2026-06-03
879
حكم التوسُّل بالأنبياء والصالحين
ما حكم التوسُّل بالنبي ﷺ وبالأنبياء والصالحين؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أحبُّ أولًا أن أوضح أنَّ التوسُّل بالنبي ﷺ والصالحين من عباد الله، من مسائل العمل والفروع، لا من مسائل العقيدة والأصول، وقد اختلف العلماء في جواز هذا التوسل، وأنا من أنصار القول بعدم التوسُّل بالأنبياء ولا بالصالحين، وألا يُتَوَسَّل إلى الله إلَّا بالله تبارك وتعالى وبأسمائه وصفاته، أو بالعمل الصالح، أو بدعاء الصالحين، وقد أجمع الفقهاء على ذلك، فقد أجمعوا على جواز التوسُّل بعدة أمور:
أولها: التوسُّل إلى الله بالله، أو باسم من أسمائه الحسنى، أو بصفة من صفاته العلا، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، وقال: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]. ولما ورد من دعائه ﷺ بأسمائه تعالى وصفاته في الكثير من أدعيته المشهورة، كقوله ﷺ : «اللهمَّ إني عبدك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي، ونورَ بصري، وجلاءَ حزني، وذهاب همِّي، لا حول ولا قوة إلَّا بالله»(1). وكان النَّبيُّ ﷺ يدعو بهذا الدعاء: «اللهمَّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخَلْق، أحيِني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»(2).
ثانيها: التوسُّل بالعمل الصالح كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة، قال رسول الله ﷺ : «خرج ثلاثة يمشون، فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطَّت عليهم صخرة». قال: «فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم: اللهمَّ إني كان لي أبوان، شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثمَّ أجيء، فأحلُب، فأجيء بالحِلاب، فآتي به أبويَّ، فيشربان، ثمَّ أسقي الصِبْية وأهلي وامرأتي، فاحتبستُ ليلةً، فجئت، فإذا هما نائمان. قال: فكرهتُ أن أوقظهما، والصِبْية يتضاغَوْن عند رجليَّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتَّى طلع الفجر، اللهمَّ إن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء». قال: «ففرج عنهم. وقال الآخر: اللهمَّ إن كنتَ تعلم أنِّي كنتُ أحبُّ امرأةً من بنات عمي، كأشدِّ ما يحبُّ الرجلُ النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها، حتَّى تعطيها مائة دينار. فسعيتُ فيها حتَّى جمعتُها، فلما قعدتُ بين رِجليها، قالت: اتقِ الله، ولا تفضَّ الخاتمَ إلَّا بحقه. فقمت وتركتها، فإن كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة». قال: «ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر: اللهمَّ إن كنتَ تعلم أنِّي استأجرتُ أجيرًا بفَرَق من ذُرة، فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفَرَق، فزرعتُه، حتَّى اشتريت منه بقرًا وراعيَها، ثمَّ جاء فقال: يا عبد الله، أعطني حقي. فقلتُ: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، فإنَّها لك. فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلتُ: ما أستهزئ بك، ولكنها لك. اللهمَّ إن كنت تعلم أنِّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرُج عنَّا. فكشف عنهم»(3).
ثالثها: التوسُّل بدعاء بعض الصالحين، فعن عمر قال: استأذنتُ النبيَّ ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: «لا تنسَنا يا أخي من دعائك»(4). وعن أنس بن مالك، أنَّ عمر بن الخطاب 3 ، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهمَّ إنَّا كنَّا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا. قال: فيسقون(5). أي يطلب من العباس أن يدعو لهم.
أمَّا التوسُّل الَّذي سأل عنه السائل، وهو التوسُّل بالنبيِّ ﷺ أو بالصالحين، أي أن يقول الداعي: يا ربِّ، بحقِّ رسول الله ﷺ ، أو بحقِّ أنبيائك ورسلك، أو بحقِّ الصالحين من عبادك. فهذا أجازه كثير من العلماء، مستدلِّين ببعض الأحاديث، منها حديث عثمان بن حُنَيْف: أن رجلًا ضرير البصر، أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: «إن شئتَ دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك». قال: فادعُهْ. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهمَّ إنِّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمَّد نبيّ الرحمة، إنِّي توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهمَّ فشفِّعه فيِّ(6).
قال الشيخ الألباني معلِّقًا على هذا الحديث: «وأمَّا نحن فنرى أنَّ هذا الحديث لا حجَّة لهم فيه على التوسُّل المختلَف فيه، وهو التوسُّل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسُّل المشروع الَّذي أسلفناه؛ لأنَّ توسُّل الأعمى إنَّما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة»(7). وقد فصلها في كتابه «التوسل وأنواعه وأحكامه»، فليُرجع إليه.
حكم التوسُّل بذات النبي:
وأنا أميل إلى ترجيح عدم التوسُّل بذات النَّبيِّ وبالصالحين، وذلك لعدة أمور:
الأول: أنَّ أدلة المنع ـ أعني منع التوسُّل بذات النَّبيّ وذوات الصالحين ـ أرجح في الميزان العلمي، وخصوصًا أن باب الله تعالى مفتوح لكل خلقه، وليس عليه حاجب ولا بوَّاب، مثل أبواب الملوك والأمراء، حتَّى العصاة فتح الله تعالى لهم أبواب رحمته، ونسبهم إلى ذاته فقال تعالى:﴿قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾[الزمر: 53].
والثاني: أنَّ إجازة التوسُّل قد تكون ذريعة إلى دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة به، وكثير من النَّاس يخلط بين الأمرين، فسد الذريعة بالنظر إلى العوامِّ أولى.
والثالث: أنَّ المنهج الَّذي أخذتُه وسرتُ عليه في التعليم والدعوة والفتوى: أنَّنا إذا استطعنا أن نتعبد لله تعالى بالأمر المتفق عليه، فلا داعي لأن ندخُل في الأمر المختلف فيه.
وعلى هذا الأساس لا أفضل التعبد بصلاة التسابيح؛ لأن في الصلوات الأخرى المتفق عليها، والتي تواتر عن رسول الله التعبد بها ما يغني عنها.
ولكني لا أؤَثِّم من أدَّاه اجتهاده إلى جواز التوسل، أو جواز التعبُّد بصلاة التسابيح ونحوها، ولا أنكر عليه، إلَّا من باب الإرشاد إلى الأرجح والأفضل؛ إذ لا إنكار في المسائل الخلافية كما هو معلوم.
1. رواه أحمد (3712)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن أبي شيبة في الدعاء (29930)، والبزار (1994)، وابن حبان في الرقائق (972)، والحاكم في الدعاء (1/509)، وصححه على شرط مسلم، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه، وتعقبه الذهبي: وأبو سلمة لا يُدرى من هو. ولا رواية له في الكتب الستة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (17129) بعد أن نسبه لأحمد وأبي يعلى والبزار: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان، وانتهى الشيخ شاكر من بحثه إلى توثيق أبي سلمة، وسلامة الحديث من إرسال عبد الرحمن عن أبيه. كما صحح الحديث الألباني وأشبع فيه القول (198)، وذهب مذهبهما الشيخ شعيب في تعليقه على صحيح ابن حبان، ورجع عن ذلك في تعليقه على المسند، وقال: أبو سلمة الجهني لم يتبين لأئمة الجرح والتعديل من هو، فهو في عداد المجهولين، عن ابن مسعود.
2. رواه أحمد (18325)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح. والنسائي في السهو (1305)، عن عمار بن ياسر.
3. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في البيوع (2215)، ومسلم في الرقاق (2743)، عن ابن عمر.
4. رواه أحمد (195)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في الوتر (1498)، والتِّرْمِذي في الدعوات (3562) وقال: حسن صحيح.
5. رواه البخاري في الاستسقاء (1010).
6. رواه أحمد (17240)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. والتِّرْمِذي في الدعوات (3578) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في عمل اليوم والليلة (10420).
7. التوسل أنواعه وأحكامه للألباني صـ 70، تحقيق محمد عيد العباسي، نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط 1، 1421هـ ـ 2001م.