ميراث العصبة مع البنات

❓ ميراث العصبة مع البنات

📅 2026-06-16 👁 39 مشاهدة

نص السؤال:

أثار أحد الصحفيين المرموقين زوبعة من القيل والقال، حول حكم الشريعة الإسلاميَّة الغراء في توريث العصبة وهم أقارب الأب من الإخوة وأبناء الإخوة، والأعمام وأبناء الأعمام، ونحوهم مع بنات الميت من صلبه.
وتساءل الكاتب عن الحكمة والمصلحة من وراء هذا التشريع، مع أنَّ كثيرًا من هؤلاء العصبات من إخوة وأعمام، قد يكونون أبعد ما يكون عن الميت المورث من الناحية الواقعية، فلا مودة ولا صلة ولا تزاور، حتَّى إذا مات الرجل، وترك ابنة أو اثنتين أو ثلاثًا، ظهر هؤلاء العصبة بعد اختفاء، وقربوا بعد ابتعاد، وطالبوا بنصيبهم في التركة؛ فهل هذا يتفق مع حكمة الشريعة، الَّتي أقامت أحكامها على أساس تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد؟
لقد أثار هذا الكلام بعض البلبلة لدى بعض الناس. لهذا نرجو بيان حكمة الشريعة في هذا الأمر؛ ولكم الأجر من الله، والشكر من الناس.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من مزايا الشريعة الإسلاميَّة أنَّ أحكامها متماسكة متكاملة، ومتناسقة يأخذ بعضها بحُجَزِ بعض، ولا ينفصل بعضها عن بعض، فهي وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز أخذ بعضها معزولًا عن البعض الآخر، ومن هنا قال الله تعالى لرسوله ولكل من يحكم في الأمة من بعده: ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ[المائدة: 49]. وأنكر أشد الإنكار على بني إسرائيل أخذهم ببعض الكتاب دون بعض، بقوله:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ[البقرة: 85].
وعلى هذا الأساس كان تشريع ميراث «العصبة» في الإسلام.
وأصل هذا ثابت بالسُّنَّة الصحيحة المتفق عليها، عن رسول الله أنَّه قال: «ألحقوا الفرائضَ بأهلِها، فما بقي فلأَوْلى رجلٍ ذَكَرٍ»(1).
والفرائض هي المقادير والأنصبة الَّتي فرضها الله وقدَّرها في كتابه لأصحابها من الثمن، والربع، والنصف، والسدس، والثلث، والثلثين. ومن المعلوم أنَّ هذه الفرائض قد لا تستغرق التركة في بعض الأحوال، كما إذا ترك الميِّت بناتٍ لا ذكور معهن، فكيف يوزَّع الباقي الَّذِي سكت عنه القرآن؟!
هنا جاء الحديث الصحيح، وحدَّد طريقة التوزيع والاستحقاق، وأنَّه لأَوْلى رجلٍ ذكر، وأولى الرجال الذكور هؤلاء هم الَّذين نسمِّيهم «العَصَبة» وهو الَّذِي يأخذ ما بقي بعد أصحاب الفروض من التركة، وينفرد بها إذا لم يوجد صاحب فرض.
ففي حالة ما إذا ترك الميت ابنتين أو ثلاثًا مثلًا، وأمًّا وزوجة، فإنَّ البنات لهن الثلثان والأم لها السدس والزوجة لها الثمن وهذه فرائض منصوص عليها في القرآن.
فإذا افترضنا المقام «أربعة وعشرين»، فمجموع هذه الفرائض يساوي (23/24)، ويبقى من التركة (واحد) على (أربعة وعشرين)، وإذا لم توجد أم للميت يصبح الباقي (خمسة) على (أربعة وعشرين)، وإذا لم توجد أم ولا زوجة يصبح الباقي (ثمانية) على (أربعة وعشرين)، وهذا الباقي قل أو كثر، هو من نصيب العصبة: أولى رجل ذكر، فأولى النَّاس بالميت هو أقربهم.
وسرُّ توريث العصبة يرجع إلى فلسفة الإسلام في نظام الأسرة؛ فهي ليست الأسرة الضيقة المحصورة في الزوجين وأولادهما، كما هو معروف عند الغربيين وغيرهم؛ بل هي الأسرة الممتدة أو الموسعة، الَّتي يدخل فيها الأقارب والأرحام.
ولهذا وجدنا القرآن والسُّنَّة حافلين بتأكيد حقِّ ذوي القربي وإيجاب صلتهم، وتحريم قطيعتهم.
وحسبنا أن نقرأ مثل هذه الآيات:﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ[النساء: 36].
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا، إلى أن قال:﴿وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ[الإسراء: 23 ـ 26].
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ[البقرة: 215].
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ[البقرة: 180].
﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا[النساء: 1].
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ ٢٢ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَٰرَهُمْ[محمد: 22، 23].
ولم يدع الإسلام الأمر وصايا أخلاقية، ودعوة قائمة على الترغيب والترهيب فحسب؛ بل تدخَّل بالتشريع لحماية الوصايا وتنفيذها: فشرع عدَّة أنظمة، تكفل بقاء النظام واستمراره، كما يحبُّ الله ورسوله، منها:
1 ـ نظام النفقات:
فمن حق القريب الفقير الَّذِي لا كسب له ولا مورد، أن ينفق عليه قريبه الموسر، بما يحقق له كفايته.
وهذا النظام من دعائم التكافل الاجتماعي في الإسلام، على معنى أنَّ الأسرة فيما بينها تتكافل، قبل أن يطلب من الغرباء أو المجتمع أو الدولة(2).
يقول تعالى:﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌۭ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ[البقرة: 233].
ومعنى:﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ، أي على القريب الَّذِي يرث من المولود له وهو أب المولود إذا مات، رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: النفقة عليهن في حالة الرضاع؛ فكما أنَّه يرث فيغنم: ينفق فيغرم، والغُنم بالغُرم.
2 ـ نظام الميراث:
فقد ورَّث الإسلام الأقارب بعضهم من بعض؛ وفق نظام مرسوم وترتيب معلوم، يحجب الأقربُ إلى الميت درجة مَنْ هو أبعد منه. يقول تعالى في سورة النساء الَّتي بدأها بالوصية بتقوى الله والأرحام:﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا[النساء: 7].
والعدل يقتضي أنَّ القريب الَّذِي قد يُكلَّف النفقة على قريبه إذا عجز وأعسر، أن يكون له نصيب من ميراثه إذا مات ولا عاصب له، ليتقابل الغرم والغنم.
والبنت أو البنات اللاتي مات والدهنَّ، وليس لهن إخوة في حاجة إلى ولاية العاصب وحمايته، إنْ كنَّ ذوات مال، وإلى رعايته ونفقته إن لم يكن لهنَّ مال. فاقتضت حكمة الشريعة أن يكون الرباط موصولًا وقويًّا بين البنات وعمومتهم أو بني عمومتهم، لهذا السر.
3 ـ نظام العاقلة:
وتأكيدًا لهذا الرباط بين أفراد الأسرة الموسعة، شرع الإسلام نظام العاقلة في الديات.
فمن قتل قتيلًا خطأً أو شبه عمدٍ، فإنَّ دِيَةَ المقتول في مال عصبته موزَّعة على ثلاث سنوات لا في مال الجاني وحده، وفي هذا عدَّة فوائد:
1 ـ ألَّا يضيع دمٌ هدرًا؛ إذا عجز مال الجاني عن دفع الدية.
2 ـ مواساة الجاني والتخفيف عنه، في تحمُّل آثار جريمة لم يتعمَّدها.
3 ـ اهتمام هذه الجماعات بتربية أبنائها ومراقبة سلوكهم؛ حتَّى لا يتكرر منهم ارتكاب هذه الجرائم، ويكلِّفوهم ما لا يطيقون.
إنَّ الَّذِي جعل حكم ميراث العصبة مع البنات مستغربًا لدى بعض المسلمين: هو الواقع الرديء الَّذِي نراه في الحياة الإسلاميَّة اليوم بين الأقارب بعضهم وبعض؛ حتَّى إنَّ الإخوة يعيشون في بلد واحد ولا يتواصلون، وربَّما تمرُّ السنوات ولا يرى بعضهم بعضًا، وقد يكون أحدهم غنيًّا والآخر فقيرًا أو الآخرون فقراء، فلا يفكر فيهم، ولا ينالهم شيء من خيره.
وتنتقل هذه الجفوة أو القطيعة من الآباء إلى أولادهم، فلا يكادون يعرفون شيئًا عن أعمامهم أو أولاد أعمامهم، حتَّى إذا مات العم أبو البنات، وكان له تركة ومال يورث يظهر فجأةً العم المختفي أو أولاد العم الَّذين لم يرهم أحد من قبل.
إنَّ هذا الواقع مناقضٌ لتعاليم الإسلام، وهو الَّذِي جعل بعض النَّاس يتساءل: ما الَّذِي جعل لهذا العم أو أبنائه حقًّا، ولم يكن له أو لهم أي صلة بهم من قبل؟
إنَّ سلوكنا نحن المسلمين كثيرًا ما يظلم به الإسلام. ولكنَّ الحقيقة الَّتي لا ريب فيها: أنَّ الإسلام حجَّةٌ على المسلمين، وليس المسلمون حجَّةً على الإسلام.
هدانا الله جميعًا سواء السبيل.
← العودة لقسم 4- المواريث والوصايا