2026-06-16
33
الديون والوصايا مقدَّمة على توزيع التركات
تُوفي زوج أختي بعد صراع مرير مع مرض السرطان الَّذِي لم يمهله غير بضعة أشهر، وهو في سن الثلاثين من عمره، ولم ينجب غير ابنة واحدة، وكانت له صيدلية بمصر، أسَّسها له والده، وعليها دين حوالي عشرين ألف جنيه مصري، وهي مغلقة، وكان قد عمل بالسعودية ووفَّر مبلغ حوالي عشرين ألف جنيه بعد ديون أخرى كانت على الصيدلية، وبعد مصاريف زواجه وتأثيث البيت.
فهل يجوز أن تأخذ أختي قرضًا من البنك لسداد هذا الدين؟ وأحيطكم علمًا يا فضيلة الشيخ بأنَّ والد المتوفى يطمع في المال كله، ولا يريد أن يعطي البنت غير مبلغ زهيد أقل من ميراثها الشرعي، نرجو الحل، وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا الدَّين الَّذِي على المتوفى فينبغي أن يُسدَّد قبل القسمة؛ لأنَّ هذا نص القرآن الكريم، القرآن حينما ذكر في آيات المواريث قال في الآية الأولى: ﴿مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]. وفي الآية الثانية قال: ﴿مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ﴾ [النساء: 12]، وقال بعد ذلك: ﴿مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ﴾ [النساء: 12]. فالديون والوصايا مقدَّمة على توزيع التركات، أي أنَّ تركة الميت لا توزع إلَّا بعد أن نجهِّز الميت من تركته، بأن نكفنه ونغسله، ونوجد له قبرًا لندفنه، ثمَّ بعد ذلك نعطي الدين لأهله ومستحقيه، ثمَّ ننفذ الوصايا، ثمَّ بعد ذلك توزَّع الحقوق على أهلها.
والصيدلية الَّتي وهبها له والده، إن كان وهبها له في حياته، فقد أصبحت ملك الابن، وفي هذه الحالة تصبح تركة، يرثها الأب وترثها الزوجة والبنت، الزوجة لها الثمن، والبنت لها النصف، كما قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ﴾[النساء: 11]. وكلمة الولد تشمل الذكر والأنثى، أي: مولود، والأب له السدس فريضة، ولو أنَّ أم المتوفى موجودة فلها أيضًا السدس، ويأخذ الأب الباقي تعصيبًا، له السدس فريضة والباقي تعصيبًا؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: «ألحقوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ، فهو لأولى رجلٍ ذكر»(1). وأولى الرجال به أبوه في هذه الحالة.
ولا يجوز للأب أن يطمع في مال ابنةِ ابنه وأمِّها؛ لأنَّ الله شدَّد في أمر الميراث، فقال بعد آية المواريث الأولى في سورة النساء: ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا﴾ [النساء: 11]. وفي الآية الثانية قال: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ﴾ [النساء: 12]. ثمَّ قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾.
فالأنصبة الَّتي ذكرها القرآن هذه: حدود ومقادير، حدَّدها الله 8 ،﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٣ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾[النساء: 13 ـ 14].
فهذا الجد لا يجوز له أن يجور على حفيدته، فهي بضْعة منه، وهي امتداد لوجوده، وهي يتيمة، فينبغي أن تُرعى أكثر، وهو إذا أكل مالها أكل مال يتيم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا﴾[النساء: 10]. ويقول:﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾[الأنعام: 152]، و﴿بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾، أي: بالطريقة الَّتي هي أحسن الطرق، لتثمير هذا المال وتنميته، ننظر أحسن شيء نستثمر فيه هذا المال، هذا هو الواجب على هذا الجد.
(1) سبق تخريجه صـ 293.