المقالات

❓ الولي والنبي وقصة الخضر وموسى

📅 2026-06-03 👁 885 مشاهدة

نص السؤال:

بعض الصوفية يقولون: إنَّ الولي يعلم ما لا يعلم النبي، ويحتجون على ذلك بقصة موسى والخضر 6 ، وهي القصَّة المذكورة في سورة الكهف، وكذلك بقصة سليمان والذي عنده علم من الكتاب، فبماذا نرد عليهم؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إذا كان المقصود من كلامهم أنَّه قد يوجد عند الولي من العلم ما لا يوجد عند النبي، فهذا ممكن؛ لأن أي نبيّ لا يدَّعي أنَّه يعلم كلَّ شيء، كلُّ إنسان يعلم أشياء وتغيب عنه أشياء، ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا[الإسراء: 85]، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا[طه: 114]. فممكن أن يعرف الولي أو الإنسان الصالح أشياء لا يعرفها نبيّ من الأنبياء، سواء من أمور الدين، أو من أمور الدنيا، ممكن أن يعرف إنسان من النَّاس في الكيمياء والفيزياء، والنبي لا يعرف هذا.
النبي محمَّد لم يُعَلَّم الشعر وما ينبغي له، وما كان يعرف ضرورة تأبير النخل ـ أي تلقيح النَّخلة الأنثى من لقاح فحل النخل ـ لأنَّه نشأ بوادٍ غير ذي زرع، في مكة، فأهل مكة كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أهل زراعة، بينما الزراعة والنخل كانت بالمدينة، يقول أنس بن مالك 3 : مرَّ رسول الله بقوم يلقحون فقال: «لو لم تفعلوا لصلَح». قال: فخرج شِيصًا (أي فسد ولم يثمر). قال: فمر بهم فقال: «مَا لنخلِكم؟». قالوا: قلتَ كذا وكذا. فقال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»(1).
ويقول طلحة بن عبيد الله: مَرَّ رَسُولُ اللهِ عَلَى قوم في رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟». فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيَلْقَح. فقال رسول الله : «ما أظنُّ يغني ذلك شيئًا». قال: فأُخْبِروا بذلك، فتركوه، فأُخبر رسول الله بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنِّي إنَّما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكن إذا حدَّثتُكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإنِّي لن أكذب على الله »(2).
وفي رواية قال : «ما أظنُّ ذلك يغني شيئًا». فبلغهم، فتركوه، فنزلوا عنها، فبلغ النَّبيَّ فقال: «إنَّما هو الظنُّ، إن كان يغني شيئًا فاصنعوه، فإنَّما أنا بشر مثلكم، وإن الظنَّ يخطئُ ويصيب، ولكن ما قلتُ لكم: قال الله، فلن أكذبَ على الله»(3).
فالنبيُّ قال لهم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». أي أنتم أعلم بأمر دنياكم منِّي في هذا الشأن، فممكن في علم الدنيا يعرف إنسان من النَّاس بعض الأشياء الَّتي لا يعلمها النبي.
وفي علم الدين قد يعلم المؤمن الولي الصالح بعض الأشياء الَّتي لا يعلمها النبي، وليس معنى هذا أنه أعلم من النَّبيِّ في كلِّ شيء؛ لأنَّ النَّبيَّ أعلم قطعًا، أيُّ نبيّ أعلمُ من أي ولي، وليس معنى هذا أنه أفضل من النبي؛ لأن بعض الصوفية يريدون أن يجعلوا الولي أفضل من النبي، وهذا لا يمكن، لا يمكن أن يكون الولي أفضل من النبي، أي نبيّ أفضل يقينًا من أي ولي.
نبي الله موسى ارتحل في طلب العلم:
وأمَّا قصة سيدنا موسى والخضر، فقد قال رسول الله : «قام موسى النَّبيّ خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه».
فأراد الله أن يؤدب نبيَّه موسى، فالإنسان لا ينبغي له أن يفضِّل نفسه، فمهما بلغ من العلم لا يقول: أنا أعلم النَّاس.
قال رسول الله : «فأوحى الله إليه: أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك. قال: يا رب، وكيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مكتل، فإذا فقدته فهو ثَمَّ. فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحملا حوتًا في مكتل، حتَّى كانا عند الصخرة وضعا رؤوسهما وناما، فانسلَّ الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، فلما أصبح قال موسى لفتاه: ﴿ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًۭا[الكهف: 62] . ولم يجد موسى مسًّا من النصب، حتَّى جاوز المكان الَّذي أُمِر به، فقال له فتاه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا[الكهف: 63]. قال موسى:﴿ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًۭا[الكهف: 64].
فلما انتهيا إلى الصخرة، إذا رجل مسجًّى بثوبٍ ـ أو قال: تسجَّى بثوبه ـ فسلَّم موسى، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا[الكهف: 66، 67]. يا موسى، إني على علم من علم الله علَّمَنِيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علَّمكه لا أعلمه.﴿قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًۭا[الكهف: 69].
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة، فمرت بهما سفينة، فكلموهم أن يحملوهما، فعرف الخضر، فحملوهما بغير نَوْل، فجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلَّا كنقرة هذا العصفور في البحر، فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة، فنزعه، فقال موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًۭا[الكهف: 72، 73]. فكانت الأولى من موسى نسيانًا. فانطلقا، فإذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه، فاقتلع رأسه بيده، فقال موسى: أقتلتَ نفسًا زكيَّة بغير نفس؟ قال: ألم أقل لك إنَّك لن تستطيع معي صبرًا؟ فانطلقا، حتَّى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، قال الخضر بيده فأقامه، فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق بيني وبينك».
ثم قصَّ الخضر على موسى سبب ما فعله من أفعال، قال رسول الله  : «وأخذ بثوبه، قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًۭا﴾ [الكهف: 78، 79]، فإذا جاء الَّذي يسخرها وجدها منخرقة، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبة. وأما الغلام، فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك أرهقهما طغيانًا وكفرًا، ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ زَكَوٰةًۭ وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ٨١ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌۭ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًۭا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: 81، 82]»(4).
لا أحد أعلم بالشريعة ممَّن نزلت عليه:
وليس معنى هذا أنَّ الإنسان المخاطب بشريعة نبيٍّ ومأمور باتباعها يعلم من هذه الشريعة أكثر ممَّا يعلم النَّبيّ نفسه، لا، فموسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، والواضح من القصَّة أنّ الخضر كان نبيًّا؛ لأنَّه قال في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًۭا[الكهف: 82]. فمفهوم كلام الخضر أن الأمور الثلاثة هذه لم يفعلها عن أمره، بل بأمر الله، فمعناها أنه نبي، وهذا هو القول الصحيح، أن الخضر كان نبيًّا، وأن هذا الوحي من الله، وأنه لم يكن على شريعة موسى، وأن موسى لم يكن مبعوثًا إليه.
ولذلك لا يمكن أن يُقال في شريعة محمَّد : إنه يوجد من الأولياء في الشريعة المحمدية نفسها من هو أعلم من محمَّد بشريعته، هذا مستحيل، مستحيل أن يكون من أفراد صاحب الشريعة، ومن أتباعه من هو أعلم منه، نحن أخذناها منه، فكيف نكون نحن أعلم بها منه، فالكلام لا يؤخذ على إطلاقه هكذا.
الإنسان بالعلم يقدر على ما لا تقدر عليه الجن:
وأمَّا بالنسبة لسيدنا سليمان فإنَّ ملكة سبأ لما عرفت أن سيدنا سليمان 0 : نبي، بعد أن اختبرته بالهدايا والمال، ورد المال إليها، وعرفت أنه نبيٌّ صاحب رسالة، أصرت أن تأتي إليه وتعلن إسلامها معه لله رب العالمين، فسيدنا سليمان قال للملأ الَّذين في مجلسه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ٣٨ قَالَ عِفْرِيتٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌۭ ٣٩ قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 38 ـ 40]. سيدنا سليمان سخَّر الله له الجن، فقال العفريت لسليمان: أنا أحضر لك عرش ملكة سبأ قبل أن تنتهي من مجلس الحكم هذا. الله أعلم كم كان يجلس، المهم قبل أن يقوم من مقامه يكون هذا العفريت قد جاء بعرش ملكة سبأ لسليمان، ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. عنده علم ليس من علم الشريعة، هو علم آخر، يعرف من علم الكون وحقائق الكون، ما يستطيع به أن ينقل عرش ملكة سبأ من اليمن إلى فلسطين في بلاد الشام في لمح البصر، قبل أن يرتد إليه طرفه، كيف هذا؟ هذا علم، بعض المفسرين يقول: هو ملك من الملائكة. لكن سليمان يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟﴾، والملأ هم النَّاس الَّذين يجلسون معه، فالعفريت عجز، فمعنى هذا أنَّه من بني آدم، إنسان من الأناسي، من المؤمنين بسليمان، لكن عنده علم من الكتاب، ما هذا العلم؟ القرآن لم يفصح لنا عنه، فأسلوب القرآن في قصصه لا يذكر التفاصيل الَّتي ليس منها فائدة في القصة، وسمح له سيدنا سليمان أن يأتي بالعرش، فجاء به قبل أن يرتد طرف سليمان، ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]. دلنا هذا على أنَّ العلم يستطيع أن يعمل ما لا يستطيع العفاريت أن يفعلوه، يمكن الإنسان بالعلم أن يُسخِّر من الطبيعة ما لا يستطيع الجنُّ أن يسخره، وهذا ممَّا علَّم الله الإنسان، ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8].
← العودة لقسم السمعيات