2026-06-05
1,003
مفهوم البدعة
قلتم في إحدى الندوات: إنَّ البدع تكون فقط في العبادات، فهل من البدع قول الشخص لآخر بعد الحلاقة أو بعد الاستحمام: نعيمًا؟ وهل من البدع جعل يوم للعلم، أو يوم للشجرة، أو يوم للشرطة، أو للنظافة، أو للأم، أو نحو ذلك؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أن تقول للشخص بعد الحلاقة أو بعد الاستحمام: نعيمًا. أو تقول له بعد أن يأكل: هنيئًا. أو بعد أن يشرب: هنيئًا مريئًا. أو لما يصحو من النوم تقول له: صحَّ النوم. أو عندما يرجع من سفر: حمدًا لله على سلامتك. وأمثال هذا ممَّا اعتاده النَّاس في مثل هذه المواقف؛ لا شيء فيه؛ لأنَّها لا تقال على وجه التعبد، وإنَّما تقال على وجه المجاملة، والمجاملة مطلوبة من المسلم للمسلم.
والإسلام سنَّ لنا أدعية في كثير من المواقف، فإذا عطست تقول: الحمد لله. فيقول لك من حولك: يرحمك الله. فترد عليهم: يهديكم الله ويصلح بالكم. هذا نوع من المجاملة.
وإذا ذهبت مثلًا لزيارة مريض تقول له: لا بأس طهور. أو تقول له: اللهمَّ رب النَّاس أذهب الباس واشف، أنت الشافي، لا شفاء إلَّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا. وعندما يتزوج تقول له: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير. سن لنا الإسلام المجاملة، بالدعاء الجميل، والكلام الرقيق.
وأرى أنه لا مانع شرعًا من أن يتعارف النَّاس على كلام طيب يقولونه في مثل هذه المجاملات، لكن لا يقال ذلك على سبيل التعبد والتدين، إنَّما من باب مجاملة النَّاس بعضهم لبعض، فهذه المجاملات لا تدخل في العبادات، وهي جائزة، ويبتكر النَّاس منها ما شاؤوا، ما دامت لا تشتمل على شيء محرم، فلو أن إنسانًا يعمل شيئًا محرمًا لا يجوز أن نقول له كلمة فيها تشجيع له على فعل هذا المحرم، مثلًا إنسان يستحم في حمام فيه رجال ونساء، لا تقل له: نعيمًا. هذا ليس نعيمًا، بل هو شقاء وجحيم. أو امرأة خرجت من حمام السباحة أمام الرجال، فلا تقل لها زميلتها: نعيمًا. فإذا لم يكن الأمر مشتملًا على معصية، فلا مانع أن يقول الشخص ما تعود النَّاس أن يقولوه، وليس هذا من البدع، بل أرى أن الشَّرع يحبِّذ مثل هذا؛ لأنَّها توثق الصلة بين النَّاس بعضهم وبعض.
وأما جعل يوم للعلم، أو للتشجير، أو للشرطة، أو للأم، أو للطفل... أو نحو ذلك، أو الأسابيع الَّتي يقيمونها كأسبوع منع التدخين، أو أسبوع منع المسكرات، فهذه كلها لا حرج فيها.
في قطر هنا يجعلون يومًا للعلم، يحيُّون فيه الَّذين تخرجوا، فتحيِّي الجامعات فيه خرِّيجيها، وتعطيهم هدايا تشجيعية، لتشجيع النَّاس على العلم، وهو أمر مرغوب فيه، قال تعالى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الزمر: 9].
ويجعلون يومًا للشجرة، لإغراء النَّاس بالتشجير، وهذا شيء يرغب فيه الإسلام، فالنبي ﷺ يقول: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلَّا كان له به صدقة»(1). ويقول ﷺ : «من قطع سِدْرةً صوَّب الله رأسَه في النار»(2). أي: من قطع الشجرة المثمرة، وحرم النَّاس من ظلها وثمرها بدون مبرر: صوَّب الله رأسه في النَّار. فمثل هذه الأيام وهذه الاحتفالات أشياء طيبة، ولا مانع منها، ومن ذلك يوم الشرطة.
لكن الشيء الَّذي أتوقَّف فيه «يوم الأم»؛ لأنَّ يوم الأم هذا يعمله الغربيون؛ لأن عندهم ـ للأسف ـ عندما يكبر الفتى أو الفتاة يترك أمه وأباه، وتمر السَّنة ولا يرى أباه ولا أمه، فجاؤوا إلى يوم في السَّنة وجعلوه يومًا للأم أو يوما للأب، وبعض الأبناء حتَّى في هذا اليوم ربَّما لا يذهب لزيارة أمه أو أبيه، ويرسل لهما الهدية بالبريد، أمَّا نحن فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأن الواجب أن يكون كل الأيام عيدًا للأب، وعيدًا للأم، لسنا في حاجة إلى هذا اليوم، الإسلام أمرنا ببر الوالدين، وجعل حقهما أعظم الحقوق بعد حق الله، ﴿وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا﴾ [النساء: 36]، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا﴾ [الإسراء: 23]، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا﴾ [البقرة: 83]. ولذلك نحن لسنا في حاجة إلى يوم للأم أو للأب، ولا يكفي أن يكون يوم واحد في السَّنَة للأبِ أو للأمِّ، بل ينبغي أن يبرَّهما في كل يوم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في المزارعة (2320)، ومسلم في المساقاة (1553)، عن أنس.
2. رواه أبو داود في الأدب (5239)، والنسائي في الكبرى في السير (8557)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (614)، عن عبد الله بن حبشي. والمراد بالسدرة: شجرة السدر (النبق) التي يكثر وجودها في البراري.