المقالات

❓ الحساب للنَّاسِ جميعًا

📅 2026-06-03 👁 845 مشاهدة

نص السؤال:

هناك سؤال يدور في ذهني: هل يجوز لنا نحن البشر التفكير في كلِّ ما يعِنُّ لنا، أو فيما يمسُّ ديننا ممَّا هو دون الذات الإلهية؟ فإذا كان الجواب بنعم، فهناك سؤال آخر، وهو هل يجوز لنا أن نفكِّر في كيف يسأل الشخص الَّذي يموت ويحرق وينثر رماده في البر والبحر، كيف يكون سؤال القبر وهو ليس له قبر؟ وهل مثل هذا السؤال لا يجوز؛ لأنَّه يؤدي بصاحبه إلى الشرك أو الشك؟ وهل المسلمون فقط هم الَّذين يُحاسَبون في الآخرة، وأمَّا الكافرون فلا يُحاسَبون وسوف يدخلون النَّار بلا حساب؟ وفي الختام، أستغفر الله من كلمة أقولها وربَّما تهوي بي في قعر جهنمَّ.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا: أجيب عن الجزء الأخير من هذه التساؤلات فأقول: لا، ليس المسلمون وحدهم هم الَّذي يُحاسبون ويُسألون، السؤال والحساب للنَّاسِ جميعًا، الله تعالى يقول وهو يتحدَّث عن المشركين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92 ـ 93]، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. وهذا خطاب للجميع، ﴿فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6].
ومن أسماء يوم القيامة: يوم الحساب، كما قال الله 8 : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ[ص: 26]. وهو اليوم الَّذي تُحاسب فيه كلُّ نفس بما كسبت، وتُجازى فيه بما عملت، ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ[الأنبياء: 47]، وفي الحديث عن النَّبيِّ : «لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة، حتَّى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه»(1).
فالحساب والسؤال يكون يوم القيامة، ويكون للجميع، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، حتَّى الرسل يُسألون، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّـهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ[المائدة: 109]. الله تعالى سيسأل الرسل، وسيسأل الأمم الَّتي أرسل إليهم الرسل، حتَّى سيدنا عيسى يُسأل يوم القيامة، الله تعالى يقول:﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١١٦ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ[المائدة: 116 ـ 118].
فالسؤال يكون للنَّاسِ عامة، إلَّا طائفة من المسلمين، سيدخلون الجنَّة بغير حساب، وهم السبعون ألفًا الَّذين ذكرهم النَّبيُّ في حديث ابن عبَّاس المتَّفَق عليه، قال: قال رسول الله : «عُرِضت عليَّ الأممُ، فجعل النَّبيُّ والنبيَّان يمرُّون معهم الرهط، والنبيُّ ليس معه أحد، حتَّى رُفع لي سَوَادٌ عظيم، قلتُ: ما هذا؟ أُمَّتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سوادٌ يملأ الأفق، ثمَّ قيل لي: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء! فإذا سوادٌ قد ملأ الأفق، قيل: هذه أُمَّتك، ويدخل الجنَّة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب». ثمَّ دخل ولم يبيِّن لهم، فأفاض القوم، وقالوا: نحن الَّذين آمنا بالله واتَّبعنا رسوله، فنحن هم، أو أولادنا الَّذين وُلِدوا في الإسلام، فإنَّا وُلِدْنا في الجاهليَّة، فبلغ النَّبيَّ فخرج، فقال: «هم الَّذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يتطيَّرون، ولا يكتوُون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون». فقال عكَّاشة بن مِحْصَن: أمِنْهم أنا يا رسولَ الله؟ قال: «نعم». فقام آخر فقال: أمِنْهم أنا؟ قال: «سبقك بها عُكَّاشة»(2).
الكفَّار سيدخلون النَّار فلِمَ يحاسبون؟
قد يقال: الكفَّار سيدخلون النَّار، فلِمَ يُحاسبون؟ أقول: النَّار دَرَكات، فهناك الدَّرْك الأسفل الَّذي فيه المنافقون، كما قال القرآن: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]. وهناك الَّذين كفروا فقط، كما قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6]. وهناك الَّذين كفروا وظلموا، والذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ١٦٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا﴾ [النساء: 167 ـ 169].
هل يستوي كفر فرعون وآل فرعون بكفر الَّذين استخفَّهم فرعون فأطاعوه؟ لا يستوون، يقول تعالى عن آل فرعون: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ[غافر: 46]. كيف يُدخلهم أشدَّ العذاب؟ بعد أن يحاسبهم ويقرِّرهم بذنوبهم، فتنشر يومئذٍ الدواوين، وتُنصب الموازين، كلٌّ منهم يعرف ما له وما عليه، وكلٌّ في كتابٍ مبين، الله تعالى يقول: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلْزَمْنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كِتَٰبًۭا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا[الإسراء: 13 ـ 14]. كلُّ النَّاس يُحاسَبُون ويُسْألون، وليس المسلمون وحدَهم هم الَّذين يُسألون.
﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ[الأنبياء: 47]. النَّاس كلُّهم سيُحاسَبون، إلَّا من استثناهم الحديث، وهم قلَّة.
الكفَّار يُحاسبون لأجل أنْ تقوم عليهم الحجة، وقد ورد في بعض الآثار أنَّ العبد يقول يوم القيامة: «أيْ ربّ، أليس وعدتني ألَّا تظلمَني؟ قال: بلى. قال: فإنِّي لا أقبل عليَّ شاهدًا إلَّا من نفسي». قال: «فيقول تبارك وتعالى: أوَليس كفى بي شهيدًا وبالملائكة الكرام الكاتبين شهودًا؟» قال: «فيردِّد هذا الكلام مرارًا». قال: «فيُختم على فيه، وتتكلَّمُ أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا، عنكنَّ كنتُ أجادل.
﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 22]»(3).
كما قال الله 8 ﴿ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ[يس: 65]. وكما قال تبارك وتعالى:﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٠ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢١ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٢٢ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ[فصلت: 19 ـ 23].
هذا يكون عند الحساب والسؤال، فالجوارح تشهد، والشخص يحاول أن يرد عن نفسه ولو بالكذب، فتنطق الأعضاء، حتَّى جلوده تشهد عليه، فالحساب للجميع حتَّى للكفَّار، لتُقام عليهم الحُجَّة، وليعرف مقدارَه من الكُفْر، ومقدار عصيانه، ليتحدَّد بعد ذلك مقدار عذابه، ولذلك يقول الله تعالى عن آل فرعون:﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ[غافر: 46]، فهناك عذابٌ شديد، وهناك أشدُّ العذاب.
هدَّد الله سبحانه الَّذين طلبوا من سيدنا عيسى المائدة، فقال تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ[المائدة: 115]، بعدما طلبتم المائدة وجاءتكم من السماء، تكفرون بعد ذلك!
فأنواع العذاب تتفاوت، كما أنَّ درجات النعيم تتفاوت.
أمور الغيب فوق إدراك العقل:
ولا مانع من النِّقاش، إذا كان المقصود منه الوصول إلى الحقيقة، وليس المقصود التعنُّت أو الإحراج، أو اللَّدَد والمراء، والانتصار للنَّفْس، وإثبات القدرة على الجدال، كما يفعل بعض النَّاس.
وأحبُّ أنْ أنبِّه إلى أنَّ هناك أشياء فوق إدراك العقل البشري، لا يجوز لنا أن نفكِّر فيها أو نتناقش حولها؛ لأنَّها فوق إدراك العقل البشري، كما قال ابن عبَّاس: «تفكَّرُوا في آلاء الله، ولا تتفكَّروا في الله»(4). هذا الإله العظيم، ليس في استطاعة العقل البشرى إدراك كنهه، ولا معرفة حقيقته، كيف وقد عجز عن معرفة كنه ذاته، وعن كنه النفس، وحقيقة الحياة، وكثير من حقائق الكون المادية، من كهربية ومغناطيسية وغيرها؟ وما عرف إلَّا آثارها، فكيف يطمع في معرفة ذات الله العلي الكبير؟﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ١٠٢ لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ[الأنعام: 102 ـ 103].
فكما أنَّ لنا مدى معيِّنًا في البصر، وكذا لا يستطيع الإنسان أن يخترق الجدار ليرى ما وراءه، وكذلك السمع يسمع إلى حدودٍ معيَّنة، فالعقل أيضًا له حدود لا ينبغي أن نتجاوزها، لنبحث في أمور الغيبيَّات، الَّتي لا يجدي البحث فيها. فلنوفِّر الطاقة العقلية للبحث فيما يجدي، هذا هو الأولى بنا في هذه القضايا، وقد عاقب عمر رجلًا جعل كلَّ همِّه أن يسأل عن المتشابهات، الَّتي لا يتعلق بها حكم عملي، وقد يثير الجري وراءها مراء وجدالًا، لا طائل تحته، إلَّا إضاعة الأوقات، وبلبلة الأفكار، وإيغار الصدور.
السؤال لمعرفة أمر دينه:
أمَّا إن كانت النيَّة من السؤال أن يعرف المسلمُ أمرَ دِينه، ويصل إلى الاطمئنان في القلب، فلا حرج في ذلك، كما سأل سيدنا إبراهيم 0 : ، كما قصَّ ذلك علينا القرآن الكريم، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾[البقرة: 260]. قال: أنا مؤمن، ولكن أريد أن أنتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، أريد أن أرى الأشياء الَّتي أنا موقن بها أراها عيانًا، فأنتقل من درجة إلى درجة أعلى، ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ[البقرة: 260]. فهناك أشياء يجب أن يعرف الإنسان فيها الحقَّ من الباطل، فلا حرج في ذلك.
← العودة لقسم الإلهيات