2026-06-03
947
لُثغة سيدنا موسى عليه السلام
رسالتي إلى حضرتكم من أجل أخذ رأيكم في موضوع أو رواية تُروَى عن سيدنا موسى 0 : ، ذلك أنَّه قيل: إنَّ موسى 0 : أُصيب في صِغره بلُثْغة في لسانه من جرَّاءِ جمرةٍ ملتهبة وضعها على لسانه. فقد أراد فرعون اختبار عقل موسى؛ حين أخذ بلحيته وهو صغير، وهَمَّ بقتله، وخافت عليه آسية امرأة فرعون وقالت: إنَّه طفل لا يعي، فاختبرْه بوضع تمرة وجمرة بين يديه. ففعل، فهم الطفل بأخذ التمرة، ولكن الله صرفه لأخذ الجمرة. فأصابته لُثغة بسببها.
في حقيقة الأمر لم أستطعْ تصوُّر الكيفيَّة الَّتي تمَّت بها الحادثة. ولكن بحسَب رأيكم: أيمكننا أن نقول عن هذه الرواية صحيحة؟ أو ما هو مصدرها؟
ذلك أنَّ تصوُّري قد قادني إلى أنَّ يد موسى قد تحترق قبل أن يحترق لسانه ويُصاب بلُثغة فيه، وهذا هو التصور المنطقي حسب رأيي.
فأرجو أن توضِّحوا لنا إن كانت هذه الحادثة روايتها صحيحة، فما هو تمامها وما تفسيرها؟.
وإن كانت غير ذلك، فلِمَ يستند إلى روايتها بعض الكتَّاب وبعض الوعَّاظ، دون الإشارة إلى توضيح أكثر عن روايتها وصحَّتها؟!.
نرجو أن يكون ظنُّكم فينا حسنًا، ووفَّقكم الله لما فيه خير هذه الأُمَّة وصلاحها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه القصَّة الَّتي سأل عنها الأخ الكريم، وهي أنَّ فرعون وضع أمام موسى في طفولته تمرة وجمرة، فألهمه الله أن يأخذ الجمرة، ووضعها على لسانه، فأصيب لسانه بما سبب له لُثغة، وهي الَّتي جعلته يسأل الله أن يرسل معه أخاه هارون؛ لأنَّه أفصح منه لسانًا، وهي الَّتي جعلت فرعون يقول عن موسى:﴿أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف: 52].
وجعلت موسى يدعو ربه فيقول في دعائه:﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ٢٧ يَفْقَهُواْ قَوْلِى﴾[طه: 27، 28].
هذه القصَّة مذكورة للأسف في بعض كتب التفسير، وهي ممَّا يعده المسلمون من باب «الإسرائيليَّات» الَّتي دخلت في قصص الأنبياء في القرآن، وشاعت بين عوامِّ المسلمين، لما فيها من غرائب.
وكثير من هذه الإسرائيليَّات لا يُوجد له أصل، حتَّى في كتب أهل الكتاب المعروفة، فيبدو أنَّها من خرافات العوامِّ الَّتي شاعت بينهم، وتناقلوها شفاهًا، فلما أسلم منهم من أسلم، نقلوها إلى المسلمين، فتقبَّلها الأكثرون، بناء على أنَّها مجرَّد حكايات لا تدخل في الأحكام، ولا يترتَّب عليها حلال ولا حرام.
ولا يستبعد أن تكون من تخيُّلات أو اختراعات بعض المسلمين، والواقع أنَّ هذه القصَّة وأمثالها ليس لها أي قيمة دينيَّة ولا علميَّة عندنا نحن المسلمين. فقصص من قبلنا من الأنبياء وأتباعهم هي من أنباء الغيب الَّتي لا نعلمها، ولا نعلم حقيقتها، إلَّا بوحي من الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ.
وليس عندنا عن هذه القصَّة كتابٌ ولا سُنَّة.
وهي منافية للتصوُّر المنطقيِّ السليم، لما ذكر الأخ في رسالته؛ إذ كيف يحمل الطفل الجمرة إلى فمه ولم تصب يده؟ وإنَّ من المشاهد أنَّ الطفل إذا لسع لسعة خفيفة من مصباح أو نحوه قرَّب يده منه، يبتعد كليًّا عن النَّار ومصدرها.
وكيف تصل الجمرة إلى اللسان ولا تصاب الشفتان مثل اللِّسان؟
إنَّها قصة ظاهرة الانتحال والصنعة، ولا حرج علينا أن نرفضها، بل هو الواجب علينا باسم العلم، وباسم الدين.
ونأسف لوجودها في بعض كتبنا، شأنها شأن الكثير من الحكايات والأساطير الَّتي سُمِّيت «الإسرائيليَّات» وقد حُشيت بها بطون الكتب، وهي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها من الشَّرع برهان.
وبالله تعالى التوفيق.