2026-06-13
983
العجز عن الاغتسال
أودُّ من فضيلتكم إبداء حكم الشرع في موضوع خاص، وهو الاغتسال والطهارة من الجنابة، حيث إنَّني أغسل رأسي في يوم وجسدي في يوم، وذلك لأسباب صحية قاهرة، لا داعي للخوض فيها، المهم أنَّ حالتي تتعلق بموضوع الحساسية من الاغتسال، الأمر الَّذي يفرض عليَّ أن أغسل جسدي دون الرأس، وبعد يوم يمكنني أن أغسل رأسي وحده.
فهل هذا الاغتسال تحت وطأة هذه الضرورة الجبريَّة القاهرة يجزئ عنِّي، ويزيل الجنابة، ويجيز لي الصلاة؟ أم لا؟ وإذا كان الجواب بالنفي فماذا أفعل كي أتمكَّن من إزالة الجنابة وأقوم بالصلاة الَّتي هي عمود الدين؟ أرجو الإفادة، أفادكم الله ووفقكم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الله 4 بعباده رؤوف رحيم، يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، وكما قال 8 : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ﴾ [الحج: 78]. وقال في آية الطهارة بعد أن شرع التيمُّم: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُواْ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾. ثمَّ قال: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. ففي الآية ذكر المرض، وأنَّه من أسباب إباحة التيمُّم، لمن أصابته جنابة، ولم يقدر أن يتطهَّر بالماء.
وعن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا معنا حجرٌ، فشجَّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات، فلمَّا قدمنا على النبيّ ﷺ أُخْبِر بذلك، فقال: «قتلوه قتلَهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنَّما شفاء العِيِّ السؤال، إنَّما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصر ـ أو يعصب ـ على جُرحه خِرْقَة، ثمَّ يمسح عليها، ويغسل سائر جسده»(1).
فالنبيُّ ﷺ اعتبر هؤلاء الَّذين أفتوا بجهلٍ قتلة، ودعا عليهم، وقال: «قتلهم الله». لأنَّهم أدخلوا أنفسهم فيما لا يعلمون، وعسَّروا ما يسَّر الله.
الشرع يوجب أشياء، ولكنْ عند العجز تسقط، فمثلًا: الإنسان عليه أن يصلِّي قائمًا، ولكن إذا كان لا يستطيع أن يصلِّي قائمًا يصلِّي قاعدًا، وإذا لم يستطع أن يركع ويسجد يصلي إيماءً، كما قال النبيُّ ﷺ لعمران بن حُصَين: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ، فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنب»(2).
والإنسان عليه أن يصلِّي للقِبْلة، فإذا لم يعلم جهة القِبْلة، ولم يجد أحدًا يسأله، ولم يجد شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا يهديه، ولا عرف أي جهة تكون، يتحرَّى، ويصلِّي باجتهاده، ولا شيء عليه إن تبيَّن بعد ذلك أنَّه غلط، فالله أسقط عنه هذا الشرط بسبب العجز، وكذا إن لم يقدر على التوجه للقبلة، بسبب مرض، أو سفر لا يستطيع التحرك فيه، أو خوف من عدو، أو نحو ذلك، فإنَّه أيضًا يصلِّي إلى أيِّ جهة، فالله يقول:﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾[البقرة: 115].
وأقول للسائلة: لا بدَّ من أن تعرض نفسَها على طبيبٍ متخصِّصٍ ثقةٍ في طبِّه وعلمه، وثقة في دينه أيضًا، فإذا أمرها أن تغسل رأسها في يوم وبدنها في يوم، فعليها أن تلتزم بما يقول، وليس عليها أن تعرِّض نفسها للألم والضرر؛ لأنَّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام،﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ﴾[الحج: 78].
وعليها أن تبدأ بالجسم؛ لأنَّ الرأس هو الشيء الأقل، فتبدأ بالأكثر، فتغسل جسمها كله، وتترك غسل الرأس، وإذا كانت تستطيع أن تمسح على الرأس فلتمسحْ رأسها، وتتيمَّم عن هذا الجزء الَّذي لم تستطع أن تغسله وهو الرأس، سواء مسحته أم لم تمسحه، فالتيمُّم يكفيها عن الجزء الَّذي لم تغسله، وفي اليوم الثَّاني تغسل رأسها، هذا ما يمكنها أن تفعله، وتتيمُّم لكلِّ صلاة، ولم يكلِّفها الله أن تقتل نفسَها، ما دامت مريضةً بالحساسية، ولا تستطيع غسل جسمها كلِّه مرَّة واحدة، وأمرها الأطبَّاء المتخصِّصون الموثوقون بذلك.
(1) رواه أبو داود (336)، والدارقطني (729)، كلاهما في الطهارة، ونقل عن شيخه فيه أبي بكر ابن أبي داود قوله: هذه سنة تفرد بها أهل مكة، وحملها أهلُ الجزيرة. لم يروه عن عطاء عن جابر غيرُ الزُّبير بن خريق، وليس بالقوي. وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس، وهو الصواب. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (364)، دون قوله: «إنما كان يكفيه...».
(2) رواه البخاري في الجمعة (1117)، وأحمد (19819)، عن عمران بن حصين.