2026-06-03
831
هل يعذب الله بعض النَّاس بغير ذنب؟
كنتُ أقرأ في كتاب الإمام العلامة الشيخ عز الدين ابن عبد السلام 3 «قواعد الأحكام في إصلاح الأنام» وهو كتاب بديع ورائع، مليء بالفوائد العلمية، والنظرات الشرعيَّة الصائبة، الَّتي تقنع العقول، وتشرح الصدور.
ولكن استوقفني فيه أنَّه يُجَوِّز على الله تبارك وتعالى أن يعذِّب المطيعين الصالحين من عباده، كما يجوز له أن يثيب العصاة منهم، ولا اعتراض عليه في شيء من ذلك، فهو يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا اعتراض على مشيئته، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد!
ويحسن بي أن أذكر عبارته بنصِّها حتَّى لا أفتات عليه. قال 5 : ولا استبعاد في تعذيب من لم يذنب ولم يخالف، على ما سنذكره في إيلام المجانين والبهائم والصبيان، إن شاء الله تعالى.
وكما روي في الحديث الصحيح: «إنَّ الله ﷻ ينشئ في النَّار أقوامًا»(1) (يعني: يخلقهم ليُعذَّبوا في النَّار، ولم يرتكبوا ذنبًا).
قال: «وكذلك لا استبعاد في إثابة من لم يُطع، ففي الحديث: «إنَّ الله ﷻ ينشئ في الجنَّة أقوامًا»(2) (يعني: يخلقهم ليثيبهم بفضله، وإن لم يعبدوه ولم يعملوا صالحًا من قبل).
وكذلك الحكم في الحُور العين، وكذلك الحكم في أطفال المسلمين.
وليس بدعًا من إحسانه المبتدأ من غير عمل، فإنَّه قد أحسن إلى الملائكة المقربين، وإلى النبييِّن والمرسلين، وكذلك أحسن إلى الفجَّار والأبرار في هذه الدار، وكذلك إلى الحيوانات من الوحوش والبهائم والأنعام. وقد يكلِّف بالطاعة ولا يثيب عليها، كما كلَّف الملائكة المقرَّبين، ولا اعتراض على ربِّ العالمين الَّذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ومن اعترض زاد شقاؤه، واشتد بلاؤه، وعظم عناؤه.
ويجاب على اعتراضه: أنَّ الربوبيَّة ليست مقيدة بمصالح العبوديَّة، ولا حجر للعباد على ربِّهم حتَّى لا يفعل إلَّا ما يصلحهم، بل القدرة الأزليَّة مطلقة لا تتقيَّد، بما يصلح العباد، ولا بما يعمر البلاد، ولا بما يوجب الرشاد.
وقد شاهدنا ما يُبتلى به من لا ذنب له ولا تكليف عليه، كالصبيان والمجانين والبهائم، من الآلام والأوصاب، والجوع والظمأ، والغرق والحرق.
مع أنَّا نعلم أنَّ الربَّ لا ينتفع بذلك ولا يتضرَّر بفقده، وكذلك لا ينتفع المبتلى بذلك، بل ينتفع بفقده»(3).
فما قولكم في هذا الكلام من هذا العالم الكبير؟ وهل توافق على هذا القول، وما يترتَّب عليه من وصف ربِّنا العليم الحكيم البرِّ الرحيم ذي الجلال والإكرام، الَّذي لا يخاف أحد عنده ظلمًا ولا هضمًا بأنَّه يعذِّب أناسًا بالنَّار وهم لم يعصوه، أو يخالفوه، أو يقترفوا في حقِّه تعالى ذنبًا؟!
أرجو أن أقرأ جوابكم بما يشفي الصدر في هذه القضية، الَّتي تتعلَّق بصفات ربنا تبارك وتعالى، المتصف عندنا بكل كمال، المنزه عن كلِّ نقص.
نفع الله بكم وأمدَّكم برُوح من عنده.
(س. ع. ك)
طالب ماليزي بالدراسات العليا بالأزهر
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فأنا من أشدِّ المعجبين بالإمام الأصوليِّ الفقيه الكبير المجتهد عزِّ الدين ابن عبد السلام، الملقَّب بسلطان العلماء، سواء من ناحية سعة علمه وعمق فكره، وغوصه على مقاصد الشَّرع، ومصالح الخلق، وهو ما تمثل في كتابه العميق القيم (القواعد الكبرى) أو (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، أم بسلوكه ومواقفه العمليَّة من سلاطين زمانه من المماليك، حتَّى إنَّه أصر على بيعهم، وإدخال ثمنهم في بيت المال، حتَّى لقبه من لقبه باسم (بائع الملوك)!.
ومع هذا أخالفه في نظرته في هذه القضية؛ إذ لا عصمة لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ : المؤيَّد بالوحي، وكل عالم يُؤخذ من كلامه ويُترك، فقد غلبت على الإمام هنا عقيدته الأشعرية الَّتي لم يستطع أن يتحرر منها تمامًا، كما تحرر كثيرًا من مذهبيَّته الفقهيَّة، فهو في الفروع إمام مستقل بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وإن انتسب إلى مذهب الشافعي، أمَّا في أصول الدين؛ فهو ملتزم إلى حدٍّ كبير بالأصول الأشعرية.
والأشعرية في هذه القضية ـ قضية مراعاة الله 2 للحكمة ومقتضى العدل، واللجوء إلى التعليل لأفعاله سبحانه في هذا العالم، بما فيه خير العباد ومصلحتهم ـ يُعتبرون من أضعف المدارس الإسلاميَّة، بحيث يكادون يقتربون من المدرسة الجبريَّة.
الأشعرية يُجَوِّزون على الله تعالى: أن يُعذِّب المطيع، ويثيب العاصي؛ لأنَّه خالق الخلق، ومالك الملك، فهو يتصرَّف في ملكه كما يشاء.
وقد ردُّوا على المعتزلة الَّذين قالوا: يجب على الله فعل الصلاح والأصلح لعباده ـ لأنَّ هذا هو مقتضى الحكمة والجود والرحمة ـ بما يشاهد في الكون من وقوع الآلام للأطفال والمجانين والبهائم، فهم يتعذَّبون، ولا ذنب عليهم؛ لأنَّها مخلوقات غير مكلَّفة.
وفي «متن الجوهرة» وهي المنظومة الَّتي كانت مقرَّرة علينا في «المرحلة الثانوية الأزهرية» حفظنا:
ألم يَرَوْا إيلامَه الأطفالَا
ومثلهــا، فحــاذرِ الْمُحـالَا(4)
ولقد اعتمد الإمام عزُّ الدين ابن عبد السلام في التدليل على دعواه، على مثال إيلام الأطفال والمجانين، وما يلقونه من الأمراض والأوجاع دون ذنب منهم.
والذي أراه هنا ما ذكره الإمام المحقِّق ابن القيِّم في كتابه: «مفتاح دار السعادة» بأنَّ هذه الآلام وتوابعها وأسبابها من لوازم النشأة الإنسانية الَّتي لم يخلق «الإنسان» منفكًّا عنها، فهي كالحرِّ والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، والهم والغم، والعجز والضعف؛ فإن هذه الآلام هي من لوازم النشأة الإنسانية، الَّتي لا ينفكُّ عنها الإنسان، فلو تجرد عنها لم يكن إنسانًا، بل مَلَكًا أو خلقًا آخر.
قال: وليست آلام الأطفال بأصعب من آلام البالغين بيقين، لكن لمَّا صار لهم عادة سهل موقُعها عندهم، وكم بين ما يقاسيه الطفل وما يعانيه البالغ العاقل، وكلُّ ذلك من مقتضى الإنسانية وموجب الخِلقة(5) اهـ .
وما ذكره العلامة ابن عبد السلام من الحديث الصحيح الَّذي فيه أنَّ الله يخلق للنار أقوامًا يملؤها بهم، ومقتضاه أنَّه يعذِّبهم بلا ذنوب اقترفوها، يقصد بهذا الحديث الَّذي أخرجه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، عن أبي هُرَيْرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «اختصمت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما». وفيه: «وإنَّه ينشئ للنَّار من يشاء، فيُلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟»(6).
فقد اختلف المحدِّثون والشُّراح في هذا الحديث وما أثاره من إشكال! وكيف يخلق الله أناسًا لمجرَّد أن يعذِّبهم، وهو الحَكَم العدل، وهو أرحم الراحمين؟! وقد أعلن القرآن في مواضع كثيرة: أنَّ أهل النَّار إنَّما عُوقبوا بما كسبت أيديهم، ولا يظلم ربُّك أحدًا. قال تعالى: ﴿وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 95]، ﴿أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 8]، ﴿فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 39]، ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 52]، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 90]، ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: 15]، ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الحج: 10]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44].
نقل الحافظ ابن حجر في «الفتح» عند شرحه للحديث بهذه الزيادة: «وإنَّه ينشئ للنَّار من يشاء». عن المهلَّب قال: في هذه الزيادة حجَّة لأهل السُّنَّة في قولهم: إنَّ لله أن يعذب من لم يكلِّفه لعبادته في الدنيا؛ لأنَّ كلَّ شيء ملكه، فلو عذبهم لكان غير ظالم(7)! انتهى.
قال الحافظ: وأهل السُّنَّة إنَّما تمسَّكوا في ذلك بقوله تعالى:﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾[الأنبياء: 23]، ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾[آل عمران: 40]وغير ذلك.
قال: وهو عندهم من جهة الجواز (أيْ العقلي) أمَّا الوقوع، ففيه نظر، وليس في الحديث حجَّة، للاختلاف في لفظه، ولقبوله التأويل، وقد قال جماعة من الأئمَّة: إنَّ هذا الموضع مقلوب.
وجزم ابن القيِّم بأنَّه غلط، واحتجَّ بأنَّ الله تعالى أخبر بأن جهنَّم تمتلئ من إبليس وأتباعه.
وكذا أنكر الرواية شيخنا البُلْقَيني واحتجَّ بقوله:﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا﴾[الكهف: 49]. ثمَّ قال: وحمله على أحجار تلقى في النَّار أقرب من حمله على ذي رُوح يعذَّب بغير ذنب(8) انتهى.
قال الحافظ: ويمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح ولا يُعذَّبون، كما في الخزنة(9) (يعني خزنة النَّار كمالك وغيره).
قال: ويحتمل أن يُراد بالإنشاء: ابتداء إدخال الكفَّار النَّار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق(10) اهـ .
وما ذكره الحافظ عن ابن القيِّم، يعني: ما ذكره في كتابه: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» بأنَّ ما وقع في هذا الحديث من صحيح البخاري غلط من بعض الرواة، انقلب عليهم لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده، فإنَّ الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، فإنه لا يعذب إلَّا من قامت عليه حجته وكذَّب رسله(11).
يُشير ابن القيِّم إلى قوله تعالى ردًّا على إبليس:﴿قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ٨٤ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[ص: 84، 85]. وفي موضع آخر:﴿قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الأعراف: 18].
وما أخبر به الله تعالى في كتابه لا بدَّ أن يتحقَّق؛ لأنَّه سبحانه يستحيل عليه الكذب؛ لأنَّه نقص لا يليق بكماله، وقد قال تعالى:﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا﴾[النساء: 87].
فكيف إذا كان هذا الإخبار بصيغة القسم، كما تدل عليه اللام والنون المؤكدة:﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
1. يقصد الحديث الذي رواه البخاري: «وإنَّه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟». رواه البخاري في التوحيد (7449)، عن أبي هريرة.
2. منها ما رواه أنس، عن النبي ﷺ أنَّه قال: «لا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا». رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2848).
3. هذه الفقرات منقولة من قواعد الأحكام (2/74، 75)، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1414هـ ـ 1991م.
4. انظر: الشرح الجديد لجوهرة التوحيد لمحمد أحمد العدوي صـ 83، نشر شركة مصطفى البابي الحلبي، ط 1، 1947م.
5. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن القيم (1/274، 275)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
6. سبق تخريجه صـ 31.
7. فتح الباري (13/437)، كتاب التوحيد شرح حديث (7449).
8. انظر: المرجع السابق (13/437).
9. انظر: فتح الباري (13/437).
10. انظر: المرجع السابق.
11. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم صـ 394، نشر مطبعة المدني، القاهرة.