2026-06-13
1,056
شبهات من ترك الصَّلاة في مساجد المسلمين
سبق أن بعثت إلى فضيلتكم برسالة باسمي واسم مجموعة من الشباب المسلم الغيور على دينه، والذي ربطت بينهم العقيدة الإسلاميَّة، رغم اختلاف أوطانهم، ما بين المحيط والمحيط.
وقد طلبنا من فضيلتكم الرد العاجل والجواب الشافي، عن السؤال الَّذي بلبل فكر فئة منا، وكاد يمزق وحدتنا، نظرًا لتعصب كل فريق منَّا لرأيه.
والسؤال ـ كما أشرت لفضيلتكم في الرسالة السابقة ـ يتعلق بأمر في غاية من الخطورة؛ وهو الصَّلاة في مساجد المسلمين، فقد وُجِدَ من المتطرفين الَّذين يرفضون الصَّلاة في هذه المساجد، مصرّين على اعتزالها، والاكتفاء بالصَّلاة في البيوت، واعتبار ذلك جزءًا من مقاطعة المجتمع الجاهلي بكل مؤسساته، وإن اتخذت صبغة دينية.
ويستند هؤلاء الإخوة في ذلك إلى ما قرؤوه في «الظلال» عند تفسير الآية (86) في سورة يونس، وفيها يقول الله تعالى:﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس: 87].
فقد جاء في تفسيرها ما نصُّه: «هذه التجربة الَّتي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة ليست خاصَّة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة، وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة، وتجبر الطاغوت، وفسد النَّاس، وأنتنت البيئة ـ وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة ـ وهنا يرشدهم الله إلى أمور:1 ـ اعتزال الجاهليَّة بنتنها وفسادها وشرها ـ ما أمكن ذلك ـ وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتَّى يأتي وعد الله لها.2 ـ اعتزال معابد الجاهليَّة، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور»(1) اهـ .
ومن إيحاء هذه العبارات اتخذ هؤلاء الإخوة قرارهم، وجعلوا بيوتهم قبلة لهم. مقاطعين المساجد والجوامع، الَّتي يؤمُّها سائر المسلمين.
والآن قد رضي الجميع بالاحتكام إليك في هذه القضية، حيث رفضوا رأي أي عالم هنا، وأعلنوا أن ما تفتي به سيقبلونه، فأصبح لزامًا عليك شرعًا ألَّا تَدَعَنا في حَيْرة من أمرنا، وتنازع فيما بيننا، وأن ترد علينا بما ينير طريقنا، قبل أن يتزايد الخطر، ويتطاير الشرر، وقد رضي حكمك المعتدلون والمغالون؛ لثقتهم بعلمك ودينك، وحسن فهمك للإسلام وللحياة معًا، وتحرِّيك الحق فيما تكتب. نحسبك كذلك، والله حسيبك، ولا نزكي على الله أحدًا!
وإنَّا لفي انتظار هذا الجواب على أحرّ من الجمر، وفقكم الله ونفع بكم.
(م. أ. ش)
كلية الشريعة ـ جامعة الأزهر
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أخي الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت مترددًا في الكتابة إليك؛ تاركًا الأمر لسلامة فطرتكم، وسابق دراستكم للإسلام، وسؤالكم لمن عندكم من أهل العلم، ولكن لما تكرر سؤالك خشيت على نفسي لجام النَّار، الَّذي توعد به النَّبيّ ﷺ من يكتم علمًا سئل عنه: «من سُئل عن علمٍ فكتمه أُلْجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار»(2).
كما خشيت على الحركة الإسلاميَّة الَّتي أفنيت فيها شبابي، ووهبت لها عمري: أن تهب عليها أعاصير الفتن الداخلية، فتلوي زمامها عن «البينات» والواضحات إلى «متشابه» من القول والآراء: لا تشفي غليلًا، ولا تهدي سبيلًا، ولهذا توكلت على الله وبدأت أسطر إليك وإلى من معك هذه الكلمات، الَّتي أرجو بها وجه الله، وبيان الحق، وهو أحق أن يتبع.
حقائق بين يدي الموضوع:
قبل أن أجيبك عن الموضوع بتفصيل، أحبُّ أن أضع بين يديك هذه الحقائق لتكون على بينة من الأمر:
الأولى: أنَّه لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ ؛ فهو وحده المسدد المعصوم، الَّذي لا ينطق عن الهوى، ولا يقره الله على خطأ. وكل أحد سواه يُؤخذ من كلامه ويُترك. وهذه حقيقة لا خلاف عليها.
الثانية: أنَّ كل مؤمن اجتهد في طلب الحق واستفرغ وسعه في معرفته؛ فهو مأجور على اجتهاده ونيته، وإن أخطأ في النتيجة؛ وخطؤه مغفور له كائنًا ما كان.
قال تعالى:﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌۭ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾[الأحزاب: 5].
الثالثة: أنَّ الخطر ليس على العالم المجتهد إذا أخطأ وزلّ، ولكن على من اتبعه في خطئه وزلته بعد تبينها. ولهذا أُمرنا أن نتقي زلة العالم.
وقال عمر: ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمَّة (أي حكام) مضلُّون(3).
وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأمَّا زلة العالم، فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، تقولون: نصنع مثلما يصنع فلان، وننتهي عمَّا ينتهي عنه فلان. وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه، فتُعينوا عليه الشيطان... الحديث(4).
وقال معاذ لأصحابه يومًا في وصية له: إياكم وما ابتُدع، فإنَّ ما ابتدع ضلالة، وأحذِّركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق!
فقال بعض أصحابه: وما يدريني ـ رحمك الله ـ أنَّ الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات، الَّتي يقال له: ما هذه؟! ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا.
وفي رواية أنَّ الزهري قال: «المشبهات» مكان «المشتهرات». وفسرها في رواية، قال: بلى، ممَّا تشابه عليك من قول الحكيم، حتَّى تقول: ما أراد بهذه الكلمة(5)؟
وفي بعض الروايات في تفسير «زيغة الحكيم»: هي كلمة تَرُوعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟!
وهذا توجيه رائع من معاذ 3 ؛ وهو أعلم الصحابة بالحلال والحرام كما جاء في الحديث(6).
لقد بيَّن أنَّ الحكيم قد يزيغ ويخطئ، فيجب علينا أن نجتنب زيغته وزلته، ولا يثنينا ذلك عن الاستفادة منه بعد ذلك. وعن ابن عبَّاس قال: ويلٌ للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه، ثمَّ يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه، فيترك قوله، ثمَّ يمضي الأتباع(7).
الرابعة: أنَّنا مأمورون عند التنازع أن نرد ما اختلفنا فيه إلى الله ورسوله. كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾[النساء: 59]. ومعنى ذلك هو الرجوع إلى الكتاب والسنة. فماذا يقول هذان المصدران المعصومان في قضيتنا؟ لنتأمل ما يلي:
أولًا: ماذا في القرآن؟
(أ) في سورة النور مدح الله تعالى المساجد وروادها بقوله: ﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ٣٦ رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ﴾[النور: 36، 37]. وليس بعد هذا الثناء على أهل المساجد قول لقائل.
(ب) وفي سورة التوبة يقول تعالى أيضًا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾[التوبة: 18]. وعمارة المساجد هنا ليس معناها البناء والتشييد كما يتوهم، بل عمارتها بالصَّلاة والدعاء، وذكر الله وإقامة شعائره. فشهد الله لعمار المساجد بالإيمان كما قال ابن كثير في تفسيره. واستشهد لذلك بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾(8).
(ج) في سورة البقرة يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ﴾[البقرة: 114]. وهو وعيد شديد لمن يسعى في خراب المساجد من المصلين الذاكرين لله.
(د) وأكثر من ذلك أنَّ القرآن الكريم قرر حرمة المعابد الدينية لأهل الأديان السماوية جميعًا كما قال تعالى في أوَّل آيات نزلت في شأن الجهاد: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا﴾[الحج: 40]. وقد قال بعض المفسرين: إن جملة:﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا﴾. تعود على كل ما ذكر من الصوامع وما بعدها.
فإذا كان الإسلام يشرع القتال للدفاع عن حرية العبادة، وعدم الاعتداء على أماكنها وإن تكن لغير المسلمين، فكيف بمساجد المسلمين الَّتي تُقام فيها الصلوات، ويرفع من منائرها الأذان، ويجهر فيها بالشهادتين والتكبير؟!
ثانيًا: ماذا تقول السنة؟
هذا أهم ما جاء في كتاب الله العزيز عن المساجد وهو كاف شاف.
وبقي أن نرجع إلى السنَّة، وهي البيان القولي والعملي للقرآن.
1 ـ قد ذكرنا حديث: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان».
2 ـ يؤيِّد هذا ما رواه البزار وعبد بن حميد بسندهما، عن أنسٍ مرفوعًا: «إنَّما عُمَّار المساجدِ هم أهل الله»(9).
3 ـ وروى الإمام أحمد بسنده، عن معاذ بن جبل: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الشيطانَ ذئبُ الإنسان كذئبِ الغنم، يأخذ الشاةَ القاصيةَ والناحية، فإيَّاكم والشِّعاب، وعليكم بالجماعة والعامَّة والمسجد»(10).
4 ـ وروى عبد الرزاق بسنده، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمَّد ﷺ وهم يقولون: إنَّ المساجد بيوت الله في الأرض، وإنَّه حقٌّ على الله أن يكرم من زاره فيها(11).
5 ـ وروى أبو داود والترمذي(12) وابن ماجه والحاكم(13) عن النَّبيِّ ﷺ : «بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد، بالنُّور التامِّ يوم القيامة».
6 ـ وروى الشيخان وأحمد، عن أبي هُرَيْرة، عن النَّبيِّ ﷺ : «من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزلًا من الجنَّة كلما غدا أو راح»(14).
7 ـ وقال ابن عبَّاس ^ : من سمع النداء بالصَّلاة فلم يجب، ولم يأتِ المسجد ويصلي فيه، فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾.
ذكره ابن كثير عن ابن مردويه، قال: وقد روي مرفوعًا من وجه آخر(15)، وله شواهد من وجوه أُخَر؛ ليس هذا موضع بسطها(16).
8 ـ وروى مسلم في صحيحه، عن ابن مسعود 3 قال: من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن (يعني في المساجد)؛ فإنَّ الله شرع لنبيِّكم ﷺ سنن الهدى، وإنَّهنَّ من سُنَن الهدى، ولو أنَّكم صليتم في بيوتكم، كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته، لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضللتُم، وما من رجلٍ يتطهَّر فيُحسن الطُّهور، ثمَّ يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلَّا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلَّف عنها (أي الجماعة)، إلَّا منافقٌ معلوم النِّفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادَى بين الرجلين (لمرضه أو ضعفه) حتَّى يُقام في الصفِّ(17).
ثالثًا: شبهة معتزلي المساجد وإبطالها:
هذا بعض ما جاء في القرآن والسُّنَّة عن مكانة المساجد، وأهمية صلاة الجماعة فيها، وهي أدلة عامة ناصعة، ونصوص محكمة ساطعة، لا تدع تأويلًا لمتأوِّل في هجر المساجد، واعتزال جماعة المسلمين، فكيف ندع هذه المحكمات ونتبع المتشابهات الَّتي لا تعطي مفهومًا محددًا، ولا يرتفع بها خلاف؟!
وترك الواضحات إلى المتشابهات هو أحد أسباب الانحراف؛ كما بيّن ذلك الإمام الشاطبي في كتابيه الجليلين: الموافقات، والاعتصام.
ومن هذه المتشابهات الاعتماد على آية سورة يونس في قصة موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وتفسيرها بما يفيد مضمونه: أن تعتزل العصبة المسلمة مساجد المسلمين، وتتخذ بيوتها مساجد تنطوي فيها على نفسها، وتحس فيها بالانعزال عن الجاهليَّة؛ اقتداء بما فعله موسى وهارون وقومهما، من اعتزالهم معابد الجاهليَّة، واتخاذ البيوت مُصلى وقبلة.
وهذا التفسير أو الاستنتاج لمثل هذا الحكم الخطير من الآية الكريمة خطأ ظاهر، ولا يثبت أمام التمحيص والنقد العلمي الهادئ السليم.
ونحن نبيّن خطأه من وجوه:
1 ـ إنَّ هذا التفسير غير مسلم لمن قال به، وهو مجرد رأي، لا أقل ولا أكثر، وليس مأثورًا عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا عن صحابي أو تابعي.
والمروي عن سادات التابعين في ذلك ما ذكره ابن كثير(18) عن إبراهيم في قوله: ﴿وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾[يونس: 87]. قال: كانوا خائفين؛ فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. وكذلك قال مجاهد وأبو مالك، والربيع بن أنس والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه أسلم. وذكر ابن كثير عن ابن عبَّاس ما يؤيد هذا.
وقال الفخر الرَّازي: ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوهًا ثلاثة(19):
الأوَّل: أن موسى 0 : ومن معه كانوا في أوَّل أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة. لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم. كما كان المسلمون على هذه الحالة في أوَّل الإسلام في مكة.
الثاني: قيل: إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم، أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يتَّخذوا مساجد في بيوتهم ويصلُّوا فيها خوفًا من فرعون (وهذا لا يخرج عن الوجه الأول).
الثالث: أنَّه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلكم العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهارون وقومهما باتِّخاذ المساجد على رغم الأعداء، وتكفَّل تعالى أن يصونهم عن شرِّ الأعداء، وهذا يعني أنَّ المراد بالبيوت في قوله: ﴿تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ﴾[يونس: 87]. هي المساجد، كقوله تعالى:﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾[النور: 36].
وعلى هذه الوجوه كلها ليس في الآية أدنى حجة على اعتزال المساجد في حالة الاختيار والسعة قط.
2 ـ على أنَّ بعض المفسرين ـ كالإمام سعيد بن جُبَيْر ـ فسَّر البيوت بالمساكن المعتادة، وفسَّر «اجعلوها قِبْلة» أي متقابلة، يقابل بعضها بعضًا، قال الرَّازي: والمقصود منه حصول الجمعية، واعتضاد البعض بالبعض(20). وقال صاحب «المنار»: وحكمة هذا أن يكونوا مستعدين لتبليغهما إياهم، ما يهمهم ويعينهم ممَّا بُعثا لأجله، وهو إنجاؤهم من عذاب فرعون بإخراجهم من بلاده(21).
«وبهذا تخرج الآية عن موضوع الاستدلال نهائيًّا».
3 ـ ومع هذه الاحتمالات الَّتي تسقط الاستدلال بالآية على ما قاله المغالون، يبقى هنا أمر آخر يجب التنبيه عليه، وهو الاستدلال بأمر كان في شريعة من قبلنا، إن افترضنا صحَّة التفسير والاستنتاج الَّذي استند إليه المجادلون: هل يصحُّ أم لا؟
لقد اختلف الأصوليُّون في اعتبار شرع من قبلنا مصدرًا أو دليلًا شرعيًّا لنا نحن المسلمين، فمنهم من رده ردًّا مطلقًا، ومنهم من قبله بشرط ألَّا يَرِدَ في شرعنا ما ينسخه.
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا﴾[المائدة: 48]. وقال ﷺ : «لو كان موسى حيًّا ما حلَّ له إلَّا أن يتبعني»(22).
وهنا نجد أنَّ شرعنا قد دعا إلى الصَّلاة جماعة في المساجد، وجعلها أفضل من الصَّلاة في البيوت بخمسٍ أو سبعٍ وعشرين درجة، بل إنَّ بعض الأئمَّة كأحمد بن حنبل اعتبر صلاة الجماعة فرضَ عينٍ على كل رجل إلَّا من عذر، وله على ذلك أدلة كثيرة.
1 ـ ممَّا استدلَّ به: أنَّ النَّبيَّ ﷺ همَّ أن يحرق على قوم بيوتهم لتخلُّفهم عن الجماعات(23).
2 ـ استأذنه ابنُ أمِّ مكتوم وكان رجلًا أعمى ليصلِّي في بيته، فقال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «لا أجد لك رخصةً»(24).
3 ـ ما ذكرناه قبل عن ابن مسعود وابن عبَّاس ^ .
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لو لم يمكنه الذهاب إلى المسجد إلَّا بمشيه في مِلْكِ غيره فعل، وإن كان بطريقه منكر، لم يدع المسجد، وينكره.
ومن لم يعتبر صلاة الجماعة من الأئمَّة فرضَ عينٍ، فهو يعتبرها فرض كفاية، أو سُنَّة مؤكِّدة على الأقلِّ.
فهل يسوِّغ لنا أن ندع هذه الأحاديث والآثار الصحاح المبينة لشريعة محمَّد ﷺ ؛ جريًّا وراء تأويل محتمل لعمل في شريعة موسى 0 : ؟
رابعًا: وأكثر من ذلك أنَّ رسولنا محمدًا ﷺ كان يصلي عند الكعبة وحولها الأصنام من كل جانب؛ حتَّى قدرت بثلاثمائة وستين، وقد نهاه أبو جهل عن الصَّلاة هناك؛ فانتهره النَّبيُّ ﷺ وهدَّده. فقال له: أتهدِّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا؟ فنزل في ذلك قوله تعالى:﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ ٩ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ﴾[العلق: 9 ـ 10] الآيات(25).
فهل رأيت أبلغ من هذا وأوضح في الدلالة؟! محمَّد رسول الله ﷺ يصلي في بيت الله، والأصنام من حوله؛ لأنَّه لم يشأ أن يحرم من الصَّلاة في مسجد الله الحرام؛ فكيف نعتزل نحن الصَّلاة في مساجد الإسلام؟!
خامسًا: وشيء آخر أذكره هنا، وهو ما ذكره الإمام البخاري في كتاب الصَّلاة من صحيحه؛ حيث عقد فيه «باب الصَّلاة في البيعة» وهي كنيسة النَّصارى أو صومعة الراهب. وفي هذا الباب أورد عن عمر 3 قوله: إنَّا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل الَّتي فيها «الصور» قال: وكان ابن عبَّاس يصلي في البِيعَة إلَّا بِيعَة فيها تماثيل(26) اهـ .
وعندما فتح عمر(27) بيت المقدس لم يرضَ أن يصلي في كنيسة القيامة؛ خشية أن يقول المسلمون من بعده: هنا صلَّى عمر، ويظنُّون أنَّ لهم بذلك حقًّا في الكنيسة.
ومعنى هذا أنه يجوز الصَّلاة في الكنيسة، فكيف يرتاب مسلمٌ بعد ذلك في مشروعية الصَّلاة في المسجد؟!
خاتمة:
أخي، أظنُّ المقام قد اتَّضح بما فيه الكفاية، ولو لم توجد هذه النصوص والأدلَّة المتظاهرة المتضافرة، لكانت الفطرة وحدها كافية في ردِّ هذا الغلوِّ، الَّذي يتبنَّاه بعض إخوانك هداهم الله وغفر لنا ولهم.
فإنَّ رواد المساجد ـ في مجموعهم ـ هم بقية أهل الخير، وهم الرصيد لأصحاب الدعوات، وهم أقرب إلى الاستجابة من غيرهم. والصَّلاة هي آخر العُرَى الباقية لهذا الدين؛ كما جاء في الحديث: «لتُنْقَضَنَّ عُرى الإسلام عروةً عروة، فأوَّلها نقضًا: الحكم وآخرها الصلاة»(28).
وأخيرًا أحسبك لا تجهل أنَّ هذا الموضوع فرعٌ صغير من أصل كبير، هو النظرة إلى جمهور المسلمين في بلاد الإسلام وحكمنا عليهم: هل هم كفَّار جاهليُّون أم مسلمون متفاوتون: فمنهم ظالمٌ لنفسه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله؟! فمن كفَّر المسلمين لم يرَ جواز الصَّلاة في مساجدهم، ومن أبقاهم على أصل الإسلام وإن عصوا وانحرفوا ـ كما هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة ـ لم ير أفضل من الصَّلاة في المساجد، خلف كلِّ برٍّ وفاجر. والله أعلم.
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب (3/1816) نشر دار الشروق، القاهرة، ط 17، 1412هـ .
(2) رواه أحمد (7571)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود (3658)، والتِّرْمِذي (2649)، وقال: حسن. كلاهما في العلم، وابن ماجه في المقدمة (266)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6284)، عن أبي هريرة.
(3) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1867).
(4) المصدر السابق (1873).
(5) سبق تخريجه صـ 476.
(6) رواه أحمد (12904)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. والتِّرْمِذي في المناقب (3791) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في المقدمة (154)، عن أنس.
(7) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (835)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1877).
(8) تفسير ابن كثير (4/119). والحديث رواه أحمد (11651)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والتِّرْمِذي في الإيمان (2617)، وقال: غريب حسن. وابن ماجه في المساجد والجماعات (802)، وابن خزيمة في الإمامة (1502)، وابن حبان في الصلاة (1721)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (509).
(9) رواه عبد بن حميد (1291)، والبزار (6941)، والطبراني في الأوسط (2502)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2030): فيه صالح المري؛ وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (1682).
(10) رواه أحمد (22029)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره، والطبراني (20/164).
(11) رواه عبد الرزاق في جامع معمر (20584)، وابن المبارك في الزهد (2/2).
(12) رواه أبو داود (561)، والتِّرْمِذي (223) وقال: حديث غريب. كلاهما في الصلاة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (570)، عن بريدة الأسلمي.
(13) رواه ابن ماجه في المساجد (781)، والحاكم في الطهارة (1/212)، وقال: فيه راوٍ مجهول. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/100): إسناده ضعيف. عن أنس.
(14) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الأذان (662)، ومسلم في المساجد (669)، كما رواه أحمد (10608)، عن أبي هريرة.
(15) كما في رواية ابن ماجه: عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: «من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له، إلا من عذر». رواه ابن ماجه في المساجد (793)، وابن حبان في الصلاة (2064)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. والطبراني (11/446)، والحاكم في الطهارة (1/245)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(16) تفسير ابن كثير (4/120).
(17) رواه مسلم في المساجد (654)، وأحمد (3623)، والنسائي في الإمامة (849)، عن ابن مسعود.
(18) تفسير ابن كثير (4/289).
(19) تفسير الرازي (17/291)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(20) تفسير الرازي (17/291).
(21) تفسير المنار (11/385).
(22) سبق تخريجه صـ 59.
(23) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الأذان (644)، ومسلم في المساجد (651)، عن أبي هريرة.
(24) رواه أحمد (15490)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود في الصلاة (552)، والنسائي في الإمامة (851)، وابن ماجه في المساجد (792)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (561)، عن ابن أم مكتوم.
(25) تفسير ابن كثير (8/438).
(26) رواهما البخاري تعليقًا قبل الحديث (434).
(27) تاريخ ابن خلدون (2/268)، تحقيق خليل شحادة، نشر دار الفكر، بيروت، ط 2، 1408هـ ـ 1988م.
(28) رواه أحمد (22160)، وقال مخرِّجوه: إسناده جيد. وابن حبان في التاريخ (6715)، والحاكم في الأحكام (4/92)، وقال: والإسناد كله صحيح ولم يخرجاه. عن أبي أُمامة الباهلي.