوا صورًا لصالحيهم يتذكَّرونهم بها، فما زالوا يعظِّمونها، ويزيدون في تعظيمها، حتَّى انتهى بهم المطاف إلى عبادتها.
وهذا ما جعل النَّبيَّ يقاوم أي مظهر من مظاهر الغُلوِّ في شخصه؛ فإنَّ الغلوَّ أوسع أبواب الشرك.
ومن ذلك: الألفاظ الموهِمة للتقديس أو المُشعرة بالمساواة مع الله تعالى، وهذا يُعرف بدلالة الحال ودلالة المقال معًا.
ولهذا حين قال رجل في خطابه للنبيِّ : ما شاء الله وشئتَ يا رسولَ الله، أنكر عليه ذلك بشدَّة وقال: «أجعلتني مع الله عِدْلًا؟ ـ وفي لفظ: ندًّا ـ لا، بل ما شاء الله وحدَه»(3). وفي الحديث الآخر: «لا تقولوا: ما شاء الله، وشاء فلان، ولكنْ قولوا: ما شاء الله، ثمَّ شاء فلان»(4).
وحديث ثالث: أنَّ حبرًا من أهل الكتاب جاء إلى النَّبيِّ فقال: إنَّكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئتَ. فقال رسول الله : «قولوا: ما شاء الله ثمَّ شئتَ»(5).
فدلَّت هذه الأحاديث وما في معناها على ضرورة التحرُّز من الألفاظ الموهِمة للشرك، وإن لم يقصد قائلها إليه.
ولكنَّ السؤال المهمُّ هنا:
أهذا واجب في جميع الألفاظ والعبارات؛ بحيث لا يجوز العطف بالواو على فعل أو أمر أسند إلى الله تعالى، أم هذا التشديد خاص ببعض الألفاظ والعبارات الَّتي لها إيحاء خاص مثل لفظ «المشيئة»، ومثله لفظ «التوكُّل»، كأنْ يقول: توكَّلت على الله وعلى فلان.. وأمثالهما؟
إنَّ الَّذي يقرأ القرآن الكريم ويجول فيه متدبِّرًا، يجد أنَّ الكتاب العزيز استعمل تعبيرات مشابهة للتعبير الَّذي اعتُرض عليه «بفضل الله وجهود المخلصين»، وذلك في مناسبات متعددة.
ومن ذلك:
أ ـ قوله تعالى: يخاطب رسوله:﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال: 62]. ولم يقل سبحانه: هو الَّذي أيدك بنصره، ثمَّ بالمؤمنين.
ب ـ قوله تعالى:﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾[لقمان: 14]، ولم يقل: أن اشكر لي، ثمَّ لوالديك.
جـ ـ قوله تعالى:﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾[غافر: 35]، ولم يقل: ثمَّ عند الَّذين آمنوا.
د ـ قوله تعالى:﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾[التوبة: 105]، ولم يقل: ثمَّ رسوله ثمَّ المؤمنون.
هـ ـ ومثلها:﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾[المائدة: 55]. وما كان من هذا القبيل، وهو كثير.
و ـ قوله:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾[النساء: 75]. ولم يقل: ثمَّ المستضعفين.
ز ـ قوله تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّـهِ رَاغِبُونَ﴾[التوبة: 59]، ولم يقلْ هنا: ما آتاهم الله ثمَّ رسوله، وسيؤتينا الله من فضله ثمَّ رسوله.
ح ـ قوله تعالى:﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ[التوبة: 62]. ولم يقلْ: والله ثمَّ رسوله.
هذه النماذج المتعددة وما شابهها في القرآن الكريم، تدلُّنا بوضوح على أنَّ استخدام حرف «ثمَّ» في العطف بدل «الواو» ـ في مثل الموقف الَّذي كان بسببه السؤال والاستفسار ـ ليس بواجب ولا لازم دائمًا، وأنَّ استعمال «الواو» ليس منكرًا ولا ممنوعًا في كلِّ حال.
إنَّما يُمنع في حالات معيَّنة تُوهم التسوية في الصورة بين الله وخلقه، كما في حالات نسبة المشيئة إلى الله 8 ، فعطف مشيئة العبد المخلوق على مشيئة الله الخالق، في سياق واحد بالواو، الَّتي تفيد مطلق الجمع، ينفر منه حس الإنسان الموحِّد، وهو ما أنكره النَّبيُّ ، حين قال له من قال: ما شاء الله وشئت! قائلًا: «أجعلتني لله عِدلًا» أو «ندًّا؟».
وهو ما أنكره بعض الأحبار على المسلمين، وأقرَّه عليه النَّبيُّ .
ويشبه ذلك ما يقوله بعض النَّاس، باسم الله واسم فلان، باسم الله واسم الوطن.
ونحوه أو قريب منه ما يقال: لوجه الله ووجه فلان.
فالذي ينبغي هنا هو الاحتياط، سدًّا للذريعة، وحماية لجناب التوحيد، وبعدًا عن مظنَّة الغلوِّ والتقديس، فإنَّما هلك من كان قبلنا بالغلوِّ في الدين. وبالله التوفيق.
← العودة لقسم الإلهيات