المقالات

❓ الجديد الَّذي جاء به محمَّد ﷺ رد على بابا الفاتيكان

📅 2026-06-03 👁 887 مشاهدة

نص السؤال:

تذكرون فضيلتكم التطاول الَّذي صدر من بابا الفاتيكان ضد الإسلام ونبي الإسلام، وقد أشار البابا إلى حوار دار بين إمبراطور بيزنطي وعالم (أو متعلِّم) مسلم جاء فيه: أخبرني: ما الجديد الَّذي جاء به محمَّد غير الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية، مثل أمره بنشر دينه ـ الَّذي يدعو إليه ـ بحدِّ السيف؟
وقد كان لعلماء الأُمَّة عامة، ولكم خاصة: وقفة قوية تؤجرون عليها عند الله تعالى يوم القيامة، في مواجهة هذا البُهتان. ولكنِّي أودُّ من فضيلتكم أن تردوا لنا كتابة على هذا الهراء، الَّذي لا يساوي المداد الَّذي كتب به، مبينين الجديد الَّذي جاء به محمَّد ممَّا ليس عند اليهود والنَّصارى. لِتهْلِك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة.
سائلين الله تعالى لكم طول العمر، وحسن الخاتمة.
(أ. ع. ك)
من جامعة الشارقة
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد ذكر البابا في محاضرته أن الإمبراطور البيزنطي سأل محاوره العالم (أو المتعلم) المسلم: «أخبرني ما الجديد الَّذي جاء به محمَّد غير الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية، مثل أمره بنشر دينه ـ الَّذي يدعو إليه ـ بحدِّ السيف؟».
ولم يخبرنا البابا في كلمته: ماذا أجاب به هذا العالم (أو المتعلم) الفارسي المسلم؟ فلا شكَّ أنَّه ردَّ على محاوره، وإلا كان حوارًا من جانب واحد!
وقد سكت البابا نفسه عن هذا التساؤل، والسكوت في هذه الحال تسليم وإقرار ومُوافقة على ما تضمنه السؤال القبيح.
يؤكِّد هذا: أنَّ البابا قد اقتبس هذا الكلام على لسان القيصر البيزنطي ـ وهو مسيحي أرثوذكسي، مخالف لدين البابا، بل هو في نظره كافر؛ ليستشهد به على الفكرة المخبوءة في رأسه، وهي: أنَّ الجهاد في الإسلام ـ أو الحرب المقدسة كما يقول ـ يحمل معنى العنف في التعامل مع الآخرين؛ وهو ما تخالف فيه النصرانيَّة الإسلام، فهي ترفض العنف بإطلاق، ولا ترى أن تُقابل السيئة بمثلها، ولا توافق مَن يقول: الشرُّ بالشرِّ يُحسم، والبادئ أظلم! بل يقول إنجيلها: «مَن ضربك على خدك الأيمن فأَدِرْ له خدك الأيسر، ومَن سخَّرك لتسير معه ميلا فسِرْ معه ميلين»(1)!
أمَّا الإسلام، فقد قال لأتباعه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ [البقرة: 190]، ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]، ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
وإذا لم يردَّ البابا على سؤال القيصر، فنحن نتطوَّع بالردِّ عليه، ونقول له: يا سيادة القيصر أو الإمبراطور، أحسب أنَّه لا يخفى عليك ما جاء به الإسلام من جديد، في كلِّ المجالات، الَّتي اشتملت عليها الرسالة الإسلاميَّة العامَّة الخالدة الشاملة.
1 ـ في مجال العقائد:
جاء بالجديد في مجال العقيدة في كلِّ أقسامها ونواحيها:
في مجال الألوهية: جاء بالتوحيد الخالص، فلا يُشارك اللهَ أحدٌ في ربوبيته ولا في أُلوهيته، كما جاء بالتنزيه المحض، فلا يُشبَّه الله بأحد من خلقه، كما فعلت اليهوديَّة، ولا يُشبَّه المخلوق بالخالق، كما فعلت النصرانيَّة. وحسبك سورة الإخلاص:﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٣ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص: 1 ـ 4].
وفي مجال النبوات: جاء بمبدأ عِصمة الأنبياء من الذنوب، ولا سيما الكبائر، الَّتي تنسبها إليهم أسفار التوراة، فهذا يسكر، وهذا يزني، وهذا يطمع في امرأة جاره، ويحتال عليه حتَّى يُقتل في المعركة، ويحظى بزوجته من بعده!
وفي مجال الغيبيات والآخرة: جاء بمبدأ العدل الإلهي، الَّذي لا يخاف عنده أحد ظُلمًا ولا هضمًا، والذي لا يظلم أحدًا مثقال ذرة:﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ[الأنبياء: 47].
وبهذا أبطل الشفاعة الشِّركية الَّتي اعتمد عليها الوثنيُّون؛ في أن أصنامهم أو آلهتهم المزعومة تَشفع لهم عند الله، ولا يملك الله أن يردَّ شفاعتها، وقد انتقلت فكرة الشفاعة هذه إلى أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى، الَّذين زعموا أنَّهم تشفع لهم أحبارهم ورُهبانهم؛ فأبطل الله هذه الشفاعة الشركيَّة بصفة مُطلقة، وأثبت شفاعة أخرى، ولكنَّه قيَّدها بقيدين:
الأول: أنَّه لا يشفع أحد إلَّا بإذن الله:﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ[البقرة: 255]، ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ[النجم: 26].
والثاني: أنَّه لا شفاعة لغير أهل التوحيد، فأما المشركون فلا شفاعة لهم، قال تعالى في شأن الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ[الأنبياء: 28]، ولا يرتضي الله أهل الشرك أبدًا، وقال عن المشركين: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ[المدثر: 48]، وقال عنهم:﴿مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ[غافر: 18].
2 ـ في مجال العبادات والشعائر:
وجاء بالجديد في مجال العبادات: في الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
· الصلاة:
أما الصلاة: فهي في الإسلام فريضة عظيمة، وهي عمود الإسلام، والركن الثاني من أركانه بعد الشهادتين. الإسلام وحده هو الدين الَّذي يجعل المسلم على موعد مع ربِّه خمس مرات في كلِّ يوم، لا يوجد دين يربط الإنسان بربه هذا الربط، يجعله ينتشل نفسه من لُجَّة الحياة؛ إذا غرق في أعمالها ومشاغلها، ليقف بين يدي مولاه.
عندما تزول الشمس عن كَبِد السماء، بعد الزوال يناديه المنادي: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح، فينتزع نفسه من الدنيا، ويأتي ليؤدِّي صلاة الظهر، وبعد أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله، يؤدِّي صلاة العصر، وبعد أن يغرب قرص الشمس يؤدِّي صلاة المغرب، وبعد أن يغيب الشفق الأحمر يؤدِّي صلاة العشاء، وبعد أن ينبلج الفجر يؤدِّي صلاة الفجر، «خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة»(2).
كما جاء بنوافل تطوُّعية كثيرة لا تُعرف في أديان أخرى، مثل: صلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكُسوف والخُسوف، وغيرها من الصلوات الَّتي تُؤدَّى في جماعة.
هذا غير السنن الرواتب، وغير النوافل الَّتي فتح الله بابها، لمَن يحبُّ الاستزادة من الخير، «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الَّذي يسمع به، وبصره الَّذي يبصر به، ويده الَّتي يبطش بها، ورجله الَّتي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأُعيذنَّه»(3).
كما فتح الباب لصلوات فردية، مثل: صلاة الضحى، وقيام الليل.
ومن أعظم الصلوات الجماعية الَّتي جاء بها: صلاة التراويح في رمضان من كلِّ عام، وهي صلاة طويلة يحرص المسلمون عليها، ويتقرَّبون إلى الله بأدائها، وخصوصًا في الحرمين الشريفين.
كما جاء بصلاة الجمعة الأُسبوعية، الَّتي يجتمع فيها النَّاس في المساجد، ويسمعون الموعظة.
الصَّلاة في الإسلام ليست كالصَّلاة عند المسيحيِّين أو اليهود، الصَّلاة عند المسيحيِّين دعاء وابتهال، أمَّا الصَّلاة في الإسلام، فهي قيام وقعود، وركوع وسجود، وتلاوة وتسبيح، وتكبير وتهليل وتشهُّد، يعمل فيها اللسان ذاكرًا مسبِّحًا، ويعمل فيها الجسم متحرِّكًا قائمًا قاعدًا، ويعمل فيها القلب مخلصًا خاشعًا، ويعمل فيها العقل متدبِّرًا متأمِّلًا.
هذه الصَّلاة الَّتي جمعت كلَّ أنواع التعظيم لله 8 ، ولها شروط ليست عند أي دين من الأديان: ألَّا تقوم للصلاة إلَّا متطهِّرًا: طاهر الثوب، طاهر البدن، طاهر المكان، طاهرًا من الحَدَث الأكبر إذا أصابتك جنابة، ومن الحَدَث الأصغر إذا انتقض وضوؤك، تقوم متطهِّرًا متوضِّئًا تقف بين يدي الله، آخذًا زينتك، ساترًا عورتك، متجرِّدًا بقلبك لله، مستقبلًا الكعبة، مراعيًا الوقت، حتَّى لا تكون من﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ[الماعون: 5].
· الزكاة:
وأما الزكاة: فقد تميَّزت عن الصدقات في الأديان الأخرى بجُملة مزايا:
أولًا: إنَّ الزكاة الإسلاميَّة لم تكن مُجرَّد عمل طيِّب من أعمال البر، بل هي رُكن أساسي من أركان الإسلام، يُوصم بالفسق مَن منعها، ويُحكم بالكفر على مَن أنكر وجوبها، فليست إحسانًا اختياريًّا، وإنَّما هي فريضة تتمتَّع بأعلى درجات الإلزام الخُلُقي والشرعي.
ثانيًا: إنَّها في نظر الإسلام حقُّ للفقراء في أموال الأغنياء، وهو حقُّ قرَّره مالك المال الحقيقي وهو الله تعالى، فليس فيها معنى من معاني التفضُّل والامتنان من الغني على الفقير.
ثالثًا: إنَّها﴿حَقٌّۭ مَّعْلُومٌۭ[المعارج: 24]. قدَّر الشَّرع الإسلامي نُصبه ومقاديره، وحدوده وشروطه، ووقت وطريقة أدائه.
رابعًا: هذا الحقُّ لم يُوكل لضمائر الأفراد وحدها، وإنَّما حُمِّلت الدولة المسلمة مسؤولية جبايتها بالعدل، وتوزيعها بالحقِّ. فهي ضريبة تُؤخذ وليست تبرُّعًا يُمنح.
خامسًا: إنَّ من حقِّ الدولة أن تؤدِّب ـ بما تراه من العقوبات المناسبة ـ كلَّ مَن يمتنع من أداء هذه الفريضة.
سادسًا: إنَّ أيَّ فئة ذات شوكة تتمرَّد على أداء هذه الفريضة؛ فإن من حقِّ إمام المسلمين ـ بل من واجبه ـ أن يُقاتلهم ويُعلن عليهم الحرب، حتَّى يؤدُّوا حقَّ الله وحقَّ الفقراء في أموالهم.
سابعًا: إنَّ الفرد المسلم مطالَب بأداء هذه الفريضة العظيمة، وإقامة هذا الركن الأساسي في الإسلام، وإن فرَّطت الدولة في المُطالبة بها، أو تقاعس المجتمع عن رعايتها. وعليه ديانة أن يعرف من أحكام الزكاة ما يُمكِّنه من أدائها على الوجه المشروع المطلوب.
ثامنًا: إنَّ حصيلة الزكاة لم تُترك لأهواء الحكام، ولا لتسلُّط رجال الكهنوت ـ كما كان الحال في اليهوديَّة ـ ولا لمطامع الطامعين من غير المُستحقِّين، تُنفقها كيف تشاء، بل حدَّد الإسلام مصارفها ومُستحقيها، فقد عرَف البشر من تجاربهم أن المهم ليس هو جباية المال، إنَّما المهمُّ هو أين يُصرف؟
تاسعًا: إنَّ هذه الزكاة لم تكن مُجرَّد معونة وقتية، بل كان هدفها القضاء على الفقر، وإغناء الفقراء إغناءً دائمًا؛ لأنَّها فريضة دوريَّة مُنتظمة دائمة الموارد.
عاشرًا: إنَّ الزكاة ـ بالنظر إلى مصارفها الَّتي حدَّدها القرآن وفصَّلتها السُّنة ـ قد عملت لتحقيق عدَّة أهداف رُوحية وأخلاقية واجتماعية وسياسية. فهي أوسع مدى، وأبعد أهدافًا من الزكاة في الأديان الأخرى(4).
· الصيام:
وأمَّا الصيام: فقد جاء الإسلام بالجديد الَّذي يجعل صيام المسلمين مُتميِّزًا عن الصيام المعروف عند النَّصارى، فالصيام الإسلامي حرمان كامل من كلِّ ما يُشبع شهوتي البطن والفرج، ولو من حلال، طلبًا لمرضاة الله تعالى. كما قال الله تعالى في الحديث القدسي عن الصيام: «يَدَع طعامه من أجلي، ويَدَع شرابه من أجلي، ويَدَع زوجته من أجلي، ويَدَع لذَّته من أجلي، فالصيامُ لي وأنا أجزي به»(5).
الصيام في النَّصرانيَّة عن كلِّ ذي رُوح، ولكنَّه يأكل من الأغذية النباتية، ما يُشبع بطنه، ويُلبِّي شهوته.
ولا يعرف صيام النَّصارى الصيام عن الشهوة الجنسية، فلا يحلُّ للمسلم الصائم أن يُجامع امرأته إلَّا في الليل.
وهذا الصيام مفروض في كلِّ سنة لمدَّة شهر كامل، وهو شهر مُعيَّن معروف، هو شهر رمضان، الَّذي يدور في الفصول الأربعة كلها، ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة: 185]، وفرضية الصيام ثابتة بالقرآن المؤكَّد بالسُّنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 183]، ولا يوجد نصٌّ في التوراة ولا في الأناجيل، يُفيد فرضية الصيام على اليهود والنَّصارى.
ولهذا الصيام أحكام أجملها القرآن، وفصَّلتها السنة، وقنَّنها الفقه، تقوم على اليُسر ورفع الحرج،﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾[البقرة: 185].
وينتهي صيام رمضان بصدقة مفروضة على كلِّ مسلم، يقدر على أدائها، وهي صدقة الفطر، الَّتي فرضها رسول الإسلام، إسعافًا للفقراء والمساكين في يوم العيد، يطوف المُوسرون عليهم ليُعطوها لهم، ولا يُكلفوهم بأن يطوفوا هم عليهم، بل يُغنوهم عن السؤال في هذا اليوم، الَّذي يجب أن يشترك فيه الجميع في مسرَّة العيد.
وبهذا ارتبط عيد الفطر بفريضة الصيام، ويبدأ بصلاة مخصوصة هي صلاة العيد، يجتمع فيها أهل البلد أو القرية في صعيد واحد، في صورة مهرجان إسلامي، يُهلِّلون ويُكبرون، يبدؤون يومهم بطاعة الله سبحانه وعبادته.
· الحج:
وفي عبادة الحج، وهي الرُّكن الخامس من أركان الإسلام، تتميَّز هذه العبادة عن مثيلاتها في الأديان الأخرى.
فهي أولًا: فريضة ورُكن يُؤدِّيه كلُّ مَن استطاع إليه سبيلًا، في العمر مرَّة، وبعدها يكون تطوُّعًا منه.
وهي ثانيًا: عبادة بدنية ومالية، فإذا كانت الصَّلاة والصيام عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية، فإن الحجَّ جمع بين الأمرين، فهو عبادة بدنية ومالية، يُتعب المسلم فيه بدنه، ويُعاني المشقَّات في سفره، وفي أداء مناسكه، وفي إقامته في مِنى وعرفات ومزدلفة وغيرها. وفي الطواف والسعي، ومع ذلك عليه أن يبذل ماله، في نفقات السفر إلى مكة، والإقامة فيها حتَّى يعود.
وهي ثالثًا: تعتمد على الحركة الجماعية للحجيج؛ لأنَّ مناسك الحجِّ موقوتة بأيام مُحدَّدة، فالتحرُّك إلى مِنى في يوم التروية (الثامن من ذي الحجَّة)، والوقوف بعرفة يوم التاسع، والنفير من عرفة إلى مزدَلِفة بعد غروب يوم التاسع، أي ليلة العاشر، ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة يوم العاشر، ورمي الجمرات يومي الحادي عشر والثاني عشر لمَن تعجَّل.
وكل هذه الأعمال تُؤدَّى في تحرُّك جماعي، يُعتبر عند المسلمين ضربًا من العبادة لله، وسببًا في التقرُّب إليه. ويعتبر الحجُّ تدريبًا للمسلم على السلم، فلا يقتل صيدًا، ولا يقطع شجرًا، وتدريبًا على المساواة، فالناس جميعًا يلبسون ثيابًا بيضاء بسيطة متواضعة، لا تفرِّق فيها بين غني وفقير، ولا بين سوقة وأمير.
ويُعتبر الحج إذا كانت نفقته من حلال، وأُدِّي بإتقان وإخلاص: ميلادًا جديدًا للمسلم، يرجع معه إلى بلده إنسانًا آخر، كما صحَّ في الحديث: «مَن حجَّ ولم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمُّه»(6).
وفي يوم العاشر من ذي الحجة: يقع عيد الأضحى، وهو العيد الثاني للمسلمين، وهو مُرتبط بعبادة الحجِّ، ولذا يسمَّى يوم العاشر: يوم الحجِّ الأكبر.
هذا الحجُّ بشعائره وأركانه وشروطه وآدابه: من الجديد الَّذي جاء به محمَّد عليه الصَّلاة والسلام، وليس من الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية الَّتي زعمها الإمبراطور البيزنطي!
3 ـ الجديد في الأخلاق:
وجاء بالجديد في مجال الأخلاق، لقد جاء الإسلام بمجموعة من الفضائل الأخلاقية، أسَّسها على فلسفة ربانية عميقة، تتميَّز بجملة من الخصائص.
أخلاق معلَّلة مفهومة:
لم تكن الأخلاق في الإسلام كما جاءت في اليهوديَّة والنصرانيَّة، تحكُّمية غير معلَّلة ولا مفهومة (افعل كذا)، مجرَّدًا من أيِّ تفسير أو تعليل، لكن القرآن إذا أمر أمرًا علَّله: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103]، ﴿يَٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]،
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]، أطهر لهم، وأنمى لهم، وأرقى لهم.
يُعلِّل القرآن أوامره الأخلاقية، فهي أخلاق مفهومة، ليست أخلاقًا تحكُّمية.
أخلاق وسطية متوازنة:
وهي أخلاق وسطية متوازنة، تجمع بين الدنيا والآخرة، بين العقل والقلب، وبين الرُّوحية والمادية، بين الحقِّ وبين الواجب، بين ما للإنسان وما على الإنسان، فإذا كان الإنسان المثالي في المسيحية: هو الراهب الَّذي يتجرَّد عن الحياة، ويعتزل الدنيا، ويعتزل النساء، ولا يتزوج، ولا يعمل للحياة. فإنَّ الإنسان المثالي في الإسلام هو الَّذي يجمع بين الحسنتين: الدنيا والآخرة، ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ[البقرة: 201]، في يوم الجمعة يسعى المسلم إلى ذكر الله ويَذَر البيع، فمن الممكن أن يكون في بيع قبل الصلاة، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[الجمعة: 10]، فيمكنه أن يعمل قبل الصلاة، ويعمل بعد الصلاة.
العمل في الإسلام عبادة، والعمل في الإسلام جهاد، ولذلك تبدو الأخلاقية الإسلاميَّة هي الأخلاقية الوسطية، ليس هناك إنسان يظلُّ يعبد الله دائمًا، يصوم النهار ويقوم الليل. حينما شكا بعض الصحابة أنه يشعر بأنَّه نافق في حياته؛ لأنَّه يكون على حال عند رسول الله، وعلى حال آخر إذا ذهب إلى بيته، وداعب زوجته ولاعب أولاده، فقال له، وكان اسمه حنظلة: «يا حنظلة، لو دُمتم على الحال الَّتي تكونون فيها عندي؛ لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكنْ يا حنظلةُ ساعةً وساعة»(7).
لا يطلب الإسلام من الإنسان المسلم أن يظلَّ عابدًا باكيًا خائفًا طَوال حياته، ولكن ساعة وساعة، هذا هو الإسلام.
جاء الإسلام بالتوازن الأخلاقي، فإذا كانت اليهوديَّة قالت: السنُّ بالسنِّ، والعين بالعين، والأنف بالأنف. والمسيح قال: مَن ضربك على خدِّك الأيمن فأَدِر له خدَّك الأيسر(8). فإنَّ الإسلام لم يأمر بما أمر به المسيح أمرًا عامًّا؛ لأن هذا قد يصلح لمجموعة صغيرة منتقاة، لكن لا يصلح أمرًا عالميًّا وتوجيهًا عالميًّا لكل البشر، ولكنَّه رغَّب فيه، باعتباره فضلًا وإحسانًا، الإسلام جاء بالعدل، وجاء بالفضل: مرتبة العدل: ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا،  ومرتبة الفضل:﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ[الشورى: 40].
عليك أن تقوم بالعدل وهذا الواجب، ولك أن تقوم بالفضل والإحسان وتعفو:﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّٰبِرِينَ[النحل: 126].
أخلاق واقعية:
الأخلاق في الإسلام أخلاق وسطية، وأخلاق واقعية، تراعي حالة الإنسان لا تريد من الإنسان أن يكون ملاكًا مطهَّرًا، يمكن للإنسان أن يقع في الخطيئة، ولا عجب أن يقع الإنسان في الخطيئة، أبوه آدم أخطأ، ولكن الله فتح له باب التوبة: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 121، 122]، الله تعالى ذكر الأُمَّة المصطفاة فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [فاطر: 32]، من الأُمَّة مَن يظلم نفسه، ويقصِّر في بعض الواجبات، ويقع في بعض المحرمات، ولكن هذا لا يغلق باب التوبة عنه، باب الله مفتوح: ﴿قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
4 ـ الجديد في التشريع:
أمَّا الجديد في التشريع فحدِّث ولا حرج.
فمن المعروف أنَّ المسيحية ليس فيها تشريع، إلَّا ما جاءت به في شأن الطلاق، وتحريمه؛ إلَّا لعِلَّة الزِّنَى، وقد كفر المسيحيون بهذا التشريع، وأجازوا الطلاق لأتفه الأسباب، ولم يلتزموا بتعاليم دينهم في ذلك.
وأمَّا ما جاءت به اليهوديَّة من التشريعات، فيغلب عليها «القومية الإسرائيلية»، فهو ليس تشريعًا إنسانيًّا عالميًّا، بل هو تشريع لشعب معيَّن.
وهذا بخلاف التشريع الإسلامي، الَّذي جاء تشريعًا عالميًّا إنسانيًّا، فقد أعلن القرآن الكريم منذ العهد المكي أنه جاء:﴿رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ[الأنبياء: 107]، كما أنه:﴿ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ[القلم: 52]، وقال للرسول محمد:﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[الأعراف: 158].
ولهذا دخل الإسلام بلاد الحضارات: فارس، والروم، والعراق، والشام، ومصر، وشمال إفريقيا، والهند، وحكم هذه البلاد، فما ضاق تشريعه يوما بواقعة، بل عالج كلَّ المشكلات برُوح سمحة، وعقل مرن، في ضوء أصول دينه، ومقاصد شريعته، فكان من وراء ذلك: الخير والعدل، والأمن والاستقرار.
لقد كانت الأصول النظرية الَّتي جاء بها التشريع وافية بكلِّ ما يحتاج إليه البشر، في مجال الفرد وحاجاته، ومجال الأسرة ومطالبها، ومجال المجتمع ومقوماته، ومجال الأُمَّة ورسالتها، ومجال العلاقات الإنسانية في السلم والحرب.
وكانت هذه الأصول تتميَّز بخصائص لا تتوافر لغيرها: غايتها الربانية، ونزعتها الإنسانية، ووِجهتها الأخلاقية، وعلاجاتها الواقعية، ورؤيتها العالمية، ومراعاتها للمصالح البشرية المتنوِّعة، ومرونتها في مواجهة المشكلات، بما يلائم الزمان والمكان والعُرف والحال، ويراعي لكلِّ حالة ظروفها، ويعطيها حقَّها وحكمها، مع الحرص على الموازنة بين النصوص الجزئية في الواقعة، والمقاصد الكلية للشريعة، ورعاية القواعد الفقهيَّة الَّتي تحكم منطق الفقيه حين ينظر في النصوص، وحين تَرِد عليه الوقائع.
مثل قواعد: الأمور بمقاصدها ـ العادة مُحكَّمة ـ لا ضرر ولا ضرار ـ المشقَّة تجلب التيسير ـ الضرورات تبيح المحظورات. ـ الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة ـ الضرر يُزال ـ الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه ـ يُتحمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ـ يُتحمَّل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى ـ يُرتكب أخفُّ الضررين ـ يُفوَّت أدنى المصلحتين.
ولقد خدمت هذا التشريع عقول كبيرة على مرِّ العصور، وتكوَّنت مدارس ومذاهب شتَّى في فقه هذا التشريع، تملك ثروة هائلة من «الفقه» المؤسَّس على «أصول» معروفة، والمستنِد إلى أدلَّة من النقل والعقل، نوَّهت بقيمته المؤتمرات العالمية للقانون، الَّتي انعقدت في أوربا في القرن الماضي، في لاهاي، وفي باريس.
وقُدِّمت مئات الرسائل للحصول على درجة الماجستير والدكتوراه في الجامعات الإسلاميَّة المتعدِّدة في أنحاء العالم، وفي الجامعات غير الإسلاميَّة أيضًا: في كليَّات الحقوق (القانون) والتجارة والإدارة والاقتصاد وغيرها، كلها تُجلِّي جانبًا أو أكثر من جوانب هذا التشريع العظيم.
ولقد سبق هذا التشريع الَّذي مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرنًا: التشريعات المعاصرة في تبنِّي نظريات المساواة والحرية والعدل، ومحاربة الظلم والفساد والطغيان. وكل النظريات الَّتي يفخر بها القانون الحديث كان للمسلمين السبق فيها، وإن اختلفت المصطلحات أو الصياغات، مثل نظرية «التعسُّف في استعمال الحقِّ»، ونظرية «تحمُّل التبعة»، ونظرية «الظروف المخفِّفة»، وغيرها.
هل جاء محمَّد بأشياء شريرة ولا إنسانية؟
كان في كلمات القيصر البيزنطي الأرثوذكسي، الَّذي جعل البابا كلامه عمدة فيما تحدَّث به عن الإسلام في محاضرته: أنَّ محمدًا لم يجئ بشيء جديد، إلَّا الأشياء الشريرة واللاإنسانية، مثل أمره بنشر دينه الَّذي جاء به بحدِّ السيف!
فليت شعري: ما الأشياء الشريرة الَّتي جاء بها محمد؟ وهو أعظم من دعا إلى الخير، وفعل الخير، ونية الخير، والتعاون على الخير، والدعوة إلى الخير، والإنفاق في سبيل الخير، والجهاد في سبيل الخير.
وهو أشهر من قاوم الشرَّ والفساد والجريمة، والظلم والرذيلة والاحتكار، والربا وكنز المال، والسَّرف والترف، والاستبداد والطغيان، وقهر الضعفاء، وأكل حقِّ الفقراء، وأجر العمال، وحقوق المستضعفين: اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهو أظهر من دعا إلى برِّ الوالدين ـ ولو كانا مشركين ـ وصلة الأرحام، وإيتاء ذي القربى، والإحسان إلى الجيران، وإكرام اليتيم والأرملة، والحضِّ على طعام المسكين.
كما دعا إلى تكريم الإنسان من حيث هو إنسان، ورعاية فطرته الَّتي فُطر النَّاس عليها، وعدم مصادرة غرائزه، بل التسامي بها وتهذيبها بحيث تقف عند المُثُل العليا، الَّتي تسمَّى: حدود الله، وتهتدي بهدى الله، والمحافظة على كرامة وحرية الإنسان، الَّذي جعله الله في الأرض خليفة، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، وأسبغ عليه نِعَمه ظاهرة وباطنة، فلا يجوز أن يسوقه حاكم بالعصا كما تُساق الحمير، ولا يجوز أن يُهضم حقُّه، أو يُهمل أمره، أو تداس كرامته، أو تدنس حرماته، بل يجب أن يُحمى دينُه ودمه، وعرضه وماله، وأن يُرعى حق الضعيف، حتَّى أنه أجاز القتال من أجل إنقاذ المستضعفين.
وإنِّي لأسائل الإمبراطور ومَن وافق على كلامه: أين أمر محمَّد بنشر دينه بالسيف؟ هذا هو القرآن أمامنا كاملًا غير منقوص، لم تضِع منه كلمة واحدة، يضمُّ أكثر من ستة آلاف آية، فأين من هذه الآيات ما يأمر بنشر الدين بالسيف؟.
وجدنا الآيات الَّتي ترفض أن يدخل النَّاس الدين تحت بريق السيف، أو أي لون من ألوان الإكراه.﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ[البقرة: 256].
ليس في القرآن إلَّا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
وإذا لم نجد هذا في القرآن، فهل نجد هذا في السنة؟
لا والله، لن نجد هذا في السنة كما لم نجده في القرآن.
يقول القرآن الكريم في سورة النحل المكية:﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ[النحل: 125].
ويقول في سورة آل عمران المدنية:﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[آل عمران: 64].
فانظر إلى ختام الآية:﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟. أي أعرضوا عن الإيمان، ولم يقبلوه. ﴿فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، لم يقل: فاضربوا رقابهم بحدِّ السيف، أو شنُّوا عليهم الغارة.
وليست هذه هي الآية الوحيدة الَّتي تقول ذلك في شأن مَن تولَّوْا عن الإسلام وأعرضوا عنه، بل هناك عشرات الآيات تضمُّ مثل ذلك.
ففي نفس سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ[آل عمران: 20].
وفي سورة النور:﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ[النور: 54].
وفي سورة التوبة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن، وفيها الآيات الَّتي يزعمون أنَّها «آيات السيف»(9)! نقرأ قوله تعالى في آخر السورة:﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢٨ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾[التوبة: 128، 129].
ربَّما قال بعضهم: هناك حديث يقول: «بُعِثْتُ بالسيفِ بينَ يدَيِ الساعة»(10). وأقول: هذا الحديث ليس فيه أمر بنشر الإسلام بالسيف، وإنَّما يقول: «بُعثتُ بالسيف»، وقد بيَّنا في كتابنا «فقه الجهاد» أن هذا الحديث مردود من حيث سنده، وقد ضعَّفه مخرجو الحديث في المسند، ومن حيث دلالته، وهو مناقض لنصِّ القرآن الكريم الَّذي يقول:﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾[التوبة: 33].
فهذا ما أُرسل به محمد: ﴿بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾، وهذا ما تكرَّر في القرآن(11).
فقل لي بربك: أين أُمر محمَّد بنشر دينه بالسيف، إذا لم تجد ذلك في آية أو بعض آية من كتابه، ولا في حديث أو بعض حديث من سنته؟
نعم هناك آيات ـ وكذلك أحاديث ـ تحضُّ على القتال في سبيل الله، ولكن هذه ليس فيها أية دلالة على أنَّ المقصود بها نشر الدين بالسيف، بل دفع الفتنة في الدين، وتوفير الحرية للمؤمنين، وقتال مَن يقاتل المؤمنين، وتأديب الناكثين والظالمين، وإنقاذ المعذبين والمستضعفين، فهذا ما جاءت به آيات القرآن الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم، وليس فيها نصٌّ واحد يأمر بنشر دين الله بالحديد والنار، والسيف البتار.
← العودة لقسم النبوات