2026-06-16
49
هل يحرم الابن العاق من الميراث؟
سيدة كان لها ابن عاق قاطع لرحمها، ويسيء معاملتها، فأوصت لشقيقتيه بثلث مالها. وبعد الوفاة، استفسرت الشقيقتان عن حكم الشرع في ذلك، فقال أحد العلماء: إنَّ الأم تعذَّب لحيفها في ابنها، فماذا نفعل حتَّى نرفع هذا الإثم عن الوالدة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
العقوق للوالدين عامة، وللأم خاصَّة من أكبر الكبائر، بعد الشرك بالله تعالى، ولكنَّه لا يجيز للأم ولا للأب حرمان الابن العاق من حقِّه الشرعي في الميراث؛ فقد تولى الله تعالى قسمة المواريث بنفسه في كتابه، وجعلها وصيَّة وفريضة منه، كما قال تعالى في آية ميراث الأولاد: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ﴾، وقال في آخرها:﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[النساء: 11].
ولم يحرم الشرع من الميراث إلَّا القاتل لمورثه، فلا ميراث لقاتل. وهذه الأم أرادت أن تحرم ابنها من قدر من الميراث بما أوصت به لابنتيها، وهذه الوصيَّة ظالمة وممنوعة شرعًا.
والوصية الشرعيَّة مقيدة بقيدين:
1 ـ أن تكون في حدود الثلث، «والثلث كثيرٌ» كما في الحديث الصحيح(1).
بل قال ابن عبَّاس ^ : لو غضَّ النَّاس إلى الربع! لأنَّ رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير» أو «كبير»(2).
ومعنى غضَّ: نقص. و«لو» للتحضيض، أي أنَّه يحضُّ النَّاس ويحثُّهم أن ينقصوا الوصيَّة من الثلث إلى الربع، فيكون أولى لدلالة الحديث.
2 ـ ألَّا تكون لوارث، لحديث: «لا وصيَّة لوارثٍ»(3).
والوصيَّة هنا لابنتين وارثتين، فهي محرَّمة باتِّفاق العلماء، إلَّا إذا أجازها بقيَّة الورثة؛ لأنَّ المنع إنَّما هو لحقِّهم، فإذا أجازوا الوصيَّة، فقد تنازلوا عن حقِّهم.
وإذا لم يجيزوها، فلا يجوز أن تنفَّذ؛ لأنَّها عمل على غير ما أمر النبيُّ ﷺ ، فهو مردودٌ على من فعله.
وإذا نفذ عن طريق الحيلة ـ كالبيع والشراء للورثة ـ أو عن طريق القوانين الوضعيَّة، فالإثم على الموصِي وعلى الموصَى له أيضًا، لتعدِّيهما حدود الله تعالى.
وإذا كانت الأمُّ قد ارتكبت إثمًا بوصيتها غير الجائزة، فلا نستطيع أن نجزم بأنَّها تعذَّب بعد موتها، فقد يكون لديها من الحسنات ـ من صلاة أو صدقة، أو حج أو عمرة أو غير ذلك ـ ما يمحو أثر معصيتها، قال تعالى:﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾[هود: 114].
وقد يكون نزل بها من المصائب ما يكفِّر الله به خطاياها، وقد يعفو الله تعالى عنها. ولذلك قال الناظم:
وَمَنْ يَمُتْ وَلَمْ يُتُبْ مِنْ ذَنْبِهِ
فَأَمْرُهُ مُفَوَّضٌ لِرَبِّهِ(4)
فَإِنْ يُثِبْ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وَإِنْ يُعَذِّبْ فَبِمَحْضِ عَدْلِهِ(5)
وعلى كل حال، فإنَّ الجَور في الوصيَّة معصية؛ جديرة أن تعرِّض صاحبها ـ في حدِّ ذاتها ـ لعذاب الله تعالى.
وإذا أرادت البنتان أن تتداركا الأمر، فلتتنازلا عمَّا أوصت به الأمُّ، لتقسم التركة كما فرض الله، ولتستغفرا الله تعالى لأمِّهما، أو يتنازل الابن عن حقِّه لشقيقتيه بطيب نفس، وليستغفر الله تعالى لوالدته. والله غفور رحيم.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (2742)، ومسلم (1628)، كلاهما في الوصية، عن سعد بن أبي وقاص.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (2743)، ومسلم (1629)، كلاهما في الوصية، عن ابن عباس.
(3) رواه أحمد (22294)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن. وأبو داود (2870)، والترمذي (2120) وحسنه، وابن ماجه (2713)، ثلاثتهم في الوصايا، والبيهقي في الفرائض (6/212)، وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في التلخيص الحبير (3/202)، عن أبي أمامة الباهلي.
(4) البيت من جوهرة التوحيد للقاني، انظر شرح البيجوري على الجوهرة صـ19، بيت (116)، نشر دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 2002م.
(5) البيت من الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية للإمام السفاريني صـ63، بيت (67)، نشر مكتبة أضواء السلف، الرياض، ط1، 1998م.