المقالات

❓ موعـد قيام الساعة لا يعلمـه إلَّا اللـه - الرد على مزاعم رشاد خليفة

📅 2026-06-03 👁 891 مشاهدة

نص السؤال:

أرسل إليَّ بعض الإخوة صورة ممَّا كتبه المدعو: «د. رشاد خليفة» حول تحديد موعد قيام الساعة، ذلك الرجل الَّذي خدع النَّاس يومًا بحكاية الرقم (19) وتطبيقه على بعض ما جاء في القرآن الكريم، وتوهم بعض النَّاس أنَّه جاء بوجه جديد من وجوه الإعجاز القرآني، ونوه به من نوه، وكتب من كتب، وكنت من الَّذين لم يستريحوا لهذا النوع من الاستنباط، الَّذي لا يستحقُّ كلَّ ما أثير حوله من ضجيج الإطراء، وأقصى ما يُقال فيه: إنه من «مُلَح العلم» وطرائفه، وليس من صلبه ولبابه. حسَب تقسيم الإمام أبي إسحاق الشاطبي 5 .
وقد تبين بعد، أنَّ الكاتب المذكور، كان يتخذ من ذلك الرمز الَّذي اصطنع له دعاية ضخمة ذريعة إلى أمور أُخَر، منها: التشكيك في السُّنَّة النبويَّة، المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، ومنها: تحريف كلم الله عن مواضعها، والقول على الله بغير علم، وتفسير القرآن بالهوى والرأي المحض، كما يبدو ذلك من هذه المقالة الَّتي نحن بصدد الرد عليها، والتي نشرها في أكثر من مجلة، بعضها ممَّا يُروِّج لكل باطل، وبعضها ممَّا ينخدع بأي بريق.
مزاعم رشاد خليفة حول تحديد موعد نهاية العالم:
يحسن بي أن أسوق ما قاله هذا الرجل المغرور بحروفه، دون تلخيص أو تصرف، لأردَّ على كلِّ دعاويه بالحجة الدامغة.
يقول رشاد خليفة: «عندما نزل القرآن الكريم على خاتم النبيين محمَّد ، كان الله وحده يعلم عن موعد نهاية العالم، ولذلك عندما سُئل محمَّد 0 : عن موعد نهاية العالم أعطى نفس الإجابة: «الله وحده يعلم» (الأعراف: 187، الأحزاب: 63، النازعات: 42).
يعلمنا خالقنا عز وجلأنَّ هذا العالم سوف ينتهي لا محالة (يونس: 24، إبراهيم: 48، الكهف: 8، الحاقة: 14).
كما نتعلم من الآية (15) من سورة طه أنَّ موعد نهاية العالم سوف يتم الإزاحة عنه قبل حلول النهاية:﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ[طه: 15].
ومن كلمة «أَكَاد» ندرك أن الكشف عن موعد نهاية العالم، سوف يحتاج إلى بعض العمل أو بعض الحسابات.
وتعلمنا الآية (187) في سورة الأعراف: أنَّ الله سبحانه سوف يكشف عن موعد نهاية العالم «في الوقت المناسب»:﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ.
ومن البديهي أن يكشف المولى عز وجلعن موعد نهاية العالم في رسالته الختامية إلى العالم وهي القرآن الكريم.
دعنا الآن نلخص هذه الحقائق القرآنية:
1 ـ هذا العالم سوف ينتهي (الكهف: 8).
2 ـ نهاية العالم لن تظل مخفاة:﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ﴾[طه: 15].
3 ـ سوف يكشف الله سبحانه عن نهاية العالم في الوقت المناسـب (الأعراف: 187).
4 ـ الكشـف عن موعد نهايـة العالـم، يحـتاج إلى بعض العمـل بعض الحسـابات (طه: 15).
علامات على الطريق:
نظرًا لحساسية وأهمية هذا الموضوع، شاء المولى 8 أن يعضد هذا الكشف بعلامات واضحة، وبراهين دامغة. بحيث تزول جميع الشكوك والريبة من قلوب المؤمنين. هذه العلامات والبراهين تؤكد لنا أنَّ الحسابات كلها صحيحة.
لقد اتضح أنَّ موعد نهاية العالم يرتبط ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا بالحروف القرآنية فواتح السور:﴿الٓمٓ﴾، ﴿كٓهيعٓصٓ﴾، ﴿طسٓمٓ﴾، ﴿نٓ﴾، إلخ.
منذ بداية الإسلام وموعد نهاية العالم مرتبط ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا بالحروف القرآنية: فواتح السور.
هذه الحقيقة تتضح لنا من الحادثة التاريخية المشهورة الَّتي التقى بموجبها يهود المدينة بالرسول 0 : . هذا الحدث التاريخي نجده في كثير من المراجع الهامة من بينها تفسير البيضاوي المشهور الَّذي نجد صورة منه أدناه: يروي هذا الحدث أن يهود المدينة ذهبوا إلى الرسول 0 : لمناقشته، وكان يهود المدينة كغالبية اليهود ماهرين في علم القبالة، أو حساب الجُمَّل، وهو علم مبني على أساس القيم العددية للحروف الأبجدية.
ويلزم هنا تنبيه القارئ إلى أنَّه عندما نزل القرآن الكريم لم تكن هناك أرقام مكتوبة، كانت الحروف تستعمل كأرقام.
فالحـرف (1) قيمته (واحـد)، والحـرف (ل) قيمتـه (30)، والحـرف (م) قيمته (40)، وبناء عليه فإنَّ الحروف القرآنية ﴿الٓمٓ﴾ مجموع قيمتها هو (1 + 30 + 40 = 71).
ذهب يهود المدينة إلى الرسول قالوا: «كيف تتوقع منَّا أن نؤمن بدين سوف يعيش في هذا العالم (71) سَنة فقط؟ فمن الواضح أنَّ علماء اليهود قد ربطوا بين الحروف القرآنية ﴿الٓمٓ﴾ الآية الأولى من سـورة البقرة وهي أوَّل سورة مدنية. ربطوا بين هذه الحروف ومـدة حـياة الرسالة المحمدية. ومن أهم الملاحظات هنا أنَّ الرسول 0 : وافقهم على حساباتهم، وعلى هذا الربط المباشر بين الحروف القرآنية وبين عمر الدين الإسلامي. فالرسول لم يعترض على طريقتهم في الحساب، بالعكس، لقد قال لهم الرسول كما تخبرنا مراجع التاريخ قال لهم: «ولكن ﴿الٓمٓ﴾ ليست الحروف الوحيدة في القرآن فعندنا:﴿الٓمٓصٓ﴾، و﴿الٓر﴾، و﴿الٓمٓر﴾إلخ».
ولما كان محمَّد هو خاتم النبيين[سورة الأحزاب الآية: 40]فإن نهاية دينه هي ذاتها نهاية العالم.
هذا الحدث التاريخي يعلِّمنا أنَّ الحروف القرآنية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا بنهاية العالم.
ولقد بقي معنى الحروف القرآنية سرًّا إلهيًّا محفوظًا لمدة (14) قرنًا (سورة يونس الآية: 20 وسورة الفرقان الآية: 6).
ثم تبين من دراسات الحاسب الإلكتروني للقرآن الكريم أن هذه الحروف تساهم في نظام حسابي قرآني فائق الدقة، بحيث يثبت للعالم بطريقة مادية ملموسة أنَّ القرآن الكريم هو رسالة الله إلى العالم، وأنَّ كلَّ كلمة فيه ـ بل كلَّ حرف ـ قد حُفظت على مدى السنين والقرون:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ[الحجر: 9].
وهكذا فقد شاء الله 4 أن يثبت للعالم أصالة رسالته، وأصالة هذه الحروف، قبل إزاحة الستار عن علاقة هذه الحروف بنهاية العالم.
فالحروف القرآنية ليست فقط دليل أصالة وعظمة القرآن الكريم، ولكنها أيضًا تفيدنا عن موعد نهاية العالم كما يشاء المولى 8 .
إذ يعلمنا القرآن الكريم أنَّ عُمْر الرسالة المحمدية الختامية يساوي مجموع القيمة الحسابية للحروف القرآنية.
فعدد السنوات الَّتي خصصها الله سبحانه للرسالة المحمدية يبينه القرآن الكريم في السورة رقم (15) وهذه أوَّل علامة على الطريق. فنحن نرى أن نهاية العالم لن تبقى خافية وذلك في الآية رقم (15) من سورة طه، بينما نجد عدد السنوات في السورة رقم (15).
إن عدد السنوات الَّتي خصصها المولى 8 لدين محمَّد 0 : نجده محددًا في سورة الحجر، رقم (15) الآية (85) إلى (88).
فالآية (85) تفتتح هذا الموضوع بالقول إن نهاية العالم آتية لا محالة:﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ[الحجر: 85].
والآية (86) تذكرنا أن الله سبحانه يعلم موعد الساعة؛ لأنَّه هو الَّذي خلق السماوات والأرض ويعلم نهايتهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [الحجر: 86].
ثم تحدد الآية (87) بالضبط عمر الرسالة المحمدية:﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَيا محمد،﴿سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ[الحِجر: 87].
فالقرآن الكريم عدد فواتح السور فيه هو بالضبط سبع من المثاني أي (14) فكلمه «مثنى» معناها «اثنين» أو «زوج» كما في القول مثنى وثلاث ورباع، أي اثنين أو ثلاثة أو أربعة. وجمع مثنى هو المثاني، سبعًا من المثاني.
وهكذا يقول الله عز وجل: إنَّ المدة الَّتي خصصها لرسالة نبيه محمَّد تساوي مجموع السبع المثاني أي الـ (14) فاتحة قرآنية. فإذا تذكرنا أنه لم تكن هناك «أرقام» عندما نزل القرآن يمكننا النظر إلى الحروف القرآنية فواتح السور، باعتبارها (14) رقمًا.
ومما يزيد الأمر وضوحًا أن الآية التالية، وهي الآية (88) من سورة الحجر تقول للرسول 0 : : إنَّ الفترة الَّتي منحها الله إياه أطول من الفترة الَّتي منحت لأي رسول آخر:﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ[الحِجر: 88].
فمن المعروف أنَّ الفترة الَّتي منحها الله سبحانه لرسالة موسى 0 : كانت 1463 سنة، والفترة الَّتي منحها الله سبحانه لرسالة عيسى 0 : كانت 570 سنة. أمَّا الفترة الَّتي منحها الله عز وجلللرسالة المحمدية فهي السبع المثاني.
ما هي القيمة العددية للسبع المثاني؟ إنَّ هذه القيمة العددية تساوي عمر الدين الإسلامي أي عدد السنوات الَّتي حددها الخالق سبحانه من بعثة محمَّد 0 : حتَّى نهاية العالم.
فيما يلي قائمة «السبع المثاني» وقيمتهم العددية:
1.﴿قٓ﴾= 100
2.﴿نٓ﴾= 50
3.﴿صٓ﴾= 90
4.﴿حمٓ﴾= 8 + 40 = 48
5.﴿يسٓ﴾= 10 + 60 = 70
6.﴿طه﴾= 9 + 5 = 14
7.﴿طسٓ﴾= 9 + 60 = 69
8.﴿الٓمٓ﴾= 1 + 30 +40 = 71
9.﴿الٓر﴾= 1 + 30 + 200 = 231
10.﴿طسٓمٓ﴾= 9 + 60 + 40 = 109
11.﴿عٓسٓقٓ﴾= 70 + 60 +100 =230
12. 1﴿الٓمٓصٓ﴾= 1 + 30 + 40 + 90 = 161
13. 1﴿الٓمٓر﴾= 1 + 30 + 40+ 200 = 271
14.﴿كٓهيعٓصٓ﴾= 20 + 5 + 10 + 70 + 90 = 195
المجمـوع الكـلي = 100+50 + 90 + 48 +70 + 14 + 69 + 71 + 231 + 109 + 230 + 161 + 271 + 195 = (1709)
إذن عمر الرسالة المحمدية كما حدده القرآن الكريم هو (1709) سنة قمرية. نظرًا لأنَّ سنوات القرآن دائمًا قمرية (سورة التوبة: 36).
وهذا الرقم (1709) يقدم لنا أربع علامات جديدة على الطريق:
أولًا: هذا الكشف شاء المولى عز وجلأن يظهره في عام 1400هـ علمًا بأن التواريخ السائدة في العالم هي التواريخ الَّتي يشاؤها الله عز وجلبوصفه الملك الحاكم الحقيقي لهذا العالم. هذا يعني أن هذا الكشف قد ظهر قبل نهاية العالم بـ (1709 ـ 1400 = 309) 309 سنة. وهذا الرقم (309) رقم قرآني:﴿وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا[الكهف: 25].
ثانيًا: الرقم (309) نجده مكتوبًا في القرآن بطريقة خاصَّة جدًّا: «ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا» ولقد اكتشف العلماء حديثًا أن الفرق بين ثلاثمائة سنوات شمسية وثلاثمائة سنوات قمرية هو بالضبط تسعة سنوات قمرية. فكتابة الرقم (309) بهذه الطريقة يوفر علينا النقاش والجدل فيما إذا كانت السنوات قمرية أو شمسية، فالحمد لله رب العالمين. ونرى بوضوح أن نهاية العالم كما حـددها القـرآن سـوف تأتي بمشيئة الله بعد (309) سنة قمرية أو (300) سنة شمسية، وذلك بعد سنة الاكتشاف (1400هـ ـ 1980م).
ثالثًا: طبقًا للآية (78) من سورة الحجر، فإنَّ الفترة الَّتي خصصها الله سبحانه للرسالة المحمدية هي مجموع السبع المثاني أي (1709) سنة. وهذا معناه أنَّ السَّنة التالية لعام (1079هـ) هي سنة انتهاء العالم وهي سنة (1710هـ). وهذا الرقم من مضاعفات الرقم (19). ولعل القارئ يعلم الآن أن الرقم (19) عدد حروف البسملة هو الرقم القاسم المشترك الأعظم للنظام الحسابي القرآني. انظر التفاصـيل في كتابي بعنـوان: «الكمبيوتر يتكلَّم» فالرقم (1710) عام انتهاء العالم من مضاعفات الرقم (19)، وهذه من أهم العلامات على طريق هذا البحث.
رابعًا: العام الهجري (1710هـ) عام نهاية العالم يتَّفق مع العام الميلادي (2280) وهذا الرقم أيضًا (2280) من مضاعفات الرقم (19).
كل هذه العلامات تؤكد لنا أنَّ نهاية العالم الَّتي لا بدَّ من وقوعها قد كتبها الله سبحانه في قرآنه العظيم، وأنَّ الموعد الصحيح لها هو العام الهجري 1710هـ الموافق للعام الميلادي 2280م.
ملحوظة هامة:
عندما ظهر هذا الاكتشاف ونشر لأول مرة اعترض بعض النَّاس على أساس أن الساعة لا بدَّ وأن تأتي «بغتة»، كما يقول القرآن:﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً.
والحقيقة أنَّ القول: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. هو بالضبط مثل القول: ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ[النساء: 43]. وبالضبط مثل القول:﴿فَوَيْلٌۭ لِّلْمُصَلِّينَ[الماعون: 4]، ويكشف عن الجهل بالقرآن.
ولقد حذرنا المولى 8 ألَّا نكون من المقتسمين، الَّذين يجعلون القرآن عِضين، أي يأخذون قسمًا من القرآن دون القسم الآخر، ويأتي هذا التحذير للمقتسمين في سورة الحجر عقب تحديد موعد الساعة مباشرة (الآية: 90).
فالبغتة نجدها في القرآن الكريم (13) مرة، وفي كُلِّ مرَّة نجد البغتة (للكافرين فقط). آيات البغتة هذه نجدها في (الأنعام: 31، 44، 47، والأعراف: 95، 187، ويوسف: 107، والأنبياء: 40، والحج: 55، والشعراء 202، والعنكبوت: 53، والزمر: 55، والزخرف: 66، ومحمد 18)، البغتة في القرآن للكافرين فقط؛ لأنَّهم لن يصدقوا هذه التعليمات القرآنية الواضحة، ولذلك ستكون الساعة مفاجأة لهم» انتهى مقال رشاد خليفة.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
بنى صاحب المقالة استنتاجه لموعد قيام الساعة من القرآن على أسس واهية، بل منهارة لا ثبات لها ولا صحة، ولا تقوم على ساقين من دين أو علم، أو منطق سليم.
ومحورها جميعًا تفسير القرآن برأيه وهواه، دون أن يرجع إلى القرآن نفسه، فخير ما فُسر القرآن بالقرآن، ولا إلى السنة النبويَّة، فالرسول هو المبين للنَّاسِ ما نزل إليهم، ولا إلى سلف الأُمَّة وخير القرون، وأفقه النَّاس لحقيقة الإسلام ومقاصد القرآن، ولا إلى خَلَفِها من المفسرين والشُّراح والفقهاء والمتكلِّمين وغيرهم من نجوم الدراية، وبحور الرواية.
وقد جهل أو تجاهل حديث النَّبيِّ : «من فسَّـر القـرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»(1)، «من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار»(2) ولا غرو، فهو لا يؤمن بالسنة كلها.
أمَّا هذه الأسس المنهارة فهي:
1 ـ تفسيره المردود للآية (15) من سورة طه.
2 ـ تفسيره الخاطئ للآية (187) من سورة الأعراف.
3 ـ تفسيره الباطل المحض للآية (87) من سورة الحجر.
4 ـ اختياره الرأي المضعف المردود في تأويل الحروف المقطعة في فواتح السور، وهو القائم على «حساب الجُمَّل» الَّذي لا تعرفه لغة العرب، ولا يسنده عقل ولا علم ديني أو تجريبي.
5 ـ اعتباره فواتح السور أربع عشرة، وهو اعتبار تحكمي لا يؤيده منطق. وإليكم البيان:
خطأ الكاتب في تفسير آية سورة طه:
زعم الكاتب أنَّ الآية 15 من سورة طه: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ، تعلمنا أن موعد نهاية العالم سوف يتم الإزاحة عنه قبل حلول النهاية. وأخذ من كلمة «أكاد» أن الكشف عن هذا الموعد سوف يحتاج إلى بعض العمل، أو بعض الحسابات!
ومن المعلوم الواضح أنَّ هذه الآية جاءت في سياق خطاب الله تعالى لموسى 0 : ، فلو كان المعنى كما فهم لكشف الله هذا الموعد لموسى أو لنبي بعده من أنبياء بني إسرائيل، أو للمسيح عيسى ابن مريم 1 ؛ ولكن الواقع أنه لم يكشف لهم ولا لأحد من الأنبياء، ولا لخاتمهم محمَّد عليه الصَّلاة والسلام.
ولو تواضع الكاتب قليلًا، ورجع إلى أئمَّة التفسير لفهم المراد من عبارة «أكاد أخفيها» يقول صاحب «روح المعاني» في تفسيرها: أقرب أن أخفي الساعة ولا أظهرها بأن أقول: إنَّها آتية، ولولا أن في الإخبـار بذلك مـن اللطف وقطع الأعـذار لما فعلت(3).
ورُوي عن ابن عبَّاس وجعفر الصادق: أن المعنى: أكاد أخفيها من نفسي(4). أي فكيف أظهرها لكم؟ قال الفراء: أكاد أخفيها من نفسي، فكيف أطلعكم عليها؟
وذكر صاحب «الدر» قول ابن عبَّاس أيضًا وهو: أكاد أخفيها من نفسي(5). وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي. ويقرب من هذا ما جاء في حديث السبعة الَّذين يظلهم الله في ظله: «ورجل تصدَّق بصدقةٍ، فأخفاها، حتَّى لا تعلم شمالُه ما أنفقت يَمِينه»(6).
ما فهمه الكاتب من آية الأعراف مردود عليه:
وزعم صاحب البحث كذلك أنَّ الآية (187) من سورة الأعراف: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُو، تعلمنا أن الله سبحانه سوف يكشف عن موعد نهاية العالم في الوقت المناسب... ومن البديهي أن يكشف عنه في رسالته الختامية إلى العالـم، وهو القـرآن، كما قال.
وهذا فهم خاطئ للآية الكريمة، وسياق الآية بتمامها ـ لو تأمله الكاتب الجريء ـ يبطل فهمه بوضوح.
يقول تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[الأعراف: 187].
فانظر كيف سأل السائلون رسول الله عن موعد الساعة، وكيف كان جوابه عنها بأمر الله تعالى، أنه لا يعلم عن وقت قيامها شيئًا، وإنَّما علمه عند الله. وقد كرر هذا المعنى للتأكيد مرتين:﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ.
وقد أتي صاحبنا من سوء فهمه للعربية، ومعنى اللام في قوله: ﴿لِوَقْتِهَآ. واللام هنا بمعنى «في» كما في حديث: «أفضل الأعمال الصَّلاة لوقتها»(7). أي في وقتها. فهذه الجملة كما قال الألوسي(8) بيان لاستمرار إخفائها إلى حين قيامها، وإقناط كلي عن إظهار أمرها بطريق الإخبار. وإنَّما يُظهرها بأن يقيمها في وقتها المعلوم، فيعلموها على أتم وجه حينئذ.
التفسير المبتدع لآية الحجـر:
اخترع صاحب هذا الرأي تفسيرًا لقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ﴾ [الآية: 87]. جعله عمدته فيما ادعاه، وهو تفسـير لا تدل عليه الآيـة، لا بالتصريح ولا بالإشارة، ولم يخطر ببال أحد من المتقدِّمين ولا المتأخِّرين، ولم يقلْ به أحد من أهل الرواية، ولا من أهل الدراية، بل هو مخالفٌ كلَّ المخالفة لِمَا صحَّ به النقل، وما دلَّ عليه العقل، وما يقتضيه السِّبَاق والسِّياق. وموجِبٌ أنَّ الأُمَّة كلَّها من الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم طوال أربعة عشر قرنًا، عاشوا وماتوا، ولم يفهموا ما أنزل إليهم من ربهم، مع أن الله أنزل كتابه بلسان عربي مبين، ووصفه بأنه: ﴿كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [هود: 6]، ويسَّره بلسانهم لعلَّهم يتذكرون، ومع هذا لم يتبينوا ولم يتذكروا حتَّى جاء صاحبنا من أمريكا، ليُبَيِّن ما كان خافيًا، ويُذكِّر بما كان منسيًّا!
قال الإمام الشوكاني في كتابه «فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية في التفسير»: اختلف أهل العلم في السبع المثاني: ماذا هي؟ فقال جمهور المفسرين: إنَّها الفاتحة. قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أنَّها فاتحة الكتاب، وهو قول عُمَر وعلي وابن مسعود، والحسن ومجاهد وقتادة، والربيع والكلبي. وزاد القرطبي(9) أبا هُرَيْرة وأبا العالية. وزاد النيسابوري: الضحاك وسعيد بن جبير(10)، وقد روي ذلك من قول رسول الله ، كما سيأتي بيانه فيتعين المصير إليه.
وقيل: هي السبع الطُّوَل ـ أي السور السبع الطوال ـ : البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة: الأنفال والتوبة لأنهما كسورة واحدة؛ إذ ليس بينهما تسمية. روي هذا عن ابن عباس.
وقيل: المراد بالسبع أقسام القرآن، وهي الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعريف النعم، وأنباء القرون الماضية، قاله زياد ابن أبي مريم.
ولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الصحيح، فعند نزول هذه الآية وهي مكية، لم تكن أكثر السبع الطوال نزلت؛ لأنَّها مدنية، وكذلك الأمر والنهي إنَّما نزل أكثرهما في المدينة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى﴾ تقدم إيتاء السبع على نزول هذه الآية(11).
وحسبنا لصحة القول الأول أن الإمام البخاري روى في ذلك حديثين في صحيحه:
الأول: من حـديث أبي سـعيد بن المعلى، وفيه قال :﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ[الفاتحة: 2]، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الَّذي أوتيته»(12).
وثانيهما: من حديث أبي هُرَيْرة، قال: «أمُّ القرآن ـ يعني الفاتحة ـ هي السبع المثاني والقرآن العظيم»(13).
فأما كونها سبعًا؛ فلأنَّها سبع آيات، والبسملة آية منها.
وأمَّا كونها مثاني، فلأنَّها تُثْنى، أي تُكَرَّر في كلِّ صلاة.
وعطف القرآن عليها من باب عطف العام على الخاص، وهو معروف في العربية.
فأمَّا قول صاحب التفسير المبتدَع: إنَّ﴿سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِىمعناها: (14) لأنَّ المثاني جمع «مثنى»، ومثنى تعني «اثنين» كأنه قال: يا محمد، أعطيناك أربعة عشر! فهذا من القول على الله بغير علم، ومن الاجتراء على كتاب الله بالرأي المحض والهوى الصرف، الَّذي جاء النهي عنه والوعيد عليه، من رسول الله . وهل لهذا نظير في كلام العرب شعرًا أو نثرًا؟!
تحكمات لا دليل عليها:
ولو افترضنا صحَّة ذلك، وما هو بصحيح، فما معنى أعطيناك أربعة عشر؟ وماذا تفيده هذه الكلمة، ولم يتبين منها المعدود ما هو؟ أهو إبل أم بقر أم غنم أم دراهم أم دنانير؟ أم أي شيء هو؟
وما الَّذي جعل صاحبنا يقول: إنَّ الـ (14) تعني فواتح السور في القرآن؟
وأي دليل على هذا من الشَّرع أو من اللغة أو من العقل؟
على أنَّ فواتح السور ليست أربعة عشر، بل هي تسعة وعشرون، فلماذا اكتفى بالأربعة عشرة؟
وإذا كان قد اكتفى بغير المكرر، فلماذا لم يحذف الحروف المكررة أيضًا ويقتصر على الحروف الأربعة عشرة المذكورة في فواتح السور؟
إن هذا كله تحكم من قائله لا يسنده دليل من دين أو علم.
ومن العجائب أنَّ صاحب هذا التفسير المبتدَع يقول مؤيِّدًا بدعته:
وممَّا يزيد الأمر وضوحًا: أنَّ الآية التالية وهي الآية 88 من سورة الحجر تقول للرسول : إنَّ الفترة الَّتي منحها الله إياه أطول من الفترة الَّتي منحـت لأي رسـول آخـر:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ، فسيادته يجعل الضمير في﴿مِّنْهُمْللمرسلين مثل موسى وعيسى!
هذا مع أن ما تدل عليه الآية بوضوح هو النهي عن التطلع إلى أصناف من النَّاس مُتِّعوا بأشياء لم يمتع هو بها من متاع الحياة الدنيا، فأما إذا كان ما عنده فوق ما عندهم، فلماذا يمد عينيه إليهم؟!
وأين ذكر المرسلين فيما سبق حتَّى يعود الضمير إليهم؟!
ولو أنَّ صاحبنا فسر القرآن بالقرآن، ورجع إلى سورة «طه» لوجد فيها آية شبيهة بهذه الآية توضح المقصود منها تمامًا. قال تعالى:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ[طه: 131].
يقول ابن كثير في تفسير الآية: «أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم، عمَّا هم فيه من المتاع والزهرة الفانية»(14).
وقال الشوكاني: «لمَّا بيَّن لرسوله ما أنعم عليه به من هذه النعمة الدينية؛ نفّره عن اللذات العاجلة فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ ...﴾ إلخ، أي لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمنّ لها». قال: «لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتـهم، نهاه عن الالتفات إليهم فقال: «ولا تحزن عليهم»؛ حيث لم يؤمنوا، وصمموا على الكفر والعناد»(15).
القصة الَّتي ذكرها البيـضاوي لا يُحتج بها:
على أنَّ القصَّة الَّتي ذكرها البيضاوي(16). وذكرها غيره أيضًا من المفسرين، واستشهد بها صاحب المقال على أنَّ النَّبيَّ أقر اليهود على ما فهموه من الحروف المقطعة في فواتح السور، وأنَّها تشير إلى مدة الرسالة المحمدية على طريقة «حساب الجُمَّل»؛ لأنَّه تبسَّم عند سماع قولهم، وتبسمه يدلُّ على إقراره لهم!
هذه القصَّة من الناحية العلمية غير ثابتة، ولم تُروَ بسند صحيح أو حسن، بل بإسناد ضعيف لا يحتج به، ضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره(17). والسيوطي في الدر المنثور(18). والشوكاني في فتح القدير(19). وأحمد شاكر في تخريج تفسير الطبري(20). فسقط إذن الاحتجاج بها؛ إذ لا يحتج بضعيف عند أهل العلم.
على أنَّ هذه القصَّة لو سلمنا بصحتها ليست نصًّا في الدلالة على صحَّة ما يقوله اليهود في حساب الجمل، وما استنتجوه من الحروف، وهذا ما ذكره البيضاوي نفسه الَّذي استشهد به الكاتب. فإنه ذكر هذا القول في جملة أقوال أخرى في تفسير هذه الحروف، مع ذكر ما استدلَّ به كلُّ قول، ومنها دليل هذا القول من القصَّة المذكورة، بزعم أن تقرير الرسول لهم على استنباطهم دليل على ذلك، ثمَّ أخذ العلامة البيضاوي يرد على الأقوال الَّتي حكاها واحدًا واحدًا، ومنها هذا القول اليهودي في مصدره. فذكر أنَّ هذه الحروف لم تُستعمل لحساب الجمل فتلحق بالمعرّبات.
قال: والحديث لا دليل فيه، لجواز أنه عليه الصَّلاة والسلام تبسَّم تعجبًا من جهلهم: أي لتفسيرهم النازل بلسان عربي بما ليس من معاني لغة العرب، كما قال الشهاب في حاشيته على البيضاوي(21). قال الشيخ شاكر: «ولله دَرُّ الحافظ ابن كثير، فقد وضع الحق في موضعه حين قال في التفسير(22): وأما من زعم أنَّها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره!
قال: وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته. ثمَّ ذكر الحديث الَّذي يروي القصَّة المذكورة نقلًا عن الطبري ثمَّ قال: «فهذا الحديث مداره على محمَّد بن السائب الكلبي، وهو ممَّن لا يحتج بما انفرد به»(23).
على أنَّ هناك من العلماء قديمًا وحديثًا من رفض الخوض في تفسير هذه الحروف، ورجح ما نقل عن أبي بكر الصديق وسائر الخلفاء الأربعة: أنَّها سر استأثر الله بعلمه، فهي بهذا عندهم من المتشابه الَّذي لا يعلم تأويله إلَّا الله، ولهذا يقولون عندهـا: الله أعلـم بمراده.
وقد أنكر الإمام الشوكاني في تفسيره على من زعم أنَّ لها معنى مقطوعًا به. قال: «إن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازمًا بأن ذلك هو ما أراده الله عز وجل، فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط.
فإن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعًا إلى لغة العرب وعلومها، فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك... فلم يبقَ حينئذ إلَّا أحد أمرين: الأول: التفسير بمحض الرأي الَّذي ورد النهي عنه والوعيد عليه، وأهل العلم أحق النَّاس بتجنبه والصد عنه، والتنكب عن طريقه. وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبة لهم يتلاعبون به، ويضعون حماقات أنظارهم، وخزعبلات أفكارهم عليه. الثاني: التوقيف عن صاحب الشَّرع، وهذا المهيع الواضح، والسبيل القويم... فمن وجد شيئًا من هذا فغير ملوم أن يقول بملء فيه، ويتكلم بما وصل إليه علمه. ومن لم يبلغه شيء من ذلك، فليقل: لا أدري. أو: الله أعلم بمراده»(24).
ثم قال: «فإن قلت: هل ثبت عن رسول الله في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به؟ قلت ـ القائل الشوكاني ـ : لا أعلم أن رسول الله تكلم في شيء من معانيها»(25).
وتساءل الشوكاني: هل يجوز تقليد أحد الصحابة في تفسير هذه الفواتح إن صحَّ إسناد القول إليه؟
وأجاب بالنفي؛ لأنَّه مجرد رأي له قاله باجتهاده، ثمَّ إن المروي عن الصحابة هنا مختلف متناقض، فلو عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر: كان تحكمًا لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملًا بما هو مختلف ومتناقض، ولا يجوز.
على أنه لو كان شيء ممَّا قالوه مأخوذًا عن النَّبيِّ لاتَّفقوا عليه ولم يختلفوا، كسائر ما هو مأخوذ عنه... ثمَّ لو كان عندهم شيء من هذا لما تركوا حكايته عنه، ورفعه إليه، لا سيما عند اختلافهم.
ثم قال: «والذي أراه لنفسي ولكلِّ مَنْ أحبَّ السلامة واقتدى بسلف الأُمَّة: ألَّا يتكلَّم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأنَّه في إنزالها حكمة لله 8 لا تبلغها عقولنا ولا تهتدي إليها أفهامنا»(26).
هذا هو موقف من رأى السلامة في عدم التعرض لهذه الفواتح بتفسير، قد لا يكون هو مراد الله تعالى.
وأمَّا من خاض في تفسيرها من المتقدمين أو المتأخرين، فلم يرجح أحد منهم ما ذكر من أنَّها إشارة إلى أرقام على طريقة حساب الجمل، الَّذي شاع عند اليهود، كما ذكرنا من قبل.
حساب الجمل لا يقوم على أساس منطقي:
ثم إنَّ «حساب الجُمَّل» نفسه مجرد اصطلاح من جماعة من النَّاس، ولكنَّه اصطلاح تحكمي محض، لا يقوم على منطق من عقل أو علم.
فمن الَّذي رتَّب الحروف على هذا النحو: أ ب جـ د هـ و ز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ غ؟ ولماذا لم تترتَّب هكذا: أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز إلخ؟ أو تترتَّب على أي نحو آخر؟
ومن الَّذي جعل للألف رقم (1) والباء رقم (2) وهكذا آحادًا إلى حرف ط، ثمَّ أعطى للحرف (ي) رقم (20) وللحرف (ك) (30) وهكذا الزيادة بالعشرات إلى الحرف الَّذي يعادل (100) وبعده تكون الزيادة بالمئات.
لماذا لم تكن الزيادة آحادًا إلى آخر الحروف؟ ولماذا لم تبدأ بعشرة أو بمائة أو بألف؟ ولماذا لم تكـن هكـذا: ألف (1)، ب (10)، ج (20) وهكذا؟ ولماذا لم تكن هكـذا: 1، 10، 100، 1000 إلخ؟ ولماذا؟ ولماذا؟
كل هذا تحكم من واضعيه المصطلحين عليه. صحيح أنَّه لا مشاحَّة في الاصطلاح، ولكن هذا لا يلزم أحدًا.
مخالفة هذا الرأي لصريح القرآن:
ثم إن هذا الرأي الجريء الَّذي حدد زمن قيام الساعة، يخالف صريح ما نطق به القرآن الكريم من كيفية قيام الساعة.
فقد أثبت القرآن أن الساعة لا تأتي إلَّا بغتة، كما في آية الأعراف:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[الأعراف: 187].
والقول بأنَّ هذا بالنسبة للكفار، وليس للمؤمنين، غير صحيح، فالخطاب للجميع، وليس هناك دليل على اختصاص هذا الخطاب بالكفار.
على أنَّ الساعة إذا علمت وعرف وقتها بالتحديد عند المؤمنين، فإن هذه المعرفة ستنتقل حتمًا إلى الكفار، ولو على سبيل الظن والشك، وهنا تزول المباغتة والمفاجأة الَّتي تحدَّث عنها القرآن.
دعوى صاحب هذا الرأي أنه علم من القرآن ما لم يعلمه رسول الله:
وأمر آخر: إنَّ صاحب هذا الرأي يزعم لنفسه، أنه علم من القرآن ما لم يعلمه من أنزله الله عليه، وهو محمَّد .
ذلك أنَّ الرسول المبلغ عن الله، لم يكن يعلم عن موعد الساعة شيئًا، وجبريل أمين الوحي الَّذي نزل عليه بالقرآن لم يكن يعلم عن موعدها شيئًا، وهذا ثابت بنص الحديث المشهور المتفق على صحته، المعروف لدى الخاص والعام من المسلمين، وهو الَّذي يروي قصة مجيء جبريل في صورة رجل يسأل النَّبيّ عن أصول ومفاهيم أساسية، تعلم النَّاس دينهم، ومنها سؤال عن الساعة متى هي؟
فكان الجواب الواضح الصريح من الرسول البشري إلى الرسول الملكي: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»(27).
وجاء في هذا الحديث الصحيح في رواية مسلم: «في خمس لا يعلمُهنَّ إلَّا الله»(28)، ثمَّ تلا الآية الأخيرة من سورة لقمان:﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ[الآية: 34].
وإنَّما شددنا الإنكار على مثل هذا القول لما فيه من جرأة على كتاب الله، وفتح الباب للمتلاعبين به، المحرفين للكلم عن مواضعه، فيصبح كتاب الله ملعبة لهواة الإغراب، وتصبح آياته الهادية الخالدة كأنَّها كرة يتقاذفها اللاعبون!
ورحم الله أبا بكر الَّذي كان يقول: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم(29)؟
← العودة لقسم السمعيات